العنوان صورة حية من النفاق الغربي على حساب المبادئ وحقوق الإنسان.. شهادات الزور تتسابق.. بالفرنسية والإنجليزية للإشادة بالنموذج التونسي!
الكاتب د. محمد الغمقي
تاريخ النشر السبت 27-ديسمبر-2003
مشاهدات 64
نشر في العدد 1582
نشر في الصفحة 21
السبت 27-ديسمبر-2003
■تزامنت زيارة شيراك إلى تونس مع حملة إعلامية واسعة في فرنسا على الحجاب في تونس قامت بها صحيفة لا فالار أكتيل بعنوان عريض "تونس بدون حجاب"، وتم توزيعها بشكل واسع على حافلات النقل وفي محطات المترو.
■ لتصريحات شيراك خلفيات أيديولوجية وحسابات سياسية مرتبطة بالوضع الداخلي الذي تعيشه فرنسا اليوم.. إنه في حاجة ماسة إلى مبررات وتجارب حية لدعم قراره بمنع الحجاب.
■ عامر العريض رئيس المكتب السياسي لحركة النهضة تصريحات غير مفهومة، فالجميع يعلم أن تونس أصبحت مثالًا لانتهاكات حقوق الإنسان وتزييف هذه الانتهاكات. هناك العشرات من المعارضين ماتوا تحت التعذيب خلال العشرية الماضية.
■ حملة احتجاج على تصريحات شيراك المزكية لـ«النموذج» التونسي.
■ راست دايمنج السفير الأمريكي السابق بتونس: لنا الكثير مما نتعلمه من التجربة التونسية في مكافحة الإرهاب.
لم تكن زيارة شيراك إلى تونس من ٣ إلى ٥ ديسمبر الجاري مثل زيارتيه السابقتين إلى كل من الجزائر والمغرب. فقد أثارت تصريحات الرئيس الفرنسي حول الوضع التونسي من حيث واقع الحريات أساسًا وحقيقة التطور الاقتصادي، انتقادات شديدة من جهات حقوقية وسياسية فرنسية وغير فرنسية، تمحورت حول تناقض التزكية الفرنسية الرسمية للنظام التونسي مع تدهور الوضع الحقوقي في تونس الذي تؤكده التقارير الجادة والموضوعية لمنظمات إقليمية وعالمية، وكذلك مع تدهور القدرة الشرائية والأزمة الحادة التي يعيشها المواطن التونسي في حياته اليومية. كما تناولت الانتقادات الخلفيات السياسية الإستراتيجية المتعلقة أساسًا بالتنافس الفرنسي - الأمريكي على المنطقة المغاربية.
فرنسا رائدة حقوق الإنسان: على المستوى الفرنسي، جاءت أهم الانتقادات من الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان التي أصدرت بمعية الرابطة الفرنسية لحقوق الإنسان بيانًا صحفيًّا بعنوان «تونس: نظام الجنرال بن علي ليس هو الذي وصفه الرئيس شيراك». استنكرت تصريحات الرئيس الفرنسي التي قال فيها: "إن الحق الأول للإنسان هو أن يأكل ويتداوى ويتعلم ويسكن "وأضاف" ومن وجهة النظر هذه يجب الاعتراف بأن تونس متقدمة على الكثير من البلدان في هذا الشأن". واعتبرت الجهتان المذكورتان أن مثل هذه التصريحات تشجع النظام التونسي على انتهاك الحقوق الأساسية، مؤكدتين أن حقوق الإنسان متداخلة ومترابطة ولا يمكن تجزئة الحقوق المدنية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، مشيرتين إلى أن التنمية في تونس توظف لإعطاء شرعية لانتهاكات الحقوق الأساسية.
وحول نفس هذه المعاني، تمحورت انتقادات جهات سياسية تنتمي إلى اليسار، ومن بينها موقف الحزب الاشتراكي على لسان أمينه العام فرانسوا هولاند الذي تحدث عن تصور تقريبي لحقوق الإنسان مخالف للنظرة الكونية. وكانت أشد الانتقادات من طرف حزب الخضر حيث صرحت هيلان فلوتر - نائبة الخضر في البرلمان الأوروبي وعضو وفد الاتحاد الأوروبي المغرب العربي في نفس البرلمان - بأن شيراك بتزكيته للنظام التونسي قضى في جملتين على المصداقية التي كسبتها فرنسا داخل العالم العربي خلال الحرب في العراق.
ولم يكن الاستياء من تصريحات شيراك مقصورًا على الجهات الحقوقية والسياسية، بل إن شريحة من الرأي العام الفرنسي كانت مستاءة من هذه التصريحات وتجلى ذلك من خلال رسائل الاعتذار إلى الشعب التونسي التي أرسلها فرنسيون إلى مواقع إنترنت معارضة تعمل من الخارج، كما صرح بذلك مسؤول موقع تونس... استيقظي. وقال إن هؤلاء الفرنسيين عبروا عن شعورهم بالخجل الشديد أمام النظرة التقزيمية والاحتقارية لشعب معروف بانفتاحه وتحضره. أما «صوفي»، القائمة على موقع تونيزين، فإنها ترى بأن تصريحات شيراك «توشك أن تكون شكلًا من أشكال العنصرية، لأنها تختزل حريات الآخرين في حقهم في ضرورات البقاء والعيش».
ويقول عبد الوهاب الهاني، أحد النشطين السياسيين المعارضين بالخارج والنشط في موقع تونس نيوزه: "مهما اتخذت هذه التصريحات طابعًا مجاملاتيًا، فإنها ولدت حملة كبيرة من الاحتجاج بلغت الأوساط الصحفية اليمينية، حيث فتحت صحيفة لوفيجارو القريبة من الرئاسة أعمدتها لأول مرة للمعارض التونسي المنصف المرزوقي للاحتجاج على هذه التصريحات ولرسم أسس صلبة للعلاقة الاستراتيجية بين تونس وفرنسا ومن ورائهما المنطقة المغاربية وأوروبا". كما أن المعارضة التونسية تحوز على رصيد مهم من المصداقية لدى الرأي العام والإعلام الأوروبيين على عكس سمعة النظام التونسي.
التنافس الأمريكي – الفرنسي
فيما يتعلق بالدوافع أو بالخلفيات التي تفسر تصريحات الرئيس الفرنسي، هناك اتفاق على وجود خلفية مصلحية في ظل تنافس فرنسي - أمريكي على المنطقة المغاربية. ويرى الهاني أن تصريحات شيراك تفسر بمدى التنافس الأمريكي - الفرنسي، حيث نظمت زيارة بيترسون إلى تونس قبل أسبوعين من زيارة شيراك إلى هذا البلد وعقد قمة بها. وبيترسون هو سفير سابق للولايات المتحدة في تونس من 1987 إلى 1991، وشغل خطة نائب وزير الخارجية الأمريكي المكلف بالشرق الأوسط ويترأس حاليًا نادي حنبعل بأمريكا والذي أسسته الخارجية التونسية ليقوم بالدعاية للتجربة التونسية في الأوساط السياسية الأمريكية.
بالإضافة إلى تصريح راست دايمنج السفير الأمريكي السابق بتونس، الذي قال في الصيف الماضي بالحرف الواحد: "لنا الكثير مما نتعلمه من التجربة التونسية في مكافحة الإرهاب". كما جاء القرار الأمريكي باختيار تونس لاحتضان المكتب الجهوي للمبادرة الأمريكية بـ «تنمية الديمقراطية في الوطن العربي، علمًا بأن الاهتمام الأمريكي بتونس تضاعف منذ أواسط التسعينيات من خلال برنامج تنمية المغرب العربي، الأمر الذي يؤكد توطيد العلاقات الأمريكية - التونسية. ثم كانت زيارة وزير الخارجية الأمريكي كولن باول التي صرح خلالها عشية زيارة الرئيس الفرنسي إلى تونس بأن الرئيس التونسي سيزور الولايات المتحدة في 17 فبراير القادم، مما اعتبره المراقبون صفعة لفرنسا، حيث لعبت السلطات التونسية على الخطين الأمريكي والفرنسي لإحراج الشريك الفرنسي.
ورغم حديث الرئيس الفرنسي عن وجود تكامل، وليس تنافس فرنسي - أمريكي، فإن هذا التزامن في الزيارات والتصريحات ليس بالصدفة بل تحكمه حسابات بين الطرفين. وقد أدركت فرنسا الرسالة جيدًا، حيث نزلت بثقلها لتثبت حضورها في المنطقة، فقد اصطحب شيراك خلال زيارته لتونس عدة وزراء ورجال أعمال ومستثمرين، وكرر إعجابه بالنموذج التونسي اقتصاديًّا وسياسيًّا واستعداده الكبير لتوسيع دائرة الشراكة المغاربية الأوروبية.
وتقول أم زياد وهي معارضة ومن النشطين في المجلس الوطني للحريات تعليقًا على تصريحات شيراك: إنها شهادة زور إضافية لبعض الزعماء الغربيين للنظام التونسي من أجل مصالح وتحالفات استراتيجية لا علاقة للشعب التونسي ولا للحركة الديمقراطية بها، بل إن هذه التصريحات ورطت الرئيس الفرنسي لدى الرأي العام الفرنسي الحر والمساند لقضايا الحريات.
حسابات داخلية: هناك خلفية أخرى لم تشر إليها وسائل الإعلام الفرنسية، وهي خلفية لها علاقة بقضية الساعة المثارة داخل فرنسا، وهي مسألة الحجاب في المدارس والأماكن العامة، ومعلوم أن الرئيس الفرنسي قام في خطابه مساء الأربعاء الماضي 2003/12/17 بالإعلان عن أنه سيتم إصدار قانون يمنع الرموز الدينية في البلاد. والمستهدف بالدرجة الأولى من بين هذه الرموز هو الحجاب، الأمر الذي يفسر حدة الجدل في وسائل الإعلام وحتى بين السياسيين والنخبة الفكرية بين مؤيد ومعارض لهذا المنع، خاصة أن مجلس الدولة - وهو أعلى سلطة قانونية تنظر في تطابق القوانين مع الدستور - كان قد بت في موضوع الحجاب واعتبره غير متناقض في حد ذاته مع مبادئ العلمانية، وأن المجلس الفرنسي للديانة المسلمة - الممثل لمسلمي فرنسا على مستوى العبادات - شدد على أن الحجاب فرض على المسلمة ولكن لبسه يجب أن يكون عن قناعة. فلا يفرض ولا يمنع لأنه يدخل في باب الحريات الأساسية للإنسان التي يجب احترامها وعدم التعدي عليها حسب الدستور الفرنسي والإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تعتبره فرنسا مستوحى من مبادئ الثورة الفرنسية.
وأمام هذا الحرج، يتعلل السياسيون عادة بقيام دول مسلمة بمنع الحجاب، ويتم في هذا الصدد ذكر تجربة كل من تركيا وتونس. وتبقى تونس أقرب للذهنية الفرنسية من حيث الارتباط التاريخي الاستعماري أو من حيث التقارب الجغرافي، وتوجد فيها جالية تونسية ومغاربية أكبر من الجالية التركية. ثم إن هذا البلد عربي غالبًا ما يُقدّم في الغرب على أنه نموذج في تحرير المرأة وتقدمها مقارنة ببقية البلدان العربية والإسلامية، وهي الصورة التي تسعى أجهزة الدعاية التونسية لنشرها والتعريف بها في كل المحافل الدولية، وقد تكررت هذه الرسالة حول نفس المعاني في العديد من المناسبات وفي الكثير من النشريات الصادرة خارج تونس، بشكل يثير الانتباه إلى دوافع كل هؤلاء المدافعين عن «النموذج التونسي»، بشأن العلمنة وتحرير المرأة.
وكمثال على ذلك، تزامنت زيارة شيراك إلى تونس مع حملة إعلامية واسعة في فرنسا على الحجاب في تونس قامت بها صحيفة يمينية "لا فالار أكتيل" بعنوان عريض "تونس بدون حجاب"، موزع بشكل واسع في كل فرنسا على حافلات النقل وفي محطات المترو وغيرها. وهذه الحملة لم تأت صدفة، وإنما الهدف منها تعزيز الموقف الرسمي الفرنسي بمنع الحجاب على غرار ما هو موجود في تونس. بل إن هناك من اعتبر أن نجاح فرنسا في التوصل إلى قرار بمنع الحجاب في المدارس والأماكن العامة سيعطي دفعًا جديدًا للبلدان المسلمة المترددة في تبني المنهج العلماني. تجدر الإشارة إلى أن صحيفة "لوفيجارو" اليمينية الفرنسية، أجرت حوارًا مع الرئيس التونسي بمناسبة زيارة شيراك إلى تونس، كله إشادة بالتجربة السياسية والاقتصادية التونسية، وتبع ذلك مقال بعنوان «عودة الحجاب إلى تونس» يعبر عن حيرة العلمانيين في تونس وخارجها إزاء ظاهرة الصحوة الإسلامية والحجاب والإقبال على المساجد في بلد تطبق فيه سياسة قمعية على التيار الإسلامي.
وعليه، فإن تصريحات شيراك لها أيضًا خلفيات أيديولوجية وحسابات سياسية مرتبطة بالوضع الداخلي الذي تعيشه فرنسا اليوم. ذلك أن الرئيس الفرنسي في حاجة ماسة إلى مبررات وتجارب حية لدعم قراره بمنع مظاهر التدين البارزة وأساسًا الحجاب الإسلامي.
سياسة الكيل بمكيالين
والملاحظ أن التعتيم على هذه الخلفية للسياسة الداخلية في تصريحات شيراك حول موضوع الحريات خلال زيارته لتونس مقصود لأن أغلب الجهات المنتقدة لهذه التصريحات من المعارضة اليسارية العلمانية التونسية والفرنسية متفقة حول إقصاء كل ما له بعد ديني، إلى حد التعتيم على المعارضة الإسلامية التي تنتمي إلى حركة النهضة أساسًا والتي يوجد ستمائة من قيادييها ومناضليها في السجون التونسية، بعضهم في سجن انفرادي منذ أكثر من ١٣ عامًا، بينما قامت القيامة ولم تقعد على المحامية اليسارية راضية النصراوي التي قامت بإضراب جوع احتجاجًا على الانتهاكات في حقها. وقلما اهتمت نفس الجهات الحقوقية والإعلامية والسياسية بمحنة الإسلاميين في تونس، وبإضراب الجوع الذي قامت به عائلات المساجين في تونس مساندة لأبنائهم المضربين في السجون، رغم صدور بيان في هذا الشأن باسم الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين التي يرأسها الأستاذ محمد النوري، ورغم مساندة خارجية عبر القيام بإضراب جوع من طرف منتمين لحركة النهضة بما في ذلك رئيس الحركة الأستاذ راشد الغنوشي وقيام جهات حقوقية مستقلة بالتضامن مع مأساة مساجين الرأي في تونس، وجلب انتباه الأطراف المشاركة في القمة الأوروبية المغاربية بتونس إلى حقيقة وضع الحريات في هذا البلد. ويقول عامر العريض رئيس المكتب السياسي لحركة النهضة، إن تصريحات شيراك غير مفهومة وأن الجميع يعلم أن تونس أصبحت مثالًا لانتهاكات حقوق الإنسان وتزييف هذه الانتهاكات، فكيف يغض الطرف عن هذا الأمر والحال أن العشرات من المعارضين توفوا تحت التعذيب خلال العشرية الماضية، اللهم ألا يكون له علم بذلك. ويرى فتحي الناعس المسؤول عن جمعية التضامن التونسي، بأن اليمين الفرنسي لم يعودنا على مواقف إيجابية بخصوص الإنسان في تونس.
أمام هذا السيل من الانتقادات لتصريحات شيراك حول حقوق الإنسان في تونس، سارع هذا الأخير إلى القول بأن تصريحاته لم تفهم، وأن هذا ظلم.!! وبدون شك، فإن هذا الجواب السياسي لا يغير من واقع محنة الحريات في تونس.