; صائدة القارئ | مجلة المجتمع

العنوان صائدة القارئ

الكاتب عبد الله بن عبد الرحمن آل سند

تاريخ النشر الثلاثاء 25-فبراير-1975

مشاهدات 86

نشر في العدد 238

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 25-فبراير-1975

فمن الحديث الوارد عن النبي- صلى الله عليه وسلم- في لا، لا يرد القضاء إلا الدعاء، لا يزيد في العمر إلا البر، لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له، لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار، لا يغني حذر عن قدر، لا يحل لمسلم أن يروع مسلمًا، لا تنظروا إلى من فرقكم، وانظروا إلى من هو دونكم، فإنه أحرى أن لا تزدروا نعمة الله عليكم، لا يكثر همك فإنه ما يقدر يكون، وما ترزق يأتيك، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، لا تظنوا بمؤمن سوءًا، لا تعصوا العاقل فتندموا. ومن الحكمة المأثورة عن السلف وغيرهم: لا يوجد العجول محمودًا، ولا المغضوب مسرورًا، ولا الحر حريصًا ولا الكريم حسودًا، ولا الشره غنيًا، ولا العلول ذا إخوان، لا تحقرن شيئًا من الخير وإن كان صغيرًا، لا تطمع في كل ما تسمع، لا تطلب سرعة العمل واطلب تجويده، فإن الناس لا يسألون في كم فرغ منه، وإنما يسألون عن جودة صنعته، لا تعمل شيئًا من الخير رباءً، ولا تتركه حياءً، لا تنال الراحة إلا بالتعب ولا تدرك إلا بالنصب، لا حياة أطيب من الصحة، ولا حارس أحفظ من الصمت، ولا غائب أقرب من الموت. قيل لسفيان بن عبيدة: قد استنبطت من القرآن كل شيء، فأين المروءة؟ فقال في قوله تعالى: ﴿خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ﴾ (الأعراف: 199). ففيه المروءة وحسن الآداب ومكارم الأخلاق، فجمع في قوله: «خذ العفو» صلة القاطعين، والعفو عن المذنبين، والرفق بالمؤمنين، وغير ذلك من أخلاق المطيعين، ودخل في قوله: «وأمر بالعرف» صلة الأرحام وتقوى الله في الحلال والحرام، وغض الأبصار والاستعداد لدار القرار، ودخل في قوله: وأعرض عن الجاهلين، الحض على الإعراض عن السفهاء والأغبياء. التخلق بالحلم والإعراض عن أهل الظلم والتنزه- أربع قليلها كثير. النار، والعداوة، والمرض، والفقر- أربعة من الشقاوة، جار السوء، وامرأة السوء، وولد السوء، والمنزل الضيق- أربعة لا يدري قدرها إلا أربعة، لا يعرف قدر الحيلة إلا الموتى، ولا قدر الصحة إلا المرضى، ولا قدر العافية إلا أهل البلاء، ولا يعرف قدر الغنى إلا الفقراء، وأربعة من علامات الإيمان: حسن العفاف، والرضى بالكفاف، وحفظ اللسان واعتقاد الإحسان. الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت فقيه العراق، ولد سنة ۸۰ وتوفي في بغداد سنة 150- الإمام مالك بن أنس بن مالك، ولد في المدينة سنة ٩٥، وتوفي سنة ١٧٩ في المدينة- الإمام الشافعي محمد بن إدريس بن العباس القريشي، ولد سنة ١٦٤ وتوفي سنة ٢٤١- الإمام البخاري محمد بن إسماعيل، ولد سنة ١٩٤ وتوفي سنة ٢٥٦- الإمام مسلم، ولد سنة ٢٠٦ وتوفي سنة ٢٦١، رحمهم الله تعالى. وقال الحسن البصري لم أر أشقى بماله من البخيل، لأنه في الدنيا مهتم بجمعه، وفي الآخرة محاسب على منعه، غير آمن الدنيا من همه، ولا ناج في الآخرة من إثمه، عيشه في الدنيا عيش الفقراء، وحسابه في الآخرة حساب الأغنياء. وحكي أن رجلًا أراد أن يحج، فأودع عند رجل مالًا، فلما رجع طلبه منه فجحده، فأتى أياسًا القاضي فأخبره، فقال له لا تعلم أحدًا أنك أتيتني، وارجع إلي بعد يومين، ثم دعا القاضي أياس المودع عنده، وقال له قد اجتمع عندنا مال لأيتام، وأريد أن أودعه عندك ليكون في حرزك، فحصن بيتك وانتخب أقوامًا تقاة يحملونه معك، فخرج الرجل وأصلح منزله، ثم دعا القاضي أياس المودع، وقال له انطلق إلى صاحبك واطلب منه مالك، وقل له إن أنت لم ترد عليّ مالي شكوتك للقاضي، فذهب إليه وطلب ماله، فرده عليه، فأخبر الرجل القاضي أياسًا بذلك، فتعجب من ذلك وقال ربما كانت الحيلة إلى درك المطلوب وسيلة، وترك القاضي أياس وعد الرجل. قال بعض الحكماء من أبصر عيب نفسه، شغل عن عيب غيره، ومن رضي برزق الله تعالى، لم يحزن على ما في يدي غيره، ومن سل سيف البغي قتل به، ومن احتفر بئرًا لأخيه وقع فيها، ومن نسي زلته استعظم زلة غيره، ومن أعجب برأيه ضل، ومن استغنى بعقله زل، ومن تكبر على الناس ذل، ومن خالط الأراذل حقر، ومن خالط العلماء وقر، ومن دخل مداخل السوء اتهم، ومن انتظر العاقبة اصطبر، ومن خشي الله فاز، ومن کثر کلامه کثر سقطه. قال عبد الله بن العباس قال لي أبي إن هذا الرجل- يعني عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- يدنيك يستخليك دون الناس، فاحفظ عني ثلاثًا: لا تفشين له سرًا ولا تغتابن عنده أحدًا، ولا يطلعن منك على كذب. قال بعض الحكماء الرغبة والرهبة أصلان لكل تدبير، وعليهما مدار كل سياسة عظمت أو صغرت، بذلك بعث الله تعالى الرسل وأنزل الكتب، وأقام الوعد مع الوعيد والثواب مع العقاب، والرجاء مع المخافة، والعفو مع السطوة، قال الله عز وجل: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة: 7 - 8). أوصى والد ابنه فقال: يا بني كن بما علمت عمولًا، وعما جهلت سئولًا، وافحص الأمر يتجلى لك، واستبطن أهل التقوى وذوي الأحساب، تزن نفسك وتحكم أمرك، ولا تخص بسرك من لا يكتمه، ولا تول أمرك من لا يفهمه، ولا تثق برجل تتهمه، ولا تعود لسانك الخنا وكثرة التألي، ولا تكلف نفسك ما لا تقدر عليه، وإذا هممت بأمر خير فعجله، وإذا هممت بأمر شر فتأن فيه. إياك والعجلة، فإن العرب كانت تكتبها أم الندامة، لأن صاحبها يقول قبل أن يعلم ويجيب قبل أن يفهم، ويعزم ويذم قبل أن يفكر، ويقطع قبل أن يقدر، ويحمد قبل أن يجرب، ويذم قبل أن يخير، ولن يصحب هذه الصفة أحد، إلا صحب الندامة واعتزل السلامة. كلمة خالدة قال رجل للحسن: إن لي بنية فمن ترى أن أزوجها؟ قال زوجها ممن يتقي الله، فإن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها. قال بعض العلماء لابنه: يا بني إياك والجزع على ما فات، والطمع فيما لا يرجى، وما اشتد خطب إلا وأعقبه فرج، ولا انسد باب إلا سوف ينفرج، فإن الله عز وجل قد جعل مع العسر يسرين، وجعل في الصبر الظفر والأنس، ومع الجزع الكدر واليأس، فاختر لنفسك ما يدنيك إلى الله ويقربك، واأطرح عنها ما يحزنك ويكربك. قيل للإمام الشافعي- رحمه الله- كيف أصبحت؟ قال أصبحت تطلبني ثمانية الله تعالى بالفرض، ورسوله عليه الصلاة والسلام بالسنة، والدهر بصروفه والعيال بقوتهم، والحفظة بما ينطق لساني، والشيطان بالمعاصي، والنفس بالشهوات، وملك الموت يقبض روحي. حكي أن الشافعي- رحمه الله- لما مرض مرضه الذي مات منه، قال لأهله: إذا مت فقولوا لفلان يغسلني. فلما توفي وبلغه الخبر، قال: ائتوني بتذكرته. فجيء بها إليه، فوجد فيها علي الشافعي ألف درهم دينًا لفلان وفلان، فكتبها الرجل على نفسه وقال هذا الغسل الذي أراده. قال بعض الحكماء العجرب أحكم من الطبيب، وفي تصرف الدنيا موعظة لكل أديب، فمن صلح له يقينه وسلم له دينه، فلا شيء يضره ولا يشينه، ومن لم يعتبر تصرف الأيام، غرق في بحر الآثام، كفى بالتجارب تأدبًا وبتقلب الأيام عظة. ومن الحكم المأثورة: حلوا أنفسكم بالطاعة وألبسوها قناع المخافة، واجعلوا آخرتكم لأنفسكم، وسعيكم لمسترقكم، واعلموا أنكم عن قليل راحلون، وإلى الله صائرون، ولا يغني عنكم هنالك إلا صالح عمل قدمتموه، أو حسن ثواب حزتموه. والله الموفق.
الرابط المختصر :