العنوان شكرًا لله.. انظروا من هو أسفل منكم
الكاتب عبد الله بن عبد الرحمن السند
تاريخ النشر الثلاثاء 04-سبتمبر-1973
مشاهدات 83
نشر في العدد 166
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 04-سبتمبر-1973
شكرًا لله
انظروا من هو أسفل منكم
عن أبي هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «انظروا من هو أسفل منكم، ولا تنظروا من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم» (متفق عليه) يا لها من وصية نافعة شافية فهذا يدل على الحث على شكر الله بالاعتراف بنعمه، والتحدث بها، والاستعانة بها على طاعة النعم وفعل جميع الأسباب المعينة على الشكر لله، هو رأس العبادة، وأصل الخير وواجبه على العباد.. فإنه ما بالعباد من نعمة ظاهرة، ولا باطنة خاصة، وعامة إلا من الله، وهو الذي يأتي بالخير والحسنات، ويدفع السوء والسيئات، فيستحق أن يَبذُلَ له العباد من الشكر ما تصل إليه قِواهم وعلى العبد أن يسعى بكل وسيلة توصله وتعينه على الشكر، وقد أرشد صلى الله عليه وسلم إلى هذا الدواء العجيب، والسبب القوي لشكر نعم الله، وهو أن يلحظ العبد في كل وقت من هو دونه في العقل، والنسب، والمال، وأصناف النعم فمتى استدام هذا النظر اضطر إلى كثرة شكر ربه، والثناء عليه، فإنه لا يزال يرى خلقًا كثيرًا دونه بدرجات في هذه الأوصاف، ويتمنى كثير منهم أن يصل إلى قريب مما أوتيه من عافية، ومال، ورزق، وخَلْقٍ وخُلُق، فيحمد الله على ذلك حمدًا كثيرًا ويقول الحمد لله الذي أنعم عليَّ وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلًا.
ينظر إلى خلق كثير ممن سُلبوا عقولهم؛ فيحمد ربه على كمال العقل، ويشاهد عالمًا كثيرًا ليس لهم قوت مدخر، ولا مساكن يأوون إليها، وهو مطمئن في مسكنه موسع عليه رزقه.
ويرى خلقًا كثيرًا قد ابتلوا بأنواع الأمراض، وأصناف الأسقام وهو معافى من ذلك متمتعًا بالصحة التَّامة، ويشاهد خلقًا كثيرًا قد ابتلوا ببلاء أفظع من ذلك بانحراف الدين، والوقوع في قاذورات المعاصي، والله قد حفظه منها، أو من كتير منها.
ويتأمل أناسًا كثيرين قد استولى عليهم الهم، وملكهم الحزن، والوساوس، وضيق الصدر، ثم ينظر إلى عافيته من هذا الداء، ومنة الله عليه براحة القلب، حتى ربما كان فقيرًا يفوق بهذه النعمة القناعة وراحة القلب كثيرًا من الأغنياء .
ثم من ابتلى بشيء من هذه الأمور يجد عالمًا كثيرًا أعظم منه، وأشد مصيبة فيحمد الله على وجود العافية، وعلى تخفيف البلاء، فإنه ما من مكروه إلا ويوجد مكروه أعظم منه، فمن وُفِّقَ للاهتداء بهذا الهدي الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل شكره في قوة ونمو، ولم تزل نعم الله عليه تترى وتتوالى .
ومن عكس القضية فارتفع نظره، وصار ينظر إلى من هو فوقه في العافية، والمال، والرزق، وتوابع ذلك أنه لا بد أن يزدري نعمة الله، ويفقد شكره، ومتى فقدَ الشكر ترحَّلت عنه النعم، وتسابقت إليه النقم، وامتحن بالغم الملازم، والحزن الدائم، والتسخط لما هو فيه من الخير، وعدم الرضى بالله ربًّا ومدبرًا، وذلك ضرر في الدين والدنيا وخسران مبين.
واعلم من تفكر في كثرة نعم الله الظاهرة، والباطنة، وأن لا وسيلة إليها إلا محض فضل الله وإحسانه، وأن نعمة واحدة من نعم الله لا يقدر العبد على إحصائها وتعدادها.
ولما كان على الشكر مدرار الخير، وعنوانه قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: «إني أحبك فلا تدعن أن تقول دبر كل صلاة مكتوبة اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك»، وكان يقول صلى الله عليه وسلم «اللهم اجعلني لك شكَّارًا لك ذكَّارًا»، «اللهم اجعلني أُعظِّم شكرك، وأُكثر ذكرك، وأتبع نصحك، وأحفظ وصيتك» وقد اعترف أعظم الشاكرين بالعجز عن شكر نعم الله فقال صلى الله عليه وسلم .. «لا أحصى ثناءً عليك، كما أثنيت على نفسك»، فالحمد لله وحده والشكر له على نعمه والثناء عليه بما هو أهله؛ وما شكره وحمده إلا بقيام كل عضو بوظيفته، فاللسان يتكلم بالحق، والأذن تسمع الخير، واليد تمد الناس بالمعونة، وتكون عاملةً لا عاطله، شكره وحمده؛ أن تكون لأوامره متمثلًا ولنواهيه مجتنبًا، وشكره وحمده؛ أن تسعى في إصلاح نفسك، و أهلك، وقومك، وأن لا تدع خيرًا تستطيعه للناس إلا قدمته، ولا شرًا تقدر على دفعه عنهم إلا دفعته، هذا هو حمد الله وشكره الحقيقي لا أن تقول كلمات بلسانك ليس لها دليل من أعمالك والله الموفق.
عبد الله بن عبد الرحمن آل سند
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل