; شمال العراق بين زمنين | مجلة المجتمع

العنوان شمال العراق بين زمنين

الكاتب محمد صادق أمين

تاريخ النشر السبت 20-مارس-2004

مشاهدات 96

نشر في العدد 1593

نشر في الصفحة 28

السبت 20-مارس-2004

muhammadsadk@hotmail.com

لماذا دخل الأكراد ضمن قوات التحالف وساعدوا أمريكا على دخول العراق؟

المنطق الدموي الصدامي.. وضع الأكراد بين فكي الكماشة

ما بين الزمن الصدامي وزمن السقوط والتغيير، يعيش العراق حالة من التيه بكل معانيه السياسية والاقتصادية والجغرافية والاجتماعية، ونحن نفتح ملف الشمال العراقي تجدر الإشارة إلى أن التيه الجغرافي هو أحد مخلفات النظام الدكتاتوري البائد، وقبل أن تسترسل قد يتبادر إلى الذهن سؤال مهم: ما المقصود بالشمال العراقي؟ هل هو الشمال الجغرافي أم الشمال الذي يرمز إلى المدن التي تضم الغالبية الكردية من أبناء العراق الشق الأخير من السؤال هو المفهوم الدارج في الأوساط الثقافية والإعلامية بينما الشمال الجغرافي للعراق يتعدى هذا التوصيف ليشمل مدنًا ذات غالبية عربية تبدأ من صلاح الدين وسامراء وبيجي والشرقاط والقيارة، وتنتهي في الموصل، وهذه كلها مدن شمالية ذات غالبية عربية، أما المدن الكردية الأربع «دهوك أربيل السليمانية كركوك» فهي تسمى حصريًا بشمال العراق حسب التوصيف الذي اعتمده النظام الصدامي، فيما يسمي الأكراد هذه المدن بكردستان العراق، وهي الجزء الحيوي من کردستان الكبرى التي كانت قائمة في العهد الإسلامي حتى سقوط الخلافة العثمانية، إذ لم تكن المشكلة القومية قائمة لاجتماع الناس تحت الراية الإسلامية.

وخلال الفترة من ١٩١٤ - ۱۹۱۸ دخلت الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا وخسرت الحرب ثم وقعت كل من فرنسا وبريطانيا وروسيا اتفاقية سرية باسم اتفاقية سايكس بيكو في ١٦ مايو ١٩١٦ تقضي بتقسيم الدولة الإسلامية العثمانية بما فيها كردستان، وبحسب ما تقتضيه مصالح الدول الاستعمارية آنذاك قسمت كردستان إلى کردستان الجنوبية، وأصبحت ضمن خريطة العراق وباتت تعرف بكردستان العراق وکردستان الشمالية ضمن خريطة تركيا وکردستان الغربية ضمن خريطة سورية وبقيت کردستان الشرقية ضمن الخريطة الإيرانية، لأن اتفاقية سايكس بيكو لم تشمل إيران، وقد اعتبر القوميون العرب الذين جاءوا على ظهور الدبابات إلى الحكم - الأمة العربية بحدودها الجغرافية من المقدسات التي لا بد من الحفاظ عليها مهما كان الثمن. تحقيقًا لشعار «الأمة العربية الواحدة» الذي نادى به القوميون بعد سقوط الخلافة، ولهذا كان لا بد من سحق الأقليات القومية الأخرى ضمن تلك الحدود المقدسة، فسحقت الطائرات والدبابات الأكراد في مدنهم حتى وصل الأمر إلى ذروته بإبادة مدينة كاملة عام ۱۹۸۸ بالأسلحة الكيماوية، ولم يقف الأمر عند حد التطهير العسكري، بل تعداه إلى التطهير الثقافي، فيات الحديث والتعليم بالكردية جريمة، بل أصبحت الأسماء الكردية ممنوعة. كل ذلك وغيره تم تحت لافتة «الوحدة العربية» التي بشر بها القوميون مطلع القرن العشرين، وها نحن اليوم مشتتون بين قضايا قطرية ضيقة لا ترعى سوى المصالح الذاتية جدا مما جعلنا تهمل قضايا الأمة المصيرية وعلى رأسها قضية فلسطين.

الحلف الأمريكي الكردي

ما تقدم ذكره كان تمهيدًا لا بد منه لفتح ملف «کردستان شمال العراق» وللإجابة عن السؤال الحائر: لماذا دخلت القوى الكردية ضمن قوات التحالف وساعد الولايات المتحدة على دخول العراق من الشمال بعد معارك رمزية مع قوات النظام العراقي التي انسحبت سريعًا، مخلية الساحة لقوات «البيش مركه» الكردية التي مهدت الطريق لدخول القوات الأمريكية؟

إن السياسات الشيفونية الفاشلة للنظام الصدامي البعثي كانت وراء كل ما وقع من خسائر عسكرية واقتصادية، فالمشكلة الكردية لها جذورها التاريخية والسياسية في المنطقة وليست وليدة المرحلة الراهنة، وكان أولى بمن يدعي الوطنية، أيا كان انتماؤه وهويته. أن يقدم مصالح الوطن على المصالح الشخصية، وكان الأولى الوصول مع الشعب والقيادات الكردية إلى حلول وسطية تحفظ وحدة العراق وتضمن الحقوق للجميع في إطار ذلك إلا أن غلبة المنطق الدموي والاستئصالي على منطق العقل والسياسة والحوار أدت إلى اتفاق نظام صدام مع الشاه عام ۱۹۷۵ على ما يعرف باتفاقية الجزائر التي قضت بإغلاق فكي الكماشة على الأكراد من جهة إيران والعراق مقابل تنازلات عراقية مريرة على الحدود البرية وعلى الحدود البحرية في شط العرب، ولم تتمكن الاتفاقية من القضاء المبرم على الحركة الكردية، إذ سرعان ما تجددت الثورة عام ١٩٧٦ واستمرت حتى سقوط النظام البعثي في 2003/4/9.

بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران عام ۱۹۷۹ انتهى شهر العسل بين النظام العراقي وإيران لتبدأ مرحلة جديدة من الخصومة، وبعد أن عزل صدام حسين سلفه أحمد حسن البكر واحتل مكانه أعلن إلغاء اتفاقية الجزائر في 9/17/ ۱۹۸۰ ودخلت القوات العراقية إيران بحجة المطالبة بما تنازل عنه النظام في اتفاقية الجزائر، وعندئذ انتهزت القيادات الكردية هذه الحرب وقررت عدم المشاركة فيها إلى جانب صدام وأقاموا علاقات مع قيادات الثورة الإسلامية، وبعث الملا مصطفى البارزاني برقية هنا فيها الخميني بمناسبة انتصار الثورة، وفعل مثله جلال الطالباني، حيث أصبح هو الآخر يلعب دورًا كبيرًا في قيادة الحركة الكردية.

انتهت الحرب العراقية الإيرانية في 1988/7/18 وفشل نظام صدام في تحقيق أي هدف من الحرب وبقيت إيران محتفظة بما حصلت عليه من اتفاقية الجزائر، فلا صان النظام الحدود السيادية للبلد، ولا كسب الأكراد الذين يشكلون فئة كبيرة جدا من أبناء الوطن العراقي.

ولم يستفد صدام من هذا الدرس القاسي بل استمر في مغامراته الجنونية، فخلق الذرائع الغزو الكويت التي كانت من أكثر الدول العربية مساندة للعراق سياسيًا واقتصاديًا، فقابل الإحسان بالغدر والخيانة وغزا الكويت واحتلها في آب / أغسطس ۱۹۹۰، وفتح بذلك الأبواب أمام القوات الأجنبية لدخول المنطقة العربية والخليج العربي، فكانت حرب تحرير الكويت فرصة جيدة أمام القيادات الكردية لتقوية علاقاتها مع الغرب والولايات المتحدة تحديدا. وساندت حرب تحرير الكويت إعلاميًا لتدخل بعدها العلاقات الكردية الأمريكية مرحلة شهر العسل التي شهدت سقوط النظام العراقي ومازالت تلك المرحلة مستمرة.

كردستان شمال العراق.. والانفصال

بعد تحرير الكويت واستسلام النظام العراقي في خيمة صفوان انتفض الشعب العراقي ضد النظام الصدامي البعثي، حيث بدأت الثورة في الجنوب وامتدت إلى الشمال واندلعت الانتفاضة في مارس ۱۹۹۱ في أربيل ودهوك والسليمانية وكركوك وسيطر الأكراد على مجريات الأمور كما حدث ذلك في الجنوب إلا أن إدارة بوش الأب رأت أن المصالح الأمريكية تقتضي الإبقاء على صدام في هذه المرحلة فأوقفت عملياتها العسكرية مما أفسح المجال النظام صدام للقضاء على الانتفاضة، وبدأت مرحلة جديدة مظلمة من مراحل حكم النظام البعثى وقتل عشرات الآلاف في الشمال والجنوب حتى إن مدنًا بأكملها أخليت شوارعها إلا من جنت المدنيين العزل ولبشاعة الجريمة كان لا بد من تدخل دولي فأجمعت أمريكا وفرنسا وبريطانيا على تشكيل منطقة آمنة للأكراد تدار بعيدًا عن إدارة نظام صدام وفرضت منطقتي حظر الطيران في الشمال والجنوب. 

ثمن آخر لطيش صدام دفعه العراق أدى إلى الانفصال العملي للمحافظات الكردية الثلاث «أربيل دهوك السليمانية»، وبقيت كركوك- بسبب حساسية وضعها- تحت إدارة صدام وهكذا تشكلت حكومة كردية برعاية أمريكية في کردستان العراق استمرت حتى سقوط النظام واليوم يشكل الأكراد حجر الأساس في مجلس الحكم الانتقالي الذي عينه الاحتلال الإدارة المرحلة الانتقالية. والسؤال ما زال قائمًا.

هل سيسعى الأكراد للانفصال عن العراق؟

السياسيون الأكراد يقولون: نحن عمليًا كنا منفصلين عن العراق إلى حين سقوط النظام، وبعد سقوطه عدنا للحمة مع الأطياف العراقية باختيارنا لتشكيل مستقبل العراق الجديد بشرط أن تصان حقوق الأكراد ضمن العراق الموحد ولا تصان حقوقهم إلا من خلال تطبيق مبدأ الفيدرالية الذي لا تنازل ولا حياد عنه، ولهذا تقدم ممثلو الأكراد الخمسة في مجلس الحكم بمشروع قانون ينص على إنشاء اتحاد فيدرالي في العراق بحيث تضم فيه كركوك إلى المنطقة الكردية، وكان هذا المشروع قد تبناه البرلمان الكردي، ويقضي بأن تتألف من المناطق ذات الغالبية الكردية حسب إحصاء ١٩٥٧ للسكان وتشمل دهوك وأربيل والسليمانية وكركوك وأنحاء من مدينة ديالى التي تقع شمال بغداد وتبعد عنها ٦٦ كم وأنحاء من مدينة الموصل «٤٠٠ كم شمال بغداد» ويؤكد الخطاب الكردي أن الفيدرالية مطلب لإحقاق الحقوق الكردية ولتعزيز الوحدة العراقية.

ويرى المعارضون للفيدرالية أنها خطوة أولى في طريق الانفصال على الرغم من أن القيادات الكردية السياسية تؤكد وحدة العراق إلا أننا لا تستطيع تجاهل مطلب الشارع الكردي والوسط الثقافي القومي العلماني الذي يرى الانفصال وقيام الدولة الكردية حقًا طبيعيًا وتاريخيًا ومنطقيًا للشعب الكردي..

الرابط المختصر :