العنوان شيوعي مصري يخطط.. سياسة «الانفتاح» مع العدو
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 06-ديسمبر-1977
مشاهدات 100
نشر في العدد 377
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 06-ديسمبر-1977
رحلة «الخيبة السياسية» ليست هي نهاية «السخرية» بالأمة، والاستهزاء بوعيها، فمن ضحك عليها؟ وعمل خلف ظهرها في قضيتها الأولى، سيضحك عليها في قضايا أخرى بالتأكيد، والعجيب أن عبقرية الاستهزاء تستخدم ضد الأمة، لا ضد أعدائها.
إنه لمن المتوقع أن يحصل تآمر بشع على دول عربية، استكمالًا للمخطط المجنون عربيًّا، الماكر صهيونيًّا، الزيارة غطاء لشيء جد رهيب، وثمة أدلة وظواهر تدعم هذا التحليل.
* في الظاهر، كان المفهوم العام لتحرك كيسنجر في المنطقة هو: إبرام اتفاق الفصل بين القوات العربية واليهودية.
لكنه اتضح- بعد ذلك- أن تلك الرحلات المتكررة والمباحثات والجلسات المطولة، دار فيها شيء آخر، وحصل التفاهم على خطوات أبعد من خطوة فصل القوات.
إن ما يجري اليوم قد وضعت خطوطه من قبل أثناء رحلات كيسنجر المشهورة، ومما يعزز هذا القول: إن كيسنجر كان يسارع إلى تطمين بني قومه، كلما بدر منهم بادرة عدم اطمئنان، ويقول لهم: أنا متأكد أن الأمور ستكون في صالحكم، فيستجيب اليهود لكلام ابنهم ويطمئنون، والطمأنينة- في عالم السياسة- لا تتوفر إلا بالحصول على «مكاسب سياسية» مادية.
وأهم المكاسب السياسية المادية بالنسبة لليهود هي: الاعتراف بهم، والانفتاح عليهم، وكسر الحاجز النفسي بينهم وبين الوطن العربي.
* طرحت شعارات خادعة: لنترك مسألة الحدود المفتوحة للأجيال القادمة، «ومثل: لو أيقظنا سيدنا محمدًا وعيسى، والاثنين معًا، كي يقنعا أي عربي مسلمًا كان أم مسيحيًّا بفتح الحدود مع (إسرائيل) لما استطاعا ذلك، بعد 29 سنة وأربع حروب وأنهار دم، ومذابح وكراهية»(1)، بينما كان العمل السري يسير في اتجاه مضاد تمامًا لهذه الشعارات.
* السقوط التاريخي نفسه كان غطاء لاتفاق أبرم سلفًا، وغطاء لأحداث مروعة ستقع في الوطن العربي.
ومن هذه الأحداث: التفرغ لقتال بعض العرب بشن حروب من خارج الحدود، والتآمر على بعضهم من الداخل و.. و..
إن الذين يدعون إلى- الثقة- وينصحون بعدم التسرع بسوء الظن، قوم فقدوا عقولهم في هذا الضجيج الإعلامي المبلبل.
والدليل على أنهم قد فقدوا عقولهم: كلامهم الخرافي عن- الثقة- بمعنى أنهم يتحدثون عنها وكأنها- حالة نفسة وهمية، إن للثقة شروطًا موضوعية تدور معها وجودًا وعدمًا.
▪ أهم هذه الشروط:
1- الوضوح، وفي القضية التي معنا لا نجد إلا الغموض واللف والمخاتلة، فكيف توجد الثقة بأناس تجاهلوا شرط الوضوح؟
2- الشورى، فالتفرد بالقرار، أو الاستبداد بالرأي ينطوي على عدم الثقة برأي الآخرين، ومن هنا فإن الاستخفاف بمبدأ الشورى يولد حالة «تبادل عدم الثقة».
3- الاتزان، إن الرجل المتزن في خطواته وقراراته جدير بالثقة، أما في حالة الخفة وفقدان التوازن فإن الناس مضطرين إلى شحن نفوسهم «بعدم» الثقة فيمن هذه حاله.
4- بعد النظر، وهذا شرط قوي من شروط الثقة، ذلك أن قصر النظر- التاريخي والسياسي والفكري- لا يؤهل صاحبه لثقة الناس به، ولم يحدث في تاريخ البشرية، ولا في واقع الناس اليوم، إن ضيعت حكمة تقول: «ثقوا بقصير النظر فإن قصر النظر هو عين الحكمة».
5- احترام الآخرين، فمن يحترم الآخرين يتوفر له شرط من شروط الثقة، ومن لم يحترم الآخرين، يحرم من هذا الشرط بكل تأكيد، ومقاييس الحرمان هي: المعاملة بالمثل، ومراعاة الكرامة الإنسانية، سواء على مستوى الفرد أو على مستوى الدولة.
▪ مكاسب العدو
وللناس الحق في عدم الثقة، فلقد أسفر «السقوط التاريخي» عن مكاسب مذهلة جناها العدو، وظفر بها.
▪ من هذه المكاسب:
* الاعتراف الكامل باحتلاله لفلسطين.
* إقرار السيادة اليهودية على القدس.
* الانفتاح السياسي على الكيان الصهيوني.
* إزالة حالة العداء «وهو مطلب يهودي ثابت».
* إقامة حاجز نفسي بين الأمة العربية، وبين من حقق للعدو هذه المكاسب.
* تدفق المهاجرين اليهود على فلسطين المحتلة، وهو تدفق ناتج عن الاستقرار السياسي الذي أحسوا به في مرحلة السقوط التاريخي.
والتكاثر اليهودي في فلسطين المحتلة يؤدي إلى نتيجتين يحكم العقلاء بـ«العبط» على من يتجاهلهما:
* الأولى: إن هذا التكاثر يدفع اليهود إلى التشبث بالأرض العربية المحتلة؛ لأن مجيء اليهودي من الخارج يعني- بالضرورة- إقامة مسكن له، وإنشاء مزرعة ولو صغيرة له كذلك، وليس في الهواء يقام المسكن والمزرعة، وإنما في الأرض: ومن هنا يفهم كلام موشى ديان وجولدا مائير ومناحيم بيغن: «لا انسحاب من جميع الأرض التي أخذت عام 1967م».
ومن هنا تفهم الإجراءات اليهودية التي سبقت الزيارة إياها بساعات معدودة، ففي يوم الخميس 17-11-1977- قبل الزيارة بيوم واحد- وقع الإرهابي مناحيم بيغن قرارًا بإنشاء مستعمرات جديدة في الأرض المحتلة وخاصة- القدس-.
* الثانية: إن التكاثر اليهودي- بالهجرة- يؤدي إلى تراكم بشري يدفع اليهود إلى الانسياح مجددًا في الوطن العربي.
* تمزيق الأمة العربية، وتفتيت التماسك النسبي فيها (وهذا هدف استراتيجي يهودي، عبر عنه وزير خارجية العدو منذ خمسة أيام بقوله: إننا نبني سياستنا على أساس عقد صلح منفرد مع كل دولة عربية على حدة).
* حالة- الشوق- العارم لليهود، التي تبدت في أكثر من مظهر، قالت صحيفة يهودية:- لقد استقبلوني وكأني ملكة سبأ، وقال مراسل صحيفة- يدعوت أحرنوت- الصهيونية- وقد وصل إلى القاهرة يوم الخميس الماضي-: لقد فوجئت بموظف كبير في مطار القاهرة، وهو يحتضنني ويقبلني، وعندما وصلت إلى غرفتي في الفندق وجدت باقات من الزهور في استقبالي.
ومن مظاهر هذا الشوق: انتشار الكتب- التي تمجد قادة الصهيونية- في مكتبات القاهرة ..إلخ .. إلخ.
* الالتفاف اليهودي حول- المال العربي- وهذه نقطة ينبغي أن ينتبه إليها جيدًا أهل النفط والمال العرب- فلقد أحس اليهود بخطر المال العربي يزاحم نفوذهم في العالم.
واليهود يشمون هذا الخطر من بعيد؛ لأن تاريخهم في المجال المالي طويل ومتشعب، وهم يعلمون أن لقوة المال في العالم وزنًا ضاغطًا، وفي نفس الوقت يريدون تجريد العرب من هذا السلاح.
وفرصتهم بالانفتاح السياسي عليهم تنطوي على إحساسهم بالاقتراب من تحقيق هدفهم في السيطرة على المال العربي، أو التداخل معه بطريقة تشل فاعليته، وتفقده استقلاله في التوجه نحو خدمة أهداف عربية- إسلامية أصيلة.
▪ الأهداف البعيدة
ولسوف تتبخر- الفهلوة- الفردية، في وجه الأهداف اليهودية البعيدة في المنطقة.
إن القول بأن فلسطين وحدها هي المقصودة، فإذا أسلمناها لليهود ارتحنا وأرحنا، إنما هي قول غبي- بالمعنى النفسي والعلمي والتاريخي والعقائدي والسياسي للكلمة- إن لليهود أطماعًا لن تلغيها بسمات السلام في التلفزيونات العالمية.
إن إخراج مصر من الصراع معناه: تفرغ اليهود لأداء مهام أخرى في المنطقة، وهي مهام تبدو وكأنها وصاية صهيونية على مقدرات المنطقة وموازين القوى فيها، مثلًا: قدمت المنظمة الصهيونية في فلسطين المحتلة تقريرًا إلى لجنة القوات المسلحة التابعة لمجلس النواب الأمريكي، وقد جاء في هذا التقرير - وهو خاص بتنامي القوة السعودية-:
«إن ما يمكن أن نقوله من ناحيتنا هو: ازدياد القوة القتالية العامة لدى الجيش السعودي، كما أن السعودية قادرة على أن تضع أحدث الأسلحة تحت تصرف الجيوش العربية الأخرى، والموقع الجغرافي للسعودية يمنح هذه الدولة قوة أكبر من ناحية التكيف، فالسعودية يمكنها الالتصاق بالجبهة الشرقية أكثر من العراق، إذ إنها تشكل شبه منطقة خلفية تزود جيش الأردن بالمؤن، كما أنها تقف أيضًا بقوة في مواجهة - (أراض إسرائيلية)- حيوية، ومن خلال استعداد القوات السعودية خلف الأردن، فمن المحتمل إذا نشبت حرب أن تستخدم جيشها لضرب إيلات وبعض الأهداف الأخرى، والسعودية تعبئ قواتها وجهاز جيشها في هذه المنطقة، والشيء المثير هو أن بناء القوات السعودية قد تم في هذه المنطقة بالذات، ولم يتم في حقول البترول على الجانب الثاني من المملكة، ففي منطقة- تبوك- الواقعة على بعد 250 كيلومترًا من إيلات، تنشئ السعودية مدينة عسكرية ومعسكرات ومخازن هائلة ومطارًا، ومن الممكن استخدام هذه المخازن لضرب منطقة إيلات، وكذلك لضرب (الأراضي الإسرائيلية) الواقعة خلف الخليج حتى شرم الشيخ.
ولا يوجد في هذه المنطقة شيء تدافع عنه السعودية باستثناء مدينة- حاقل- التي تقع على الشاطئ، أما باقي المنطقة فهو صحراء ولكي تدافع السعودية عن هذه المنطقة، فإنها ليست في حاجة لقوات من المظليين ووحدات من المدرعات التي تستحوذ على دبابات فرنسية حديثة».
▪ وهذا التقرير الصهيوني المشبع بالأطماع يركز على نقطتين مهمتين:
* يصور التقرير المنطقة التي تحدث عنها في صورة تهديد مباشر له، والصورة تتضمن المطالبة بتجريد المنطقة من السلاح.
لماذا؟
إن الوعي يقتضي فهم أغراض العدو.
* ينتقد التقرير الإدارة السعودية بسبب أنها واعية للمخاطر وحذرة.
▪ شيوعي مصري يضع استراتيجية الانفتاح على العدو
ربما فكر شيخ الأزهر- وهو يؤيد الرحلة إياها- في أن عمله هذا يغلق الباب في وجه الشيوعية.
لكن هذا الاستنتاج لا وزن له في معيار الفكر السياسي القائم على الرؤية الشاملة، فمن المتوقع أن تنتشر الشيوعية كثيرًا في مصر بعد الانفتاح على اليهود.
وهناك أدلة وبراهين تؤيد هذا الاحتمال القوي:
1- إن شيوعيًا مصريًا اسمه محمد سيد أحمد هو الذي وضع استراتيجية الانفتاح على العدو، لقد ألف عام 1975 كتابًا بعنوان- بعد أن تسكت المدافع- ودعا فيه إلى نفس السياسات التي تطبق اليوم فقال في ص388-390:
«أوجه التكامل هذه- إذا ما كتب لها أن تتحقق- أن تتحقق بالقطع دفعة واحدة بل ربما تكون دواعي- الأمن- هي المدخل إلى إنجازها فإن كل تدابير «الأمن» التي جرى تصورها إلى الآن لتثبيت التسوية عبارة عن روادع سلبية، كمناطق منزوعة السلاح، أو قوات طوارئ دولية، تفصل بين الأطراف المتنازعة، ولم يجر إلى الآن التفكير في ابتكار حوافز إيجابية لتعزيز مصلحة هذه الأطراف في عدم اللجوء مرة أخرى إلى الحرب، ومن أبرز هذه الحوافز في منطق دوائر عديدة، هو أن يقام- مثلًا- حزام من التصنيع الثقيل على جانبي خطوط المواجهة، بأمل أن يكون ذلك رادعًا للأطراف جميعها في تعريض هذا البناء الصناعي المجزي للدمار.
من المتصور- مثلًا- أن تطرح إقامة هذه المشروعات الصناعية في سيناء، وفي صحراء النقب، وكذلك في قطاع غزة وفي الضفة الغربية وفي شتى أرجاء الدولة الفلسطينية، وحتى على الحدود التي تفصل بين (إسرائيل) من جانب، وبين سوريا ولبنان من الجانب الآخر.
من المتصور- كذلك- أن يجري توطين صناعات للبتروكيماويات في هذه المناطق، واحتجار كميات أكبر باستمرار من النفط المنقول عبر أنابيب البترول لاستهلاكه كمادة خام في الغرب، لتغذية هذه الصناعات البتروكيماويات، ولتصدير هذه الثروة العربية، لا في صورة- مادة خام- فحسب، بل في صورة منتجات مصنعة أو شبه مصنعة أيضًا، فإن الإغراء وراء إقامة هذه المشروعات في هذه المناطق تحديدًا هو أنها تلبي عدة أغراض في آن واحد.
إنها تلبي أغراض- الأمن- لجميع الأطراف ومن الممكن باسم تعزيز- الأمن- جذب رؤوس الأموال الضرورية لإقامة هذه الصناعات المتقدمة، ويقولون: إنها سوف تكون على أية حال أقل تكلفة مما ينفق الآن على تسليح أطراف النزاع، وهي رؤوس أموال قد تحجم عن المجيء إلى المنطقة لتلبية حاجة دولها إلى التنمية فقط، أو تطلعها لصناعات حديثة ظلت إلى الآن وقفًا على الدول المتطورة وحدها.
ويستطردون في القول: هذه المشروعات الصناعية- وليس شرطًا أن تكون قصرًا على البتروكيماويات وحدها سوف تلبي أيضًا حاجتها إلى استثمار صحرائها، فمن المتصور تعزيز الصناعات المتطورة في المناطق الصحراوية بإقامة محطات نووية لإزالة ملوحة البحر، وتغذية الصحراء بمياه ري عذبة تكون أساس استزراع مساحات شاسعة، وتوسيع رقعة الأرض الكفيلة بتلبية حاجة دول المنطقة الحارة إلى زيادة إنتاجها الغذائي، وهذا يلبي بالتأكيد حاجة مصرية ملحة إلى توطين أعداد كبيرة من سكانها في غير مناطقها ذات الكثافة السكانية الخانقة، وحاجة (إسرائيل) إلى زيادة استغلال صحراء النقب».
إذن فمؤلف القصة وكاتبها شيوعي، وكل قصة تحتاج إلى سيناريو وممثل ومخرج.
2- الانفتاح على الصهيونية= الانفتاح على الشيوعية؛ فالتاريخ السياسي الحديث قدم آلاف الشواهد على- التعاون الوثيق بين الحركة الصهيونية والحركة الشيوعية، إن المتأمركين الذين شرحوا صدورهم بمودة اليهود، يمهدون أوسع الطرق لتغلغل الشيوعية في مصر.
3- تاريخ الحركة الشيوعية في مصر، لا ينفصل عن النشاط اليهودي في مصر، ولقد كان أبرز زعماء الحركة الشيوعية المصرية من اليهود.
4- في سكرة الإعجاب باليهود ستتخذ إجراءات لإضعاف الإسلام، وإضعاف الإسلام يعني تغلغل الشيوعية.
ولكن لماذا ستتخذ إجراءات لإضعاف الانتعاش الإسلامي؟
إن المصريين لا حماية لهم من أي خطر عقائدي إلا بالإسلام، وهم- في المواقع الشعبية- سيلجأون إلى الإسلام في مواجهة الهجمة اليهودية، ومن هنا تسارع الجهات إياها إلى قمع كل ظاهرة تعادي اليهود عقائديًا، بحجة أن هذا العداء لا يتفق مع السياسة الرسمية، ولا مع الالتزامات الخلقية، واليهود من جانبهم سيعتبرون شرح الآيات القرآنية المفصلة لأحوالهم ظاهرة عدائية.
وما لم توقف سياسة الانهيار العام فإن المتوقع أن تظهر كتابات خائنة تبرر استيلاء اليهود على القدس بمقولات تاريخية، وذلك في إطار توالد الأخطاء، أو تفسير الخطأ بخطأ جديد.
5- إن الحركات الشيوعية أكثر مرونة في التفاهم مع اليهود، حيث إن الأصلاء في المنطقة لا يتحلون بهذه المرونة.
في ضوء ذلك كله تسقط ادعاءات مكافحة الشيوعية ومحاربة الاتحاد السوفيتي، وهي ادعاءات تصدر عن الذين انحازوا إلى جانب اليهود، وانفتحوا عليهم:
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا...﴾ (التوبة: 49).