العنوان شيخ الأقصى رائد صلاح في عالمه الشعري(١-٢)
الكاتب الأستاذ الدكتور جابر قميحة
تاريخ النشر السبت 24-يوليو-2010
مشاهدات 80
نشر في العدد 1912
نشر في الصفحة 42
السبت 24-يوليو-2010
«إعداد: مبارك عبد الله»
«مع صدور هذا العدد تكون يد السجان الصهيوني الشرير تستعد لتكبيل أيادي الشيخ رائد صلاح، واقتياده إلى السجن لتنفيذ حكم بالسجن خمسة أشهر تبدأ من يوم ٢٥/٧/٢٠١٠م، بعد تلفيق تهمة اعتدائه بالبصق على أحد الجنود الصهاينة.
وفي السجن تفجرت قريحة الشيخ رائد الشعرية عام ٢٠٠٥م، وسطر أبياتًا تناولها د. جابر قميحة في هذا المقال الذي ننشره، بينما يستعد الشيخ المجاهد لسجن جديد». «المجتمع»
في المعتقل يكون للسجين الأديب «عالم خاص» له طروحاته وامتداداته التي تتخطى هذه الأسوار المادية الصماء
في خطوط عريضة سريعة ينقل لنا التاريخ أن «رائد صلاح» ولد سنة ١٩٥٨م في مدينة أم الفحم، ودرس المراحل الابتدائية، والإعدادية، والثانوية في مدارسها، ثم أكمل تعليمه الجامعي في كلية الشريعة بمدينة الخليل.
وبعد أن تخرج في كلية الشريعة أُدخل السجن بتهمة الارتباط مع منظمة محظورة وهي «أسرة الجهاد»، وكان ذلك عام ١٩٨١م، ثم بعد الخروج من السجن فُرضت عليه الإقامة الجبرية لفترة طويلة، ثم رفضت وزارة المعارف «الإسرائيلية» طلبه للالتحاق في سلك التعليم كمعلم في مدارس أم الفحم. وفي عام ١٩٨٥م تزوج الشيخ رائد صلاح، وفي عام ١٩٨٦م عمل محررًا في مجلة «الصراط» الشهرية الإسلامية حتى نهاية عام ۱۹۸۸م، بعدها تفرغ في مطلع عام ۱۹۸۹م لخوض انتخابات رئاسة بلدية أم الفحم عن الحركة الإسلامية، ونجح في تلك الانتخابات بنسبة تزيد على 70%، وأصبح رئيسًا للبلدية وهو ابن ٣١ عامًا، ثم خاض الانتخابات للمرة الثانية عام ١٩٩٣م، ونجح بنسبة تزيد على 70% أيضًا، ثم خاض الانتخابات للمرة الثالثة عام ١٩٩٧م، ونجح بنسبة تزيد على ٧٠٪ للمرة الثالثة، وفي عام ٢٠٠١م قدم استقالته ليفسح المجال لغيره من قادة الحركة الإسلامية.
وفي رحلة العطاء شغل الشيخ صلاح منصب نائب رئيس اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية، ونائب رئيس لجنة المتابعة العليا للمواطنين العرب منذ انتخابه لرئاسة بلدية أم الفحم حتى استقالته.
وفي عام ١٩٩٨م قاد أحداث «الروحة» التي اجتاحت خلالها قوات الشرطة الصهيونية مدينة أم الفحم، وأصابت بنيرانها وبالغاز المسيل للدموع قرابة ٦٠٠ مواطن، ونجح مع لجنة الروحة الشعبية أن يحرروا غالبية أراضي الروحة، وفي نفس العام أعلن مشروع المجتمع العصامي الذي يهدف إلى بناء الذات الفلسطيني الداخل.
وفي عام ٢٠٠٠م تعرض لمحاولة اغتيال في الأيام الأولى من «انتفاضة الأقصى»، وأصيب بعيار ناري في رأسه من قبل القوات الصهيونية، ثم وجهت له لـ «جنة أور» المشكلة في أعقاب استشهاد ١٣ مواطنًا عربيًا في الداخل خلال انتفاضة الأقصى إنذارًا، واعتبرته أحد المسببين للمسيرات، ورأت الجماهير العربية بذلك محاولة لإزاحة التهمة عن المجرم «إيهود باراك» رئيس وزراء العدو آنذاك، وقيادات الأمن الصهيوني وإلصاقها بالضحية.
شيخ الأقصى
نال الشيخ لقب «شيخ الأقصى»؛ حيث جعله همه الأول، وعلى رأس سلم أولوياته، وكان من المبادرين الرئيسيين لإعمار «المصلى المرواني» والأقصى القديم، وكثير من مشاريع الإعمار في المسجد الأقصى، من خلال دوره كرئيس لمؤسسة الأقصى، وبالتعاون مع هيئة الأوقاف ولجنة الإعمار في القدس.
خلال السنوات الأخيرة، اشتدت الحملة على الشيخ رائد صلاح من قبل أذرع المؤسسة الصهيونية والإعلام العبري، وراحوا يرجمونه بالإرهاب وتهديد أمن الدولة، وبسبب ذلك تعرض للتحقيق البوليسي، ومنع من السفر خارج البلاد ودخول المدارس الثانوية ثم الجامعات لإلقاء محاضرات، وظلت حملة التحريض تشتد عليه حتى تاريخ ١٣/٥/٢٠٠٣م، حيث تعرض للاعتقال ليلًا وكان في تلك الليلة يجلس قرب سرير والده المريض في المستشفى. «عن موقع فلسطين المسلمة».
أُودع هو وإخوانه بسجن «أشمورت» في «كفاريونا»، ووجهت إليهم تهم لم يقترفوها، من أهمها مَدّهم «حماس» بالمال والمعونات، والمعروف أنه رئيس الحركة الإسلامية في الشمال، وعُومل الشيخ ورفاقه في السجن معاملة مهينة، فكانت وحدة من الشرطة الخاصة - التي تكافح المخدرات ولا تتبع إدارة السجن - كثيرًا ما تدخل زنزانتهم، ويفتش أعضاؤها الزنزانة، ويقومون بنزع أجزاء من الحائط، ويخربون مقتنياتهم، ويقلبون كل شيء، ويجبرونهم على التجرد التام من الملابس، وإجراء تفتيش ذاتي لأماكن حساسة.
ورفضت إدارة السجن السماح له بإدخال زيت الزيتون إلى الزنزانة، وكان يستخدمه كعلاج طبي، ومنعت دخول الخضراوات، وحظرت دخول الكتب والصحف، وخفّضت وقت الجولة الحرة اليومية من ساعتين إلى ساعة واحدة.
ورفضت إدارة السجن للشيخ رائد أن يحتضن ويقبّل ابنه الرضيع الذي يبلغ من العمر ثلاثة أشهر، وولد في فترة سجن أبيه، لولا تدخل جمعية حقوق المواطن؛ وذلك لأن قانون السجن يمنع الأسرة من اللقاء المباشر مع المعتقل، ولكن من خلف حاجز زجاجي سميك يفصل بينهما.
على مدى عامين من المعاناة في الأسر بداية من ٢٠٠٥م تفجرت شاعرية الشيخ وأنتج مجموعته الشعرية التي تعد نموذجًا «لشعر السجون»
ربط في شعره بين الخاص والعام بين معاناته وهمومه الذاتية وآلامه الخاصة وبين هموم وطنه وأبناء أمته
في عالمه الشعري وديوانه «زغاريد السجون».
على مدى عامين «ابتداءً من ١٣/٥/٢٠٠٥م» كانت هذه بعض ملامح المصاعب والمعاناة التي عاشها الشيخ صلاح، وخلال هذه المدة تفجرت شاعرية الشيخ، وكان هذا العطاء الشعري المتمثل في هذه المجموعة الشعرية التي تعد نموذجًا «لشعر السجون».
وعملية السجن أو الاعتقال تعني عملية انعزال قهري، فالسجين منفصل عن مجتمعه الخاص والعام، ليكون محصورًا في مكان ضيق محدود، مع نزلاء، يكون بعضهم مرتبطًا به فكرًا ومعتقدًا وسلوكًا، مع اختلاف في درجة الاعتناق والمعاناة. وبقدر قوة الإيمان، ونضوج الفكر، وحيوية الضمير، والولاء للعقيدة تخف حدة الشعور بالوحشة، وبشاعة العزلة، وآلام الاغتراب على حد قول ابن الرومي:
أعاذك أنس المجد من كل وحشة *** فإنك في هذا الأنام غريب
واعتمادًا على هذا الملاذ الإيماني يكون للسجين الأديب «عالم خاص» له طروحاته، وامتداداته التي تتخطى - بل تكتسح - هذه الأسوار المادية الصماء.
فترى شاعرنا بشفافية روحية صوفية يتجه إلى ربه بقصيدة طويلة، نظمها في معتقله في ١٦/٨/٢٠٠٣م عنوانها «حسبي أنت الله» يقول فيها:
حسبي أنت رقيبي
ونصيري وطبيبي
حسبي أنت حبيبي
ومغيثي ومجيبي
حسبي أنت الله
*****
يا جابر كل كسير
بجروح القلب أسير
يدعو في الليل حسير
وغزير الدمع صبور
حسبي أنت الله
يا مؤنس كل غريب
محتار الدرب سليب
ومغيث ندا المكروب
والحال عليه عصيب
حسبي أنت الله
يا ملجأ كل شريد
مطعون الصدر طريد
يا شافي كل قعيد
والداء عليه شديد
حسبي أنت الله
ياحي ويا قيوم
قد نال القلب كلوم
وجرت في الصدر هموم
وأذاب الروح غموم
حسبي أنت الله
وتتعدد قصائد «المناجيات الإلهية» في ديوان الشاعر، وفي واحدة منها نظمها الشاعر في معتقل« الجلم»، في ٦/١٢/٢٠٠٣م.
نرى الشاعر أجمل تصويرًا، وأبرع أداء منه في القصيدة السابقة، كما أنه يربط فيها بين الخاص والعام، بين معاناته وهمومه الذاتية وآلامه الخاصة، وبين هموم وطنه وأبناء أمته، ومن هذه القصيدة الطويلة التي جعل عنوانها «ربي يا حصني ورجائي» نعرض الأبيات التالية:
عند الضيق وعند القهر
وتجبر شعبان الغدر
مولاي يا مالك أمري
سبحانك يا كاشف ضري
اشرح لي يا ربي صدري
بالراية تخفق بالنصر
في القدس الغارق في الأسر
عند تداعي زحف الهول
يجرف أحبابي كالسيل
وتباهي المغرور النذل
يلهيني بسياط الويل
مولاي الهي يا حولي
يا ذا المن و يا ذا الطول
يا ذا الجود و يا ذا الفضل
احفظهم من بعدي أهلي
كفى بالموت موعظة
والشاعر الذي عاش قوي الإيمان، واسع الثقافة وخصوصًا الإسلامي منها، تأخذه صوفية نقية تدفعه إلى «التذكير بالموت» - والذكرى تنفع المؤمنين - ففي مطولته «كفى بالموت موعظة» التي نظمها بمعتقله في (٢٢/١١/٢٠٠٣م) في ساعة شفافية إيمانية أخروية نرى سمتين أساسيتين:
الأولى: لفظية.. وهي الانطلاق من عبارة محورية مكررة على رأس كل مقطع، وهي «كفى بالموت».
كفى بالموت موعظة
كفى بالموت من فزع
كفى بالموت من سفر
كفى بالموت تذكرة
كفى بالموت تبصرة
والثانية: سمة موضوعية، وهي أنه طرح في قصيدته المعروض الإسلامي والقرآني للموت، وأبعاده وعظاته، بطريقة عفوية تلقائية، هي أقرب ما تكون إلى ابتهالات الشاعر العباسي أبي العتاهية، ونجتزئ من هذه المطولة المقطوعة الآتية:
كفى بالموت تذكرة
لعبد غافل فاجر
عساه اليوم في الدنيا
يعي عن حاله الخاسر
ويوقن أن غفلته
سراب خادع ماكر
وأن الذنب قد يحلو
لقلب تائه حائر
فلا طب لعلته
ولا خل له ناصر
إذا لم يبك توابًا
على عيش مضى عابر
ويفطم قلبه الشاكي
سليما من هوى عاشر
ويشحذ عزمه دومًا
قنوعًا عابدًا طاهر
وإلا ليته يدري
بأن ذكاءه قاصر
ذكر السجين المؤمن للموت لا يدل على تشاؤم بل يجد فيه ما يريحه نفسيًا ويشعره بأنه يؤدي جزءًا من رسالته
وإن ختامه مر
کنمرود ذوى غابر
وذكر السجين للموت لا يدل على تشاؤم وسوداوية بالنسبة للسجين المؤمن، بل يكون في هذا الذكر ما يريحه نفسيًا؛ إذ تتسق هذه التوجيهات مع أصوله العقدية من ناحية، ويشعره بأنه يؤدي جزءًا من رسالته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من ناحية أخرى، وهذا الأمر وذاك النهي يمثل نخاع هذه العقيدة كما قال الإمام الغزالي: «إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما القطب الأعظم لهذا الدين».
في قفص الاتهام
ونرى الشاعر في أشد توهجه الوجداني في قصيدته الثائرة «لماذا أنا في قفص الاتهام» التي نظمها في معتقل «الجلمة» «في ٢٧/٩/٢٠٠٣م»، وفيها يبرز الشاعر «ملامحه الجوانية» ومدى ولائه لله وللدين وحبه للوطن، كما أن القصيدة تعد تمثيلًا حيًا «لشعر السجون» لذا رأيت أن أعرضها على القارئ دون أن أحذف منها شيئًا.
لأني المسلم العربي والحر الفلسطيني
لأني قابض دومًا بلا خوف على ديني
لأني الدرع للأقصى ودمع القدس يبكيني
وحامي المهد من علج بنار الحقد يكويني
لأني الصابر المغرور في دربي بلا لين
ومنزرع هنا طودًا بأرضي أروي زيتوني
لأني الكافل الحاني على أيتام قفين
ونابلس وطوباس وطمون وبرقين
لأني حامل خبزًا لغزة والمساكين
وراعي المرضى والثكلى وصرخات الملايين
لأني الغائث الباكي على كل المساجين
وساق بسمة تعلو على دمعات محزون
سبوني ثم ساقوني إلى ليل الزنازين
ونادوني أصولي وإرهابي وغلوني
*****
لأني عشت لا أحني جبيني إلا لله
وبعت الدنيا لا أرجو بريق المال والجاه
لأني صحت: يا شعبي كفاكم عيشة اللاهي
كفاكم عيشة الغافي وعيش العابث الساهي
لأني صنتها نفسي عن الزلفى إلى الشاه
وصنت الأرض طيبة وخير الزاد للطاهي
لأني قدت أولادي إلى فجر لنا زاهي
وخير الرسل قدوتنا وربي الآمر الناهي
لأني شيدت منزلنا متين الركن لا واهي
يطيع الله توابًا طهور القلب والفاه
لأني سرت مع حزب نقي الصف أواه
نصير الحق مغوار ليعلي راية الله
سقوني المر مصلوبًا كخباب وجهجهاه
وشدوا القيد في رجلي لكي أبكي من الآه
*****
لأن الأرض ميراثي وماء البحر والنهر
وسفح الكرمل العالي وترب السهل والغور
لأن التين والزيتون أطلالي مدى الدهر
وريح الزعتر الشافي وغابات من الصبر
لأن القمح من زرعي ومن نبعي ومن بذري
وزهر اللوز والبرقوق والليمون من زهري
لأن الفل والحنون والريحان من عطري
وريح النرجس الزاكي وعود الند والسدر
وهذا الليل إن ولى يلوح معطرًا فجري
لأن الدم من جرحي يروي نسمة النصر
ونور الصبح من صبري على المحتل والجور
رموني اليوم مشدودًا بأغلال من القهر
وقالوا: مسلم باغ وعضو في قوى الشر
«من يعري الديناصور؟»
وينقلنا الشاعر إلى لون من الشعر الفكه الساخر.. إلى قصيدة طويلة جاءت على شكل أحجية بعنوان من «يعري الديناصور؟» «سجن أشمورت ٣/٤/٢٠٠٤م». يستهلها الشاعر بأسلوب استفهام، فيقول:
هل رأيتم دينا صورًا؟
يسكن اليوم القصورا
يملأ الأرض فجورًا
وفسادًا وشروًرا
ويجري الشاعر على لسان «الديناصور» تحذيرات، منها:
احذروا كرشي الوفيرا
احذروا ظفري الكبيرا
احذروا نابي الخطيرا
احذروا حقدي الضريرا
لم يزل غولًا مغيرا
احذروني أن أثورا
جائعًا أرجو فطورا
ثم يقترب الشاعر من «لحظة التنوير» أو حل الأحجية فيقول على لسان الديناصور:
أرسل الصوت الجهورا
أسمع الخلق سطورا
وعظات ونذيرا
واعظا «بوشًا» صغيرا
إذ غدا عندي أسيرا
ويأتي ختام الأحجية على لسان الشاعر شاهدًا:
هكذا أضحى شهيرا
راهبًا لا دينا صورا
ومفدى ووقورا
ورحيمًا وغيورا
هكذا غش النطورا
والسياسي الخبيرا
هكذا عق العشيرا
وسبى منه الشعورا
فافهموا هذي السطورا
كي تعروا الديناصورا
لعل الشاعر أراد بالديناصور كل من فرط في حقوق الشعب الفلسطيني.
ومما يسجل لهذه القصيدة ما فيها من سخرية مرة، وقدرة على التهكم الواعي، وما فيها من بصمات قصصية، وتنويع وتدفق في الأداء اللفظي.
وقد قلت آنفًا في هذا البحث: «...واعتمادًا على الملاذ الإيماني يكون للسجين الأديب عالم خاص، له طروحاته، وامتداداته التي تتخطى، بل تكتسح هذه الأسوار المادية الصماء».
فلا عجب - إذن - أن نرى الشاعر - وهو في سجنه متلاحمًا في عدد كبير من قصائده مع قضية وطنه، أرضًا وعرضًا، وعقيدة، وشعبًا، وتاريخًا، وآلامًا، وأمالًا.
واحة الشعر
من المحاصر؟!
«شعر: سعد خضر»
يا أهل غزة أنتم الأحرار *** أنتم رجال شامخون كبار
أبطالكم صدو اليهود عن الحمى *** بعزيمة لانت لها الأحجار
لم تعرفوا الجبن المقيت لدى الوغى *** بل أنتم الشجعان والكرار
ترجون جنات النعيم وإنها *** للمؤمنين المخلصين الدار
لم تعرفوا الوهن الذي يزري بكم *** ما كان منكم واهن خوار
أدناكم الحدثان من رب الورى *** فالله رب الناس نعم الجار
وإذا الشدائد ذوبت بنفوسنا *** الأطماع حل محلها الإيثار
وتحرر الإنسان من أرجاسه *** مهما أحاطت جسمه الأسوار
يا أهل غزة لا عدمناكم سنَا *** يجلو الدجى فتعمنا الأنوار
الرأي في طول البلاد وعرضها *** هو رأيكم يقضى به ويشار
وإذا أردتم فالمراد مرادكم *** يمضيه فيكم حاكم مختار
هو حارس تحمي البلاد جنوده *** وعيونه عماله الأخيار
والأمر شورى لا يحق لواحد *** أن يستبد به فذاك بوار
*****
يا أهل غزة أنتم الأحرار *** أنتم حسام الأمة البتار
تقفون في وجه اليهود كأنكم *** أطواد مكة شمخ ثوار
ظن اليهود حصاركم موتاً لكم *** هل ضر قط المؤمنين حصار؟!
نحن الألى قد حوصروا بذنوبهم *** قد أحدقت بقلوبنا الأوزار
والجبن عشش في الحنايا موغلا *** ولبئس من خاض الوغى الخوار
أمسى يحاصرنا الفساد بأرضنا *** وتحكمت بشعوبنا الأشرار
وغدت مقادير البلاد مغانم *** بيد الألى لا يؤمنون تدار
النيل يبكي من مظالم جمة *** لو شطرت لم تكفها الأحبار
وعيون دجلة والفرات كليهما *** ودمشق يهطل دمعها المدرار
والظلم ساد فلا حقوق مصونة *** والناس تقصم ظهرها الأسعار
وكرامة الإنسان أمست ريشة *** موطوءة يلهو بها الإعصار
أمست سجون بلادنا مملوءة *** نزلاؤها الأشراف والأطهار
والشعب حاصره الطغاة بظلمهم *** وفسادهم والظلم بئس الدار
باعوا بلاد المسلمين وحالفوا *** أعداءنا فلبئس التجار
*****
يا أهل غزة أنتم الأحرار *** أنتم رجال شامخون كبار
سيروا على درب الرسول وصحبه *** ينصركم المتكبر القهار
سيسجل التاريخ في صفحاته *** البيضاء من رفعوا البنود وثاروا
ولسوف يلعن من عنوا واستسلموا *** والذل إن مس الجوانح عار
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل