; شهادات على قرن مرتحل: المستشار طارق البشري: التنامي المتواصل للحركات الإسلامية استطاع إحياء فكرة الأمة من جديد | مجلة المجتمع

العنوان شهادات على قرن مرتحل: المستشار طارق البشري: التنامي المتواصل للحركات الإسلامية استطاع إحياء فكرة الأمة من جديد

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 18-يناير-2000

مشاهدات 67

نشر في العدد 1384

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 18-يناير-2000

 حركة التجديد في القرن العشرين أتت في ظروف يجابه فيها الفكر والعقيدة أخطار غزو فكري يهدد حضارة الأمة.

 تفسير «المنار» من أرقى ما أنتجه العقل الإسلامي في العصر الحديث.. ويمثل تجسيدًا للتواصل الفكري بين الأجيال.

 لا بد من التفكير في صيغة أفضل للعلاقة بين الدولة و«الجماعة» بما يزيل التوتر ويقيم جسور الثقة.

الأفكار التي أثرت في مسيرة الأمة طوال القرن العشرين كثيرة بالطبع.. ولكن أعتقد أن أهمها على الإطلاق تلك التي اتصلت برؤيتنا لطبيعة وشكل العلاقة مع الغرب سواء كانت هذه الرؤية سلبية أم إيجابية، متفائلة أم متشائمة.. والسبب في ذلك أن تاريخنا في هذا القرن كأمة إسلامية وكشرق عمومًا، هو تاريخ محاولتنا التخلص من الاستعمار الغربي والتبعية له بكل وجوهها إذ إننا دخلنا القرن العشرين والأمة في مجملها ترزح تحت الاستعمار أو التدخل الغربي.. ومن ثم فقد كانت العلاقة مع الغرب على رأس قضايا الأمة طوال هذا القرن بل وربما في النصف الثاني من القرن الماضي أيضاً حتى صار الملمح الرئيس الذي يميز كل وجوه حركة الأمة هو: مقاومة الاستعمار الغربي والسعي إلى التخلص من هيمنته والتبعية له بكل أبعادها «العسكرية، والسياسية، والاقتصادية، والثقافية، والفكرية أيضًا» لذلك كانت الأفكار المتعلقة بالعلاقة مع الغرب هي أهم الأفكار التي صبغت حركة الأمة وحددت مسيرتها سواء تلك تدعو إلى المقاومة والاستقلال الحضاري عن الغرب والتمسك بالخصوصية الحضارية الإسلامية أو التي جسدت إيمانًا بالغرب وأفكاره ومشروعه الحضاري وتنازلت له ومن أجله عن مرجعية الأمة الإسلامية.. ومن ثم كانت أهم الإيجابيات أو السلبيات الفكرية في هذا القرن متصلة برؤية العلاقة مع الغرب إذ إننا مشغولون بهذا الشكل في إيجابياتنا وسلبياتنا، وفي وجوه ما انتفعنا به من أفكار وما أوذينا به أيضًا.

- وبجانب هذه الأفكار يمكن أن نذكر أفكار حركة التجديد الفكري والفقهي الإسلامي ورغم أن هذه الأفكار كانت من بنات القرن الماضي إلا أنها كانت من شواغل الأمة الرئيسة في هذا القرن ومارست تأثيرًا بالغًا على حركتها ومسيرتها .. وأفكار التجديد ليست من المبتكرات المستحدثة إذ إن التجديد سنة ثابتة في حياة أمتنا، ومراحله وحلقاته كثيرة سواء في شكل مدارس فكرية أو مفكرين مستقلين لكن الجديد أن حركة التجديد التي شهدها هذا القرن كانت لها خصوصية فريدة عن كل ما سبقها وهي أنها واجهت ولأول مرة مشكلًا لم يكن موجودًا، فقبل ذلك كان الفكر الإسلامي يتجدد من داخله ومن مادته وكان جديده يخرج من قديمه بنفس أساليبه ومناهجه ومنطقه في التجديد، وكان كل فقيه أو مفكر مجدد يخرج من عباءة سابقيه بعد أن يكون قد استوعب نظراتهم ومناهجهم وأضاف إليها بما يتفق وتحديات عصره، أما حركة التجديد في القرن العشرين فقد أتت في ظروف يجابه فيها الفكر والعقيدة الإسلامية أخطار غزو فكري خارجي يهدد حضارة الأمة بالاجتثاث من جذورها ويريد أن يستبدل بها وبأسسها الفكرية والعقائدية نظامًا آخر مخالفًا لها تمامًا، فكان عليها أن تقاوم ليس فقط القديم بل والجديد أيضًا المتمثل في الغزو الفكري، لذلك فقد انقسم نشاط حركة التجديد الإسلامي إلى نوعين: الأول: يحاول التجديد بوصل ثوابت الفقه والشريعة مع مستحدثات الواقع الجديد، والثاني: يدافع عن ثوابت العقيدة والفكر والثقافة والحضارة الإسلامية في مواجهة الوافد الغربي، فكان على حركة التجديد الفقهي والفكري مقاومة الجمود والتخلف الفكري الداخلي؛ والتصدي لمحاولة الاجتثاث الخارجي من جهة أخرى وهذا ما ميزها عن كل حركات التجديد السابقة عليها.. وربما كان ذلك سببًا في انقسام الفكر الإسلامي على نفسه في القرن العشرين:

فهناك اتجاه المحافظة ويمثله الأزهر والمؤسسات الدينية التقليدية، ويحمل عبء الدفاع عن ثوابت الأمة ضد حركات التبشير «التنصير» والتغريب والاستشراق التي اجتاحت العالم الإسلامي وكان من أبرز رموز هذا الاتجاه الشيخ يوسف الدجوي والشيخ محمد نجيب المطيعي، والشيخ محمود شاكر.. واتجاه أو مدرسة أخرى تجديدية تسعى للاستجابة لمتغيرات الحاضر المستحدثة، ومن رموزها الشيخ محمد عبده والطاهر بن عاشور.. وحدث بين المدرستين خلاف وربما صراع نتيجة لعدم تفهم كل اتجاه الدور الآخر واستمر هذا الصراع حتى قرب نهاية القرن دون مصالحة حتى جاء جيل الشيخ محمد الغزالي والشيخ يوسف القرضاوي وتمكن من الجمع بين الاتجاهين «المحافظة والتجديد» ووحد بينهما لأول مرة.

- كذلك هناك الأفكار القومية التي تفشت في جسد الأمة الإسلامية وأحيت النعرات العرقية والقومية منها فأنبتت دعوات الانفصال عن كيان الأمة والاستقلال على أساس قومي، فظهرت فكرة تأسيس دولة «أو خلافة» عربية مستقلة عن دولة الخلافة، وانتعشت فكرة القومية الطورانية في تركيا فانتهت بإسقاط الخلافة تمامًا وتوالى انتشار هذه الأفكار في معظم أنحاء العالم الإسلامي فترسخت فكرة الانفصال بعد أن صارت واقعًا ورضيت الشعوب بتقسيم الأمة أو سلمت به.. والسمة الغالبة للأفكار القومية أن أصحابها في معظم الأحوال كانوا علمانيين ويحملون تصورات معادية للإسلام.

- وعلى الجانب الآخر من هذه الأفكار هناك أيضًا الأفكار التي اتصلت بمحاولة توحيد الأمة وتجميع شعوبها في كيان واحد أو كيانات متعددة بعد سقوط الكيان الأم «الخلافة» فظهرت فكرة الوحدة على أساس ديني مثلما تمثلت في فكرة الجامعة الإسلامية، أو على أساس عرقي كما في الوحدة الطورانية، والعربية والفارسية.

- والحقيقة أن كل أفكار الوحدة ومشروعاتها التي شهدتها أرجاء مختلفة من العالم الإسلامي كانت تمثل هاجس وشاغل الأمة ورغبتها في التوحد.

ربما كانت هناك أفكار أخرى لكن أعتقد أنها تتصل بهذه الأفكار بصورة أو بأخرى.

 وإذا انتقلنا إلى أدوات الفكر، فما أهم الكتب والمجلات التي ظهرت في العالم الإسلامي هذا القرن وأثرت فيه؟

o أفضل أن يتسع المجال لنتحدث عما يمكن أن نسميه بمؤسسات الثقافة والفكر التي تصنع الأفكار وتغير وعي الأمم وهي أوسع وأرحب من أن تقصر على الكتب والمجلات.. وفي هذا الصدد لا بد أن أشير إلى دور دار العلوم المصرية فيما يتصل بالتجديد الفكري وهو دور ربما كانت بدايته في النصف الثاني من القرن الماضي مع تأسيس الدار سنة ١٨٧٣م استطاعت من خلاله كمؤسسة تعليمية الوصل بين علوم الأزهر الشرعية وبين العلوم الحديثة وهو دور رائد في حقبة أريد لها أن ينعزل الدين بمؤسساته بعيدًا عن كل مناحي المجتمع.

- وهناك أيضًا مدرسة القضاء الشرعي في مصر والتي تأسست سنة ١٩٠٦م فقد كانت القلعة التي تخرج فيها أساطين الشريعة والقانون في مصر والعالم الإسلامي وربما لا يعرف حجم تأثيرها وأهميته إلا أبناء كليات الحقوق التي أنشئت لتدريس القوانين الوضعية وإحلالها بديلًا عن القوانين الشرعية في بلادنا، فقد استطاعت هذه المدرسة الوصل بين الشريعة والفقه وبين القوانين الوضعية وحالت دون ظهور أجيال من الحقوقيين لا يعرفون شيئًا عن الشريعة أو الفقه إذ قامت بإمداد كليات الحقوق بأساتذة وعلماء كبار غرسوا بذور الانتماء والتقدير للشريعة في قلوب طلاب الحقوق، ومن أبرز هؤلاء العلماء الشيخ عبد الوهاب خلاف والشيخ محمد أبو زهرة والشيخ على الخفيف وعبد الوهاب عزام وأحمد أمين.. وكلهم تتلمذ في مدرسة القضاء الشرعي على يد جيل الأساتذة: أحمد إبراهيم، وعبد الرزاق السنهوري، والشيخ أبو الفتوح، والشيخ زيد الإبياني... ويشبه دور هذه المدرسة دور مجلة الأحكام العدلية التي صدرت في نهايات الدولة العثمانية إذ استمرت في أداء تأثير فقهي إسلامي في أنظمة القوانين الوضعية التي كانت قد أخذ بها كثير من الدول الإسلامية، فأبقت جذور الشريعة متقدة وحالت دون القضاء عليها تمامًا.

- يقابل هذه المؤسسات وعلى النقيض منها كلية الآداب بالجامعة المصرية التي لعبت دورًا استشراقيًا تغريبيًا ما زالت آثاره باقية إلى الآن. فمنذ نشأتها اضطلع بالتدريس فيها وصاغ مناهجها كبار المستشرقين في العالم من أمثال نالنيو، وماسينيون، وسانتيلانا... فاصطبغت الكلية بأفكارهم الاستشراقية إلى الآن وأشاعتها في معظم الأوساط الثقافية والفكرية في أنحاء العالم الإسلامي وهذه سمة غالبة على أساتذتها ربما لا يستثنى منها إلا القليل مثل الشيخ مصطفى عبد الرازق رائد الفلسفة الإسلامية في العصر الحديث، ربما بسبب كونه أزهري النشأة إسلامي التكوين.

- وهناك أيضًا الجامعة الأمريكية ببيروت التي لعبت دورًا استشراقيًا وتغريبيًا بل وتنصيريًا أيضًا وما زال تأثيرها الفكري قائمًا إلى الآن خاصة في بلاد الشام.

- وإذا انتقلنا للحديث عن الكتب ينبغي التوقف أمام نوعية قد يغفل الكثيرون أهمية تأثيرها في فكر ووعي الأمة، وأقصد بها الكتب المدرسية وهي أهم في نظري من الكتب الشخصية أبلغ تأثيرًا، فالكتاب الشخصي مهما بلغت أهميته لا يقرؤه إلا الصفوة ولا يصل تأثيره إلى عامة الشعب إلا عبر سلسلة من الشارحين والمروجين والمطبقين لأفكاره ومن ثم يكون تأثيرًا ضعيفًا وغير مباشر بعكس الكتب المدرسية التي تلعب الدور الأعظم في تشكيل فكر الأمة وصياغة وعيها.. والحديث عنها يضطرنا بالضرورة إلى الحديث عن مؤسسات التعليم ومناهجه والتي وضعت على النموذج الذي صاغه المستشار الإنجليزي دانلوب لمناهج التعليم المصرية في أوائل هذا القرن، والذي يقوم على فصل علوم الدين عن علوم الدنيا بما فيها العلوم الإنسانية والاجتماعية، وقصر العلوم الدينية على الشعائر والعبادات فقط، وتم تعميم ذلك على العالم الإسلامي في حين بقيت المؤسسات والمعاهد الدينية التعليمية كالأزهر على حالها فانعزلت عن حركة العلم وأوضاع الحياة وأصبحت تكتفي بتخريج الدعاة والوعاظ وبعض مدرسي اللغة العربية والقضاة الشرعيين «قبل إلغاء العمل بالقضاء الشرعي» ولم يعد لها تأثيرها في بقية قطاعات المجتمع المؤثرة ونفس الشيء بالنسبة للصحف والمجلات.. فالحديث لا بد أن ينصب في الأساس على الصحف والمجلات واسعة الانتشار والتي تمارس تأثيرها على الشعوب بشكل مباشر ولفترات زمنية طويلة نسبيًا وغالبًا ما تكون الصحف الحكومية أو التي تؤازرها النخب الحاكمة أو المسيطرة على المجتمع وهى غالبًا كانت نخبًا علمانية أو تغريبية.. من أشهر الأمثلة على ذلك صحيفة الأهرام التي أسسها سليم وبشارة تقلا منذ أكثر من مائة وعشرين عامًا، ومجلة الهلال التي أسسها جورجي زيدان قبل قرن كامل.

- أما بالنسبة لصحف المعارضة السياسية والفكرية في هذا القرن فقد كانت متقطعة وغير قادرة على الاستمرار لفترات زمنية طويلة لأنها غالبًا ما تقوم على جهود أفراد أو جماعات لا تستطيع أن تكفل لها الاستمرار ولكن رغم ذلك مارس كثير منها تأثيرًا مهمًا في فكر ووعي الأمة خاصة المجلات ذات التوجه الإسلامي أو الوطني رغم انقطاعها أو تذبذب صدورها دون أن يتوسع نطاق تأثيرها في التيار الثقافي والفكري العام.. ومن نماذجها مجلة «الرسالة» للأستاذ أحمد حسن الزيات التي كانت ثقافية أدبية تحمل توجهًا عروبيًا ذا نزعة إسلامية وكان لها تأثير عظيم في المحيط العربي كله وكتب فيها وتخرج فيها عظماء الثقافة والأدب في العالم العربي في وقت كانت المجلات الثقافية قليلة ومحدودة الانتشار وهو ما ضاعف من تأثيرها والدور الذي لعبته. هناك أيضًا «المنار» للسيد رشيد رضا التي أحدثت تأثيرًا عميقًا على مستوى التجديد الفكري والفقهي الإسلامي وقدم فيها رشيد رضا أهم إنجازاته الفكرية والتي تمثلت في وصل الفقه بالواقع من جهة، ووصل حركة التجديد بالحركة السلفية من جهة أخرى، وهو ما أسفر عن انتشار الفكر السلفي وأعلامه بكثافة منذ بداية صدورها في أوائل القرن، وربما كان انتشار كتب ابن تيمية والإقبال عليها- في حينها- راجع إلى أن المجلة كشفت عنها وقدمتها للقارئ الإسلامي.

- كذلك مجلة «المسلمون» التي أصدرها الدكتور سعيد رمضان سواء في مرحلتها المصرية أو بعد انتقالها خارج مصر وهي في نظري من أفضل ما صدر في هذا القرن.

- أيضًا مجلة «المسلم المعاصر» لجمال الدين عطية.. وأنا شخصيًا تأثرت بها كثيرًا وما زال عددها الافتتاحي الصادر في نوفمبر سنة ١٩٧٤م ماثلًا في ذهني... وأعتقد أنها تمثل ما ينبغي أن تكون عليه مدرسة التجديد الفكري الإسلامي بكل أبعاده.

- أما بالنسبة للكتب فليس لدي أسماء كثيرة، لكن أذكر تفسير «المنار» لرشيد رضا أيضًا ورغم أنه توقف فيه عند الجزء الخامس عشر إلا أنه من أفضل كتب التفاسير والكتب عمومًا في هذا القرن وأذكر للشيخ الغزالي أنه كان يقدمه على كل كتب التفسير وكان يقول: «إنني دائمًا أضع المنار بجانبي»- دلالة على أهميته، والمنار استمرار لفكر محمد عبده ومنهجه، وتواصل معه الشيخ حسن البنا حين أراد تفسير القرآن فبدأ من حيث انتهى رشيد رضا وهو ما يعني قبوله لمنهجه واعتماده له ويكشف أيضًا عن التواصل الفكري بين مجددي الأمة وحلقات التجديد فيها.. وهو من أرقى ما أنتجه العقل الإسلامي الحديث، كما لا أستطيع تجاهل تفسير «الظلال» للشهيد سيد قطب فقد استطاع فيه بملكته الأدبية الفذة وبحساسيته وزخمه العاطفي أن يضع أيدينا على مفاهيم ومعان قرآنية كانت بعيدة عن أفهامنا.

- هناك أيضًا كتب الشيخ محمد الغزالي والشيخ يوسف القرضاوي والطاهر ابن عاشور وغيرهم.

- أما في الاتجاه الآخر فأذكر كتاب «الإسلام وأصول الحكم» لعلي عبد الرازق، «وفي الشعر الجاهلي» لطه حسين كأهم الكتب التي أثرت سلبًا في الأمة هذا القرن. والأول كتاب ضعيف من حيث المستوى الفكري وقصته يلفها كثير من الغموض وهناك تشكيك في نسبته لعلي عبد الرازق وخاصة أن طبعته الأولى صدرت في الهند بدون أن يعرف تاريخها بينما صدرت الثانية في القاهرة سنة 1926م، وقد أحدث ضجة هائلة وقتها ثم تراجع على عبد الرازق عن كل ما جاء فيها من أفكار وآراء وتبرأ منها وكذلك أسرته من بعده.. لكن الغريب أن يعيد العلمانيون -وخاصة الماركسيون- إحياءه مرة أخرى في السبعينيات والثمانينيات من هذا القرن فيدافعوا عنه ويروجوا له بأكثر مما فعل صاحبه وبعكس رغبته حتى إن مجلة الطليعة «اليسارية» أعادت طبع الكتاب دون موافقة أسرته أو رضاها.

- ونفس الشيء تكرر مع كتاب طه حسين ومع كل الكتب التي هاجمت الإسلام أو طعنت فيه حتى وإن تراجع عنها أصحابها تمامًا كما حدث مع الأستاذ خالد محمد خالد؛ فالعلمانيون متمسكون بكتابه «من هنا نبدأ» الذي فصل فيه بين الدين والدنيا متجاهلين تراجعه عنه في كتابه «الدولة في الإسلام».

 وماذا عن أهم الأحداث التي شهدها القرن العشرون بالنسبة للأمة؟

o أهمها وأبلغها تأثيرًا على الأمة كان سقوط الدولة العثمانية وإلغاء الخلافة الإسلامية، إذ كان بداية انفراط عقد الأمة بعد ذهاب «مُشخِّصها» السياسي وعدم قيام مشخص بديل، وهو ما كان سببًا لمعظم التداعيات السلبية التي تعيشها الأمة الآن لكن هذا لا يمنع من أن الأمة لم تستسلم لذلك وحاولت استعادة مشخصها ولكن في شكل أهلي شعبي وليس دولة واحدة، إذ ظهرت حركة الإخوان المسلمين كأبرز تجليات رغبة الأمة في إعادة بناء كيانها ولكن جاءت في صورة تجمع شعبي وليس رسميًا وهو تجمع مرجعيته الإسلام في شموله وعمومه كأساس ومرجع لكل مناحي الحياة في مواجهة المشروع العلماني الوافد من الغرب.

- وهناك أيضًا الموجة الاستعمارية التي وإن بدأت في القرن التاسع عشر إلا أن حلقاتها اكتملت في القرن العشرين لتحكم قبضتها على غالبية أجزاء الأمة، وهو ما تولد عنه حركات تحررية مضادة كانت شعبية بالأساس استمرت حتى نالت الأمة استقلالها، وإن بقيت آثاره أو تحول إلى صور أخرى لا تقتصر بالضرورة على الصورة العسكرية.

- أيضًا هناك الأحداث التي تعلقت بالتجزئة السياسية للأمة وتقسيمها الوطن الإسلامي الواحد إلى عدة دويلات قطرية متناثرة تفصل بينها حواجز كبيرة ومنيعة وإن بقي طموح الأمة في التوحد والاستقلال قائمًا وكانت أبرز تجلياته في الدعوة إلى الوحدة الإسلامية المعبر عنها في فكر إعادة الخلافة، وهي فيما يبدو لي لم تكن في ذهن دعاتها تعني إنشاء كيان أو دولة موحدة وإنما توحيد الأمة وإقامة مشخص وموحد فكري لها بأي صورة ممكنة.

 وإذا قدمنا رصدًا لأهم الشخصيات في القرن العشرين فمن تذكر؟ ولماذا؟

o أخشى أنه سيسقط منها كثيرون يستحقون أن نذكرهم. لذلك سأقدم ما يشبه البانوراما دون تفصيل أو تتبع دقيق: وأول من نذكرهم في رأيي زعماء الاستقلال في أوطاننا الإسلامية حتى وإن كانوا من تيارات غير إسلامية لأنهم تصدوا لأهم مشكل واجه الأمة في هذا القرن وهو السعي للخلاص من الاستعمار الأجنبي.

- أما من الوجهة الإسلامية فهناك السلطان عبد الحميد الذي تجاوز كونه مجرد سلطان ليصبح زعيمًا إسلاميًا، كذلك السيد جمال الدين الأفغاني وإن كان القرن الماضي «التاسع عشر» أولى به، والإمام محمد عبده ورغم أنه توفي في أول القرن إلا أن تأثيره امتد ليشمله كله، والشيخ حسن البنا صاحب الجهد والسعي الكبير لإعادة بناء الجماعة الإسلامية من جديد لتكون مشخصًا للأمة بديلًا عن الخلافة التي سقطت.. وهناك أيضًا الشيخ محمد الغزالي والدكتور يوسف القرضاوي كرواد لمدرسة التجديد الإسلامي، وغالبية شيوخ الجامع الأزهر بحكم موقعهم وعلى رأسهم الشيخ عبد الحليم محمود والشيخ جاد الحق على جاد الحق اللذان أعليا من شأن الأزهر وتصديًا لمحاولة الانتقاص من دوره وتركاه أفضل مما كان عليه، كذلك العلامة عبد الرزاق السنهوري كأعظم قانوني في هذا القرن وصاحب الجهد الكبير لإحياء الشريعة وتقنينها، والشهيد إسماعيل الفاروقي مؤسس المعهد العالمي للفكر الإسلامي، والمفكر الجزائري مالك بن نبي صاحب الإسهامات المهمة في معالجة أزمة الفكر في العالم الإسلامي، وكيفية نهوضه، وقبله عبد الحميد بن باديس رئيس جمعية العلماء المسلمين بالجزائر، هناك أيضًا- من الجانب الشيعي- الأستاذ على شريعتي صاحب الإسهامات المهمة في الفكر الإسلامي المعاصر والتي تجلى أثرها في قيام الثورة الإسلامية بإيران.. وآخرون.

 ولكن إذا تحدثنا عن الأمة ككيان وكفكرة.. كيف دخلت القرن وكيف تخرج منه؟

o الأمة دخلت هذا القرن بكيان ضعيف «الخلافة» سرعان ما انهار تمامًا فانقسمت بعده إلى دويلات قطرية متناثرة واستمر ذلك حتى نهاية القرن ولكنها شهدت- كما أشرت- محاولات على المستوى الشعبي والأهلي لإعادة هذا الكيان مرة أخرى في صور مختلفة منها الجماعات الإسلامية القائمة على فكرة وحدة الأمة وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، ومنها التنظيمات والهيئات ذات الطابع الدولي شبه الرسمي وهي أقل تأثيرًا مثل منظمة المؤتمر الإسلامي، والروابط الإسلامية الأخرى «رابطة الجامعات، البنوك، المنظمات الطبية، الهندسية... إلخ» وكلها صور لمحاولة إعادة الكيان للأمة مرة أخرى في صيغ غير الدولة الواحدة، لتناسب طبيعة المرحلة التي تعيشها وتحدياتها التي تواجهها.

- أما من حيث «الفكرة» فكرة الأمة فقد كانت ماثلة في وجدان الأمة وإدراكها في بداية القرن أكثر مما هي عليه في نهايته، تشعر بذلك وأنت تقرأ دوريات أوائل القرن من صحف ومجلات؛ فقد كانت أكثر حرصًا على تتبع أخبار الأمة في كل أنحائها، ولم تكن فكرة العالم في الوعي الإسلامي قاصرة على العالم الغربي كما هو حادث الآن.. لكن بسقوط الخلافة بدأ المفهوم والفكرة نفسها في التقلص ووصل ذلك إلى ذروته في فترة الخمسينيات والستينيات؛ ربما بسبب التصادم المفتعل الذي وقع بين الفكرتين القومية والإسلامية والذي نجم عن الترتيب الخاطئ لدوائر الانتماء وهو ما أحدث بدوره صدامًا بين الانتماء القومي والانتماء الإسلامي كما حدث بين العروبة والإسلام.. لكن بعد ذلك ومع نهاية القرن بدأت الفكرة تعود مرة أخرى وبقوة خاصة مع التنامي المستمر للحركات الإسلامية التي استطاعت إحياء فكرة الأمة مرة أخرى وتفعيل مفهومها.

 وفي نظرك ما أهم الإنجازات التي حققتها الأمة مع نهاية مسيرة هذا القرن؟

o يمكن أن نحدد خطوطها العريضة وتتمثل في:

- المصالحة أو التوحد بين حركة المحافظة على الأصول وبين حركة التجديد الفكري الإسلامي بعد صراع استمر معظم فترات القرن كما أوضحنا.

- عودة فكرة الأمة ووعيها بذاتها ووجودها مرة أخرى بعد أن كادت تضيع عقب سقوط الخلافة والصدام مع الأفكار القومية.

- إعادة ترتيب الانتماءات الفرعية للأمة بصورة صحيحة بعد أن عانت من نتائج الصدامات المفتعلة بين دوائر انتماءاتها وأبرزها- كما أسلفنا- الصدام المرير بين الفكرة الإسلامية والقومية.. وأعتقد أن هناك الآن وعي سليم بهذه القضية في صفوف الإسلاميين والقوميين على السواء، خاصة بعد أن بدأت الفكرة القومية تتجاوز الطروحات العلمانية في كثير من مظاهرها.

 وماذا عن الإخفاقات؟

o أتحدث عن الإخفاقات في مجالين مؤثرين، الأول يتعلق بالتقارب الإسلامي بين الدول فهو ما زال دون المستوى المطلوب بكثير، وربما كانت المشكلة أقل حدة في الدائرة العربية، إذ رغم خفوت دعوة الوحدة العربية وتراجعها، ورغم الخلافات والأزمات المتفاعلة بين دولها؛ إلا أنها ما زالت تحتفظ بقدر من التنسيق والتشاور والإحساس المشترك على مستوى الدول يبقي نوعًا من الانسجام في كثير من القضايا والمواقف، وخاصة أن حركة الاتصال على المستوى الشعبي قوية بصرف النظر عن وضعها على مستوى الحكومات.. أما بقية الدوائر الإسلامية فلم تصل إلى هذا المستوى بعد، فالعلاقات بين العرب والترك والفرس والأفارقة جنوب الصحراء والهنود وغيرها من الدوائر الإسلامية ليست ضعيفة فحسب، بل غير موجودة أحيانًا وغير داخلة في وعينا كما هو الحال بالنسبة لعلاقتنا مع مسلمي الصحراء في الجنوب الإفريقي مثلًا ونفس الشيء وإن بدرجات متفاوتة مع الأتراك والفرس..

- أما الإخفاق الثاني فيتمثل في علاقة الجماعة بالدولة، فهي ملتبسة في كل بلادنا الإسلامية ومشوبة بالحذر وعدم الثقة وردود الأفعال العشوائية، رغم أن كثيرًا من الحكومات في بلادنا وإن لم تجعل الإسلام مرجعية حاكمة لها ولما ترسمه من نظم وسياسات؛ تعد حكومات مسلمة وتحتفظ ولو بالحد الأدنى من الممارسات الإسلامية وهي في نظري باتجاه التزايد.. وأعتقد أننا لا بد أن نفكر في صيغة أفضل للعلاقة بما يزيل هذا التوتر ويقيم جسور الثقة بين الطرفين.

 وماذا تتوقع- في ضوء ما سبق- لمستقبل الأمة؟ هل يسير منحنى حركتها باتجاه الصعود أم الهبوط؟

o اتجاه التصاعد مستمر في حركة الأمة وحتى في حالة تعرضها لانتكاسة فإنها تتوقف فقط ولبعض الوقت ولا تعود إلى نقطة البداية مرة أخرى، وأعتقد أن استمرار التصاعد- وهو في نظري مؤكد- رهن بتجاوز الإخفاقين اللذين أشرت إليهما خاصة ذلك المتصل بالعلاقة بين الجماعة والسلطة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 47

0

الثلاثاء 16-فبراير-1971

مواقف!

نشر في العدد 38

147

الثلاثاء 08-ديسمبر-1970

مع القراء (38)