; شيوخ وقساوسة في قمة أغنياء العالم | مجلة المجتمع

العنوان شيوخ وقساوسة في قمة أغنياء العالم

الكاتب محمد جمال عرفة

تاريخ النشر السبت 22-فبراير-2003

مشاهدات 69

نشر في العدد 1539

نشر في الصفحة 42

السبت 22-فبراير-2003

«دافوس»من مناقشة الأموال.. إلى الأديان ومصير الحكومات!

اعتاد سكان مدينة دافوس السويسرية التي تستضيف كل عام مؤتمر أغنى أغنياء العالم ليقرروا مصير العديد من الاستثمارات والقضايا الاقتصادية والسياسية الساخنة في العالم، أن يروا مئات المشاهير والأغنياء يدلفون إلى قريتهم الصغيرة بهيئتهم وحاشيتهم وأزيائهم الباهظة الثمن، ولكنهم هذا العام فوجئوا بوجود شيوخ وقساوسة، بل وحاخامات يدخلون قريتهم.

والسبب أن المنتدى الاقتصادي الشهير الذي يعقد في هذه المدينة منذ قرابة 32 عامًا «بدايته عام 1971م» بدأ - منذ هجمات 11 سبتمبر - يهتم ببحث قضايا الحوار بين الأديان، وتحديدًا بين الإسلام والغرب، في محاولة لفهم ومعرفة حقيقة ما جرى وهل الإسلام هو المحرك لهذه الهجمات؟

وهكذا تمت دعوة علماء ورجال دين - لأول مرة - لحضور المنتدى الاقتصادي في دورته الماضية في نيويورك يناير 2002م لبحث قضايا حوار الأديان وصراع الحضارات، وجرى التوسع في هذا الحوار في منتدى العام الجاري 2003م ليشارك في المنتدى الاقتصادي العالمي شيوخ من لجنة الحوار بين الأديان التابعة للأزهر منذ عام 2002م، وقساوسة غربيون وشرقيون.

 ولأول مرة يقرر المنتدى في دورته الأخيرة تشکیل «مجلس» يضم مائة شخصية، نصفها من الدول الغربية ونصفها من العالم الإسلامي، بهدف إطلاق حوار حول نقاط التباين بين الغرب والإسلام.

وأوضح بيان صدر عن المنتدى أن «مجلس المائة» «سي - 100» يضم مائة شخصية موزعة بالتساوي على خمسة قطاعات اجتماعية: خبراء ورجال دين، ومسؤولون سياسيون، ومسؤولون إعلاميون، وجامعيون ومثقفون معروفون منهم الشيخ فوزي الزفزاف، وكيل الأزهر الأسبق ورئيس لجنة الحوار بين الأديان بالأزهر، ونائبه د. علي السمان.

 ليس سرًا أن منتدى دافوس تحول من نادٍ صغير لرجال الأعمال الأوروبيين أسسه بروفيسور في الاقتصاد في جنيف، إلى مؤسسة للنخبة من رجال الأعمال في العالم، ومؤثر في العديد من الأحداث السياسية إلى حد التدخل في تشكيل سياسات الدول الفقيرة لصالح الأغنياء.

وليس سرًا أن ضيوف المنتدى الغامض الذي انطلقت منه خطط سياسية للعديد من مشكلات العالم لا يجتمعون لمناقشة أمور «البيزنس» فحسب، ولكن ليرسموا خريطة العالم تحت شعارات مختلفة.

ولهذا لم تكن مفاجأة أن يركز منتدى هذا العام على قضية العراق ومستقبله وتقسيم كعكته بعد الحرب المنتظرة، حتى كتب ترودي روين في «واشنطن بوست» عن «لغز منتدى دافوس»، مؤكدًا أن «شعبية صدام أكبر من بوش في المنتدى». 

بل إن من يراجع أجندة المنتدى الأخير من بين الـ 270 ندوة وطاولة نقاش التي أجراها 2150 مدعوًا من 99 دولة بينهم 29 رئيس دولة أو حكومة و81 وزيرًا وألف من مسؤولي الشركات، يلاحظ أن القمة ناقشت موضوعات سياسية وأمنية مهمة.

 

فعلى اللائحة السياسية والأمنية نوقشت مواضيع مثل الحرب في العراق، و«القاعدة.. الأجزاء المفقودة» و«كيف ستغير مكافحة الإرهاب العالم؟» و«العلاقة بين النفط والنزاع» و«هل بإمكان السياسة الخارجية الأمريكية أن تعمل منفردة؟»، بالإضافة إلى تصادم الحضارات، وهو الموضوع الذي يتكرر الحديث عنه منذ أحداث سبتمبر 2001م وجرى اختيار ما يسمى «مجلس المائة» لبحث مسألة الخلاف بين الغرب والإسلام.

أما على الصعيد الاقتصادي، فقد بحث المنتدى في آفاق إعادة تحريك النمو الاقتصادي في العالم في ضوء حالة الكساد العالمي، حتى أن قمة هذا العالم سميت «إعادة الثقة» للدلالة على هذا المعنى، وهو معنى أمريكي في الدرجة الأولى بعد الفضائح التي تسببت بها عمليات التلاعب في الحسابات لدى عدد من الشركات الأمريكية.

 والملاحظة الجوهرية هنا أنه رغم الطابع الاقتصادي للمناقشات، فقد كان الحديث عن العراق يكتسي طابع اقتسام كعكة العراق بعد الحرب سواء بين الشركات المتعددة الجنسيات أو شركات النفط أو العقارات وغيرها، بل إنه تمت دعوة معارضين عراقيين للمنتدى لأول مرة ربما لمناقشة تفاصيل هذه الخطط الاقتصادية مع حكام العراق اللاحقين، وتكاليف عملية انتقال السلطة في العراق!

وقد شهدت أعمال العديد من الطاولات المستديرة والندوات في هذه القمة التي يحرص كبار المسئولين تركيزًا على موضوع العراق وخطر اندلاع حرب وانعكاساتها على المنطقة، مما دعا «خوسيه ماريا فيغيريس» أحد المنظمين للقمة، للقول إن «قرب اندلاع نزاع «مع العراق» احتل المرتبة الأولى في لائحة مشاغل المشاركين» هذه السنة، وإن الملف العراقي طغى على كل الملفات الاقتصادية والأمنية والعلاقات بين الغرب والعالم العربي والعلاقات عبر الأطلسي.

ومع أن موضوعي الحرب على العراق والحوار بين الأديان يبدوان متباعدين، فقد كانا مترابطين في أذهان منظمي المؤتمر وعلاقتهما وثيقة بما يسمى حرب الإرهاب، فقد حذر خبراء من أن اندلاع حرب في العراق سيؤدي إلى تحريك المشاعر المناهضة للأمريكيين في العالم الإسلامي وسيجعل من مكافحة الإرهاب أكثر صعوبة. 

ومعروف أن أول اتفاق يدخل ضمن حوار الأديان بين الأزهر والغرب المسيحي جرى توقيعه في عام 1998م مع الفاتيكان، وتلاه ثانٍ في يناير 2001م مع الكنيسة البريطانية، وقد وصف الدكتور علي السمان الاتفاق في ذلك الوقت بأنه يركز على أهمية نقل الحوار بين الأديان إلى المستوى الشعبي، والاهتمام بنقل احترام مبادئ الحوار إلى الشباب. 

ورغم ترحيب الأزهر بالحوار مع الكنائس الغربية، فقد اهتم بمطالبة الفاتيكان بإدانة الحروب الصليبية في العالم الإسلامي، حيث أصدرت اللجنة الدائمة للحوار بين الأديان بالأزهر بيانًا في أكتوبر 2000م أدانت فيه مذابح القدس الشريف والمدن الفلسطينية على يد الجيش الإسرائيلي، داعية الفاتيكان لإصدار بيان يدين فيه إسرائيل بوضوح بسبب المجازر التي تجرى هناك. 

لكن الفاتيكان ما زال يرفض حتى الآن إدانة مذابح الصليبيين ضد المسلمين رغم اعتذاره عن مواقف الكنيسة السابقة تجاه اليهود، وهو ما يؤشر إلى أن الحوار الجديد - ضمن منتدى دافوس - ليس له سوى هدف مصلحي للغرب ضمن سعيه لتغيير الخطاب الديني الإسلامي وتغيير مناهج التعليم الإسلامية بدعوى مواجهة الإرهاب.

قمة ضد القمة والكل يتحدث في السياسة!

ويبدو أن تحول قمة الأغنياء والعولمة في دافوس لتقرير مصير العالم دفع معارضي العولمة لعقد قمة موازية للفقراء في البرازيل تحت اسم «بورتو اييجري» أو  «المنتدى الاجتماعي العالمي» التي بدأت عام 2001م وعُقد هذا العام 2003م اجتماعها الثالث في البرازيل للتنديد بخطط الأغنياء والعولمة والسيطرة على العالم، وبحث مسائل تتعلق بالفقر والعدالة الاجتماعية وتوزيع الثروات ومنع الحروب ووقف استغلالها في استنزاف ثروات الشعوب!

 هذا المنتدى الاجتماعي العالمي المضاد لدافوس اقترح في دورته الأخيرة سحب مقر الأمم المتحدة من نيويورك «لتحرير» المنظمة الدولية من الهيمنة الأمريكية. وكما كان منتدى دافوس يركز على قضية العراق ومستقبل المنطقة من زوايا سياسية ونفطية واقتصادية، سعى منتدى «بورتو اييجري» للتركيز على خطر اندلاع نزاع في العراق باعتباره الموضوع الساخن عالميًا، وكانت الحرب في العراق في صلب واحد من النقاشات الأربعة الكبرى، حيث نوقشت موضوعات مثل: «أي نمط من العولمة وكيف يجب حكم العالم؟»، و«أمام الأزمة المالية العالمية الكبرى، أي بدائل لمحاربتها؟»، و«توترات وخلافات في الحركات الاجتماعية والأحزاب السياسية: كيف يمكن بناء الديمقراطية الفعالة؟».

القضية بالتالي ليست قضية مؤتمرات اقتصادية، ولكنه ستار اقتصادي لقضايا

 

سياسية، ومحاولة لاستغلال المؤتمر غير الرسمي «دافوس» في تحقيق مصالح غربية بأساليب غير رسمية أو تقليدية، كما فعلوا من قبل عندما وفروا أجواء التفاوض بين العرب والصهاينة في سنوات سابقة نتج عنها اتفاقات أوسلو وبدء التطبيع العربي - الصهيوني. 

والجديد بعد 11 سبتمبر أنهم سعوا إلى نوع من التغيير في العقلية الإسلامية وتطويعها عبر بعض القيادات الإسلامية التي يتم انتقاؤها ودعوتها للمنتدى بحجة الحوار بين الأديان ودعوة قياديين من أديان أخرى لإسباغ الموضوعية على هذا الحوار الذي شكلوا له لجنة المائة ودعوا إليها عددًا من الشخصيات الإسلامية والعربية.

وهكذا لم تعد مناقشات دافوس بمثابة القاطرة الاقتصادية لقضايا سياسية، ولكنها تحولت لمناقشة وتقرير مصير قضايا سياسية كبيرة ورسم الخطط وتقسيم الغنائم، ومثلها قضايا مثل الحوار الديني بهدف تغيير ما يسمونه الخطاب الديني الإسلامي ليصبح أكثر تدجينًا وعلمانية؟!

الرابط المختصر :