العنوان شهود عيان يؤكدون: المصنع السوداني لا يمكن أن ينتج أسلحة كيماوية
الكاتب عامر الحسن
تاريخ النشر الثلاثاء 01-سبتمبر-1998
مشاهدات 59
نشر في العدد 1315
نشر في الصفحة 21
الثلاثاء 01-سبتمبر-1998
هناك علامات استفهام كثيرة مشروعة يثيرها الغربيون قبل المسلمين والعرب، عما إذا كان ضرب مصنع الشفاء في الخرطوم مبرراً بحجة أنه يصنع غاز الأعصاب الخانقVX ولا سيما أن الولايات المتحدة لم تعزز موقفها إلى الآن بتقديم القرائن التفصيلية، وإنما اكتفت بعمومية القول: إنها تملك أدلة مقنعة وكافية لتدمير المصنع، لكن هذا الكلام وحده، لم يكن كافياً لإسكات المعارضين للغارة الأمريكية من الغربيين أنفسهم.
صحيفة الأوبزرفر، نشرت على صدر صفحتها الأولى عنواناً عريضاً ذا مغزى كلينتون قصف المدنيين عمداً، قالت فيه إن التحليلات الأمريكية للأدوية التي يقوم بتصنيعها مصنع الشفاء لم تسفر عما يدين السودان، فيما يتعلق بغاز VX ، ومع ذلك أعطى كلينتون للقوات البحرية الضوء الأخضر لتنفيذ الضربة، وأضافت بأن كلينتون كان قد أمر طاقماً من الخبراء الأمريكيين بعمل مجموعة من التحريات على منتجات المصنع. وجاء تقريرهم يؤكد عدم وجود أي غاية عسكرية للمصنع.
واعتبرت الصحيفة أن التقارير الأمريكية إضافة للمعلومات التي أدلى بها بريطانيون كانوا يعملون في المصنع، ستعمق من الأزمة الحالية. وستصيب العلاقات الأمريكية بحلفائها من الدول الإسلامية والعربية بالفتور، ولا سيما مع تلك الدول التي تطالب أمريكا تقديم المسوغات لفعلها؟ وعلاقة ما قامت به بحق ضرب موقع مدني، يقوم بتصنيع الأدوية لمعالجة المرضى، وبين سياستها المعلنة للقضاء على الإرهاب الدولي؟
واعتبرت الصحيفة ما قالته حكومة الخرطوم من أنه لا يوجد للمصنع أي أهداف عسكرية، وأنه بعد السودانيين بـ: ٥٠ مما يحتاجونه من الأدوية بأنه أقرب للصحة من الاتهام الأمريكي، وكان زير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية، توني لويد قد أكد على ذلك رسمياً، عندما أبلغ البرلمان يوم ١٠ مارس الماضي، بأن الحكومة البريطانية لم تجد أي قرائن قديمة تدعم المزاعم الأمريكية بشأن مصنع الشفاء، كما أنها لم تقع على أي نتائج جديدة فيما يتعلق بغاز VX بعدها، قامت القوات الجوية الأمريكية بطلعات استكشافية لتصوير المصنع، وتحليل مكوناته الدوائية، لكنها لم تعد بنتائج ملموسة تدين الخرطوم، وبرغم ذلك يبدو أنه كانت لدى الإدارة الأمريكية نية مسبقة لضرب المصنع، تنتظر توقيع الرئيس، وقيل له في سياق تبرير الغارة إن خلو المصنع من غاز VX سيقلل من عدد الضحايا والجرحى.
وكانت هناك محاولات إعلامية وسياسية قديمة لتهيئة الرأي العام لتقبل مبررات الغارة، حيث تم تسريب تقارير تتهم السودان وليبيا بإخفاء أسلحة العراق الكيماوية والبيولوجية، ولا سيما غاز vxوقد نفت حكومتا الخرطوم وطرابلس صحة الاتهام وعزته لمصادر إسرائيلية مغرضة. وأبرزت الصحيفة اللندنية، مجموعة من التصريحات التي أدلى بها بريطانيون كانوا يعملون في المصنع، أو على علاقة بالمنطقة، منهم توم كارنيفان من منطقة نورث أمبرلاند، وقد عمل مديراً فنياً بالمصنع من ۱۹۹۲م حتى ١٩٩٦م الذي دان الغارة الأمريكية بشدة قائلاً: لدي معلومات إضافية ودقيقة عن المصنع، وأعلم تماماً بأنه لا يصلح لتصنيع مواد الأسلحة الكيماوية، وأضاف بأن أمريكا تزعم أن غاز VX يصنع بالقسم البيطري للمصنع، لكنني أعلم جيداً بأن هذا غير ممكن. وقال إن تصنيع المواد الكيماوية الخطيرة يحتاج لمعدات خاصة، وأمكنة معزولة، وليس إلى مصنع تقود أبوابه للشوارع العامة.
من جانب آخر قال أروين آرمسترونج - مخرج فيلم أيرلندي عن السودان، وهو قام بتصوير المصنع - إن الأمريكيين ارتكبوا خطأ فادحاً. مضيفاً بأنه زار مواقع عديدة في السودان كانت تخضع لحراسة عسكرية مشددة، في مقابل المصنع الذي كان مفتوحاً للجميع، لقد سمح لي طاقم المصنع بالتجول في أقسامه بحرية مطلقة. وأشار إلى أن مصنع الشفاء، مصنعاً عادياً كبقية مصانع الأدوية في العالم وليس فيه ما يثير الشك. والأمر كذلك، فإن ضرب الولايات المتحدة.
للسودان يثير عدة تساؤلات حول المغزى الحقيقي منه على المستوى الداخلي يشير المراقبون إلى أزمة لوينسكي وتزامن الضربة مع وقوف كلينتون أمام القضاء بشأن فضائحه، ورغبته في شغل الرأي العام بقضية وطنية على مستوى الإرهاب الدولي الذي كان وراء تفجيرات السفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا على المستوى الخارجي، يبدو بأن واشنطن كانت ترغب في إرسال رسائل تحذيرية لكل من باكستان وإيران بشأن أسلحتهما التدميرية الشاملة، ولا شك في أن لإسرائيل دوراً حيوياً في الإعداد لهذه الرسائل وصياغتها، باختصار، كانت السودان ضحية درس أمريكي للمنطقة عن مال أي دولة عربية وإسلامية تملك أو تفكر بحيازة أسلحة دمار شاملة، إذ سيكفي مجرد الشك الأمريكي، بقدراتها النووية أو الكيماوية أو البيولوجية لشن غارة ضدها. وسيكون من حق الولايات المتحدة - بصفتها القطب الوحيد في النظام العالمي الجديد - الاحتفاظ بأدلتها التي تدين هذه الدولة أو المجموعة ولا تعلنها لأحد. إذ يكفي. كما قال مراقب بريطاني - أن يكون ضرب أمريكا لدولة ما دليلاً على تورط هذه الدولة بالإرهاب.
وشكك خبير في الأسلحة الكيماوية بجامعة لانكستر البريطانية في النيات الأمريكية قائلاً إن واشنطن لا تستطيع أن تعتمد على صورة الأقمار الصناعية عن بعد لإدانة السودان أو أي دولة أخرى، فيما قال قانونيون آخرون إن أمريكا بفعلها هذا، فتحت الباب على مصراعيه لأي دولة تشك. في أن دولة ما تهدد أمنها أن تضربها من دون اللجوء للقنوات الدولية، أي الأمم المتحدة وهذا قد يعني مستقبلاً أن تقوم إسرائيل مثلاً. بشن غارة جوية على إيران أو باكستان، بحجة تهديدهما لأمنها، تماماً كما فعلت مع مفاعل العراق النووي، لكن ليس من المطروح، ضمن هذه المعادلة. وفي سياق توازن القوى أن تقوم سورية بشن غارة جوية مماثلة على تل أبيب التي تقوم علنا بتصنيع الأسلحة الكيماوية، بل النووية، ويجمع صحافيون وبريطانيون بأن مثل هذه الازدواجية الأمريكية هي التي تثير العرب والمسلمين ضد الولايات المتحدة. وتدفع الشباب المسلم الغاضب لحرق العلم الأمريكي وشتم، الشيطان الأكبر.
لقد قالت وزير الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت إن الضربة الأمريكية لأفغانستان والسودان، كانت وقائية من عملية إرهابية محتملة في المستقبل، غير أن الغموض الذي يلف الغارة الأمريكية برمتها، بدءاً بالتوقيت، واختيار المواقع وربطها بتفجيرات السفارتين من دون تقديم أدلة واضحة، كل هذا لا يعني تقليص العمليات الإرهابية على العكس سيشجعها ويعطيها مبررات أعمق وكان رئيس الوزراء البريطاني توني بلير قد كتب مقالاً بإحدى الصحف اللندنية قال فيه بأنه يعرف تماماً هوية المتورطين بتفجيرات أوماج بأيرلندا، والتي راح ضحيتها ۲۸ من بينهم ٩ أطفال و٧٠ جريحاً في المستشفى، لكنه لن يستخدم القوات الخاصةSAS لتصفيتهم؛ لأن ذلك يناهض قيمنا الديمقراطية التي تعتمد على السلام والجدل في حل مشاكلها، وقال إن خوض معركتنا الأمنية مع الإرهابيين الأيرلنديين ينبغي أن يكون عبر الوسائل الديمقراطية.
براعة رجل الدولة:
إن القضايا الحقيقية في العالم الإسلامي تتمثل في الفقر والظلم والحرمان من التمتع بالحقوق، ويجب أن تكمن براعة الرئيس كلينتون كرجل دولة في معالجة هذه المشاكل وفي الشرق الأوسط بصورة خاصة..
صحيفة الجارديان البريطانية
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل