العنوان شهر الإيمان والفتوحات
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 01-نوفمبر-2003
مشاهدات 74
نشر في العدد 1575
نشر في الصفحة 9
السبت 01-نوفمبر-2003
شهر الإيمان والفتوحات... يحيي موات القلوب ويبعث الأمل في نصر الله
أقبل شهر رمضان بنفحاته المباركة ونسماته الروحانية وها هم المسلمون يستقبلونه في شوق ليغسل القلوب من الهموم والأحزان والأدران ويزيل عنها عناء عام مضى.
شهر يجود فيه المولى عز وجل على عباده بواسع الكرم من الرحمات والمغفرة، ففيه تفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب النيران فعن عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة.. وغلقت أبواب جهنم وصفت الشياطين، ونادى مناد من قبل الحق سبحانه: يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر ، ولله عتقاء من النار وذلك في كل ليلة» (متفق عليه).
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» (رواه البخاري).
من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه.
وهو شهر القرآن الذي تحيي آياته موات القلوب وتجلي صداها وتضبط المسلم على طريق الهداية وتبعده عن سبل الغواية: ﴿إِنّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء :٩).
وهو شهر القيام وذكر الله الدائم وعمارة المساجد، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ يَخَافُونَ يَوۡمٗا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَٰرُ﴾ (النور: ٣٦ – ٣٧).
وهو شهر العطاء والمسارعة إلى الخيرات والمشاركة الوجدانية الإيمانية للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة وقد جعل الله سبحانه النصر قرين الجهاد ولا جهاد إلا بصبر ولا صبر إلا بثبات وتضحية.
إن رمضان الذي تظلنا أيامه ولياليه هو مدرسة جامعة لكل خصال الخير يعيش فيه المسلم العبادة الجامعة من إخلاص العبودية لله والمواظبة على الصلاة والقيام وأداء الزكاة وزيارة بيت الله الحرام- إن استطاع- وهو ما يضعه في بوتقة تربوية ربانية يعيش فيها معاني الخير، حتى إذا ما انتهى رمضان عاد المسلم منه كيوم ولدته أمه إنه مدرسة تربية الرجال وصناعة الأبطال، رهبان الليل وفرسان النهار ومن هنا فلا غرو أن يذكرنا رمضان عندما يظللنا بأيامه المباركة بانتصارات وفتوحات المسلمين الأوائل.
لقد كان رمضان شهر جهاد و انتصارات للدولة الإسلامية الأولى منذ الانتصار الأول في غزوة بدر على دولة الشرك الكبرى في مكة مرورًا بانتصاراته على الحملات المغولية والصليبية والصهيونية وكلها انتصارات حققها المسلمون الصائمون في شهر رمضان.
ومن هنا فإن أعداء الإسلام من شياطين الإنس والجن يحرصون على إفساد هذا الشهر ويحاولون تحويله إلى موسم للتسلية واللهو وملء البطون وإشباع الشهوات حتى تظل الأمة على وهنها وضعفها وتفرقها فيسهل قيادها وغزوها فكريًا وثقافيًا وحضاريًا، وإن أعداء هذا الدين يصرون على أن يغرق الإنسان في وحل الأرض، وينقطع عن السماء، ويعملون على تعليق قلبه بمآرب الدنيا، وإبعاده عن طلب الآخرة، ولكن الإسلام يأبى إلا أن يسوق البشرية إلى الله قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ (الذريات: ٥٠).
إن رمضان يحل علينا هذا العام وقد استجمعت قوى الشر عدتها وجردت حملة ظالمة وشاملة على الإسلام والمسلمين في كل مكان تحاول أن تشوه الإسلام دينًا وعقيدة وأن تفتري عليه افتراءات باطلة وتلقي عليه زورًا مسؤولية الإرهاب وتهاجم المصطفى صلى الله عليه وسلم وتحاول خلع المسلمين من عقيدتهم السمحة بالسعي لإلغاء التعليم الإسلامي وحرمان المسلمين من تعلم مبادئ دينهم وبالسعي لشل العمل الخيري وتجفيف منابعه حتى لا يغاث مسلم يوماً، وتحرض الحكومات الضعيفة العميلة على ضرب تيار الصحوة الإسلامية وتغييبه حتى تخلو الأجواء للمتغربين من سماسرة الاستعمار ليشيعوا الضعف والوهن والانحلال والتبعية بين أبناء الأمة.
وإن رمضان يأتي علينا هذا العام وقد بلغت الحملة الصهيونية الوحشية ذروتها ضد أهلنا في فلسطين تهلك الحرث والنسل وتدمر المساكن الآمنة وتمارس القتل والحصار للأطفال والنساء والعجائز، لكن روح رمضان ومعانيه الجهادية لم تزد أهلنا في فلسطين إلا صعودًا وثباتًا وتشبثًا بالوطن والديار متمسكين بعقيدتهم ومقدساتهم ومواصلين انتفاضتهم المباركة ضد الظلم والطغيان وجور الصهاينة المدججين بأعتى آلة حربية قدمها لهم الغرب الظالم، وإن الحق المنتصر بإذن الله سبحانه وتعالى ثم بعون وعدد الشعوب المسلمة بعد أن تخلت عنه معظم الحكومات خضوعًا للضغوط الصليبية الصهيونية.
إن رمضان يعلمنا كيف يأتي الفتح ونصر الله على أيدي المخلصين العابدين العاملين عندما تفلس بعض الحكومات وتنهزم قياداتها. وإن رمضان يعلمنا أن الإسلام لا ينتصر أبدًا بالكسالى أو بمن يعبد الله على حرف وإنما ينتصر بمن يستعصي على الظلم وينذر نفسه لمقاومة البغي والعدوان والطغيان.
إن من رحمات الله عز وجل أن جعل لنا في هذا الشهر العظيم محطة نقف فيها طوال ثلاثين يوماً، نقف مع أنفسنا، نحاسبها على تقصيرها، ونفتش عن منابع الإيمان في قلوبنا، فنجلو الصدأ عنها، فرمضان مصحة للعلاج الروحي، ففي الحديث: «ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له».
إن العاقل الواعي هو من يحسن استثمار الفرص المتاحة وينتهز تلك الومضات السريعة في الأحوال العادية من حياته فكيف إذا كانت الدواهي المحيطة بأمة الإسلام ليس لها من دون الله كاشفة وليس للمسلمين فيها من سبيل سوى اللجوء إلى الله سبحانه والوقوف ببابه والركون إليه وانتهاج السبيل التي خطها رسول الله صلى الله عليه وسلم والتمسك بما جاء في كتابه الكريم؟
إن المسلم إن ضل فإن القرآن يهديه ﴿إِنّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: ٩) وإن أصابه الموات فالذكر يحييه: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ (الأنعام: ۱۲۲).
وإن ثبت في وجه المحن وجاهد دفاعًا عن دينه وعقيدته ووطنه نصره الله نصرًا مؤزرًا: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: ٧).