; شهادات على قرن مرتحل - العدد (1385) | مجلة المجتمع

العنوان شهادات على قرن مرتحل - العدد (1385)

الكاتب قاسم عبده قاسم

تاريخ النشر الثلاثاء 25-يناير-2000

مشاهدات 59

نشر في العدد 1385

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 25-يناير-2000

العمل الشعبي الإسلامي أبرز الإنجازات المضيئة للأمة

• أعتقد أن أهم أحداث القرن المنصرم كانت تتمثل في نضال الأمة الإسلامية عمومًا من أجل الخروج من شباك الاستعمار والسيطرة الأجنبية وفشلها في تحقيق ذلك، وقد دفع العالم الإسلامي ثمن هذا الاستعمار باهظًا في أكبر مجزرتين في التاريخ الإنساني، وهما الحربان العالميتان الأولى والثانية، حيث كان السبب الأساسي لهما هو التسابق على نهب خيرات العالم الإسلامي منه بصفة خاصة، وإذا عدنا قليلًا للوراء، أدركنا أن الاستعمار إنما هو امتداد للحروب الصليبية التي أيقن بعدها الغرب أن تجريد العالم الإسلامي من مصادر قوته يبدأ بالاستيلاء على طرق ومراكز التجارة العالمية، التي كانت مركزة - في ذلك الحين - في البحار، مما أدى ولأول مرة في التاريخ إلى تحول حركة التجارة لصالح طرف على حساب كل الأطراف، وبهذا وقع العالم الإسلامي فريسة للاستعمار، وبهذا المشهد دخل العالم الإسلامي القرن العشرين.

كما وصلت الدولة العثمانية - دولة الخلافة - إلى درجة كبيرة من التمزق والضعف والتفكك السياسي، وعلت فيها النعرات العرقية على حساب الشعوب الأخرى حتى انهارت تمامًا.

أما على المستوى الاقتصادي فإن ما جرى في العالم الإسلامي يثير الأسى والحزن، فقد توافرت في بعض المناطق ثروة كبيرة قادرة على تكوين أمة قوية لو أحسن توجيهها إلى مصارفها الشرعية - وهنا أقصد المعنى الاقتصادي وليس المعني الديني فقط- أما ما حدث فهو أمر يفوق الخيال إذ أصبحت الدول الإسلامية - خاصة الدول النفطية – ضعيفة «بفضل» هذه الثروة التي جلبت لهم دائمًا التهديد والأطماع من جانب الغرب فأصبحت رهنًا لها.

وعلى جانب آخر، قد يكون المستوى الشعبي في الصفحة المضيئة في هذا القرن للعالم الإسلامي حيث يبرز دور العمل الأهلي الإسلامي في تقديم الخدمات التعليمية والتثقيفية والصحية إلى أعداد كبيرة من الناس في أنحاء العالم الإسلامي غير أنه أصبح محاصرًا بشكل غريب في السنوات الأخيرة.

وفي المقابل فإن الصفحة الأكثر سوادًا في القرن العشرين بالنسبة للعالم الإسلامي هي إقامة دولة إسرائيل.

ولماذا تتجاوز «إسرائيل» بالنسبة للعالم الإسلامي كونها صفحة سوداء في هذا القرن فتصبح الصفحة الأكثر سوادًا في القرن كله من وجهة نظرك؟

• هذه حقيقة والسبب أنها كانت نتاجًا لكل الظروف والأحداث السيئة وغير الطبيعية التي عاشتها الأمة من ناحية وسببًا فيها من ناحية أخرى، إذ إن معظم ما تعيشه الأمة من تداعيات وانتكاسات تتعلق بهذه القضية، كما أن حالة الاستنزاف التي تمر بها وتعطلها عن النهوض مرتبطة لا شك بها أيضًا وهي تطرح أيضًا إشكالات خطيرة تعيشها الأمة، أهمها حالة الذهول وعدم الوضوح تجاه هذه القضية.

العالم الإسلامي أصيب بحالة من عدم الوضوح في رؤيته للموقف العام وبات يفضل العمل في المناطق البعيدة عنه في المناطق القريبة.

كما لا أعلم سبب الإصرار في التعامل مع الشعوب الإسلامية على اعتبار أنها أقل من غيرها التي يجب أن تحكم بالأنظمة الديمقراطية، رغم اتجاه العالم إلى إتاحة الحرية الفردية وحقوق الإنسان ورغم ازدواجية هذه المعايير فإنه لا نهضة للعالم الإسلامي إلا إذا أرسى قيم العدل والحرية على المستوى السياسي والتنمية على المستوى الاجتماعي وتوسيع قاعدة المشاركة الجماهيرية من خلال أنظمة تعليمية متطورة ومناسبة لأوضاع العالم الإسلامي.

أما على المستوى المعرفي فإن العالم الإسلامي تقدم كثيرًا وهناك أجزاء منه حققت قوة اقتصادية وإنجازات تقنية وفنية، وأجزاء أخرى تقدمت على المستوى الديمقراطي خاصة من آسيا.

• إذن ما أهم أحداث القرن العشرين التي أثرت بشكل واضح في العالم الإسلامي في نقاط سريعة؟

• سقوط الخلافة العثمانية.

- قيام دولة باكستان الإسلامية في شبه القارة الهندية بعد استقلال الهند كدولة قوية تضم أعدادًا كبيرة من المسلمين، ثم قيام بنجلاديش بعد ذلك في منطقة البنغال وأهمية ذلك أن هذه المنطقة كانت مركزًا لنشاط حضاري رائع للمسلمين في القرن الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر، فقيام دولة إسلامية كان علامة مضيئة في صفحات العالم الإسلامي.

- يعز علينا أن يكون اغتصاب فلسطين من أسوأ أحداث هذا القرن.

- استقلال الدول الإسلامية من الاستعمار على الرغم مما آلت إليه الأوضاع الآن إلا أنه حدث إيجابي بلا شك.

- بروز القوة الأمريكية وانهيارالاتحاد السوفييتي وهو حدث دفع المسلمون ثمنه باهظًا على عكس ما يبدو لأن الصراع الإسلامي - الصهيوني أصبح محسومًا – مؤقتًا - لصالح الصهاينة.

• ما أهم الشخصيات التي أثرت في العالم الإسلامي سواء سلبًا أو إيجابًا خلال هذا القرن؟

•على المستوى الفكري هناك الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، وحسن البناء، كذلك الليبراليون: أحمد لطفى السيد، ومحمد حسين هيكل، وطه 

حسين.

• وما أهم الكتب التي أثرت في الأمة الإسلامية خلال هذا القرن؟ 

• هناك بعض الكتابات التي أثرت في الشعوب بقدر مثل كتابات طه حسين والعقاد وسلامة موسى، ولكنها لم ترق إلى أن تغير وجه الحياة في مصر أو العالم العربي أو الإسلامي، ولم يكن هناك كتاب في قوة تأثير الكتب الغربية في هذا القرن، أو الإسلامية في قرون ماضية، فقبل ذلك كانت هناك كتب تحدث تأثيرًا جذريًا في مسيرة الأمة بل وربما العالم مثل:

- الأحكام السلطانية للمواردي، مقدمة ابن خلدون، أمهات الكتب الفقهية مثل الموطأ والأم، كتب ابن تيمية، أما الآن فأعتقد أن السبب الذي يكمن وراء عدم وجود كتب مؤثرة هو أننا ما زلنا غير قادرين على الإنتاج الثقافي الخاص، وما زلنا خارجين من عصور تخلف لا تثمر إبداعًا حقيقيًا ولكن إذا تجاوزنا ذلك واخترنا كتابًا بعينه فسيكون كتاب «الإسلام وأصول الحكم» للشيخ على عبد الرازق، فهو في نظري أهم كتاب أثار الجدل بين اتجاهات الأمة إلى الآن دون أن يحسم، بل إن كثيرًا من المناقشات المحتدمة الآن امتداد لما دار حوله من جدل ومعارك فكرية.

• وما أهم الأفكار التي أثرت في العالم الإسلامي خلال هذا القرن؟

•فكرة إعادة بناء الأمة على أساس إسلامي أحدثت تغييرًا حقيقيًا، لكنها لم تتبلور حتى الآن لأنها تعتمد على الاغتراف الانتقائي من التراث وكل جماعة تنتقى ما يخدم توجهاتها، فلا بد إذن من إتاحة الفرصة للحوار البناء لأن الأفكار لا تولد في غرف مغلقة، ولا تنزل من السماء مع الأمطار، لكنها تأتي من خلال التفاعل والتلاقح بين الناس، وبشكل عام فإن فكرة إحياء الهوية الإسلامية تلقى قبولًا وترحيبًا، أما صياغتها بشكل محدد فلم تتم بعد.

• مؤشر حركة الأمة الإسلامية هل هو في صعود أم هبوط؟

•على المستوى السياسي هو في هبوط، أما على المستوى الشعبي فهو في صعود.

وهذا هو الأهم لأن الشعوب لن تنتحر وحتمًا ستحقق مطالبها لأنها الأكثر والأقوى، وهذا بدأ يحدث بالفعل الآن ولكن بشكل تمهيدي.

• مشهد دخول الأمة القرن العشرين ومشهد خروجها منه، أيهما أفضل؟ 

• أعتقد أنها الآن أفضل وإن بدت على السطح بعض التشوهات فقد زادت معدلات التعليم بين أبنائها ونمت القوة الاقتصادية، وما زالت قيم الأخلاق والفضيلة راسخة في شعوبها، وبالتالي فإن إجمالي المحصلة

النهائية للأمة إيجابي.

• وماذا عن توقعاتك المستقبلية للأمة الإسلامية في القرن الجديد؟

• في الحقيقة لو ظلت الأوضاع على ما عليه فإننا سوف نتحول إلى قطيع يسوده الآخرون، ولا أستطيع أن أتنبأ الآن بما قد يحدث لأن هناك أمورًا كثيرة ما زالت غامضة، ولا أريد أن أتشاءم ولكنني في نفس الوقت لا أريد أن أفرط في التفاؤل.

فنحن الآن أمام أزمة حقيقية تستأهل منا بذل مجهودات ضخمة في إصلاح العلاقة بين الحاكم والمحكوم، والاهتمام بالتعليم، وبث قيم العدل والحرية بعيدًا عن الشعارات الرنانة، وأن نستعد جيدًا للمعارك الطاحنة الآتية لا محالة عملًا بقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ﴾ (سورة الأنفال آية 60)، والقوة هنا بمعناها المطلق، وهي الآن كل وسائل القوة الحديثة.

الرابط المختصر :