العنوان شعراء الدعوة الإسلامية في العصر الحديث.. الشهيد محمد محمود الزبيري
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-نوفمبر-1974
مشاهدات 73
نشر في العدد 225
نشر في الصفحة 15
الثلاثاء 12-نوفمبر-1974
شاعر من اليمن
ولد ونشأ في صنعاء العاصمة اليمنية العريقة، وبها بدأ تعلمه وتأثر تأثرًا كبيرًا بتعاليم الصوفية ونعم بها كما لم ينعم بشيء آخر، كما قال، ومال إلى الأدب فدرسه حتى تمكن من نفسه فهام به أي هيام.
وقبل نشوب الحرب العالمية الثانية انتقل إلى مصر ليتم تعلمه، فالتحق بدار العلوم في القاهرة، وقبل أن يتم دراسته فيها عاد إلى اليمن عام ١٩٤١م وكانت الأوضاع في اليمن متردية، استشرى فيها الفقر والمرض، ولم يقم الحكام بواجباتهم نحو مكافحة هذين البلاءين، وقد زاد الأمور ضغثا على إبالة انتشار الجهل وانتصار حكام اليمن له، بل وقفوا في سبيل كل دعوة من أجل نشر أنوار العلوم في ربوع اليمن، لذا اتسعت الشقة بين الشعب وحكامه، وترصد كل منهما الآخر، وكان لابد للزبيري الذي شدا في العلم شوطا واطلع على ما في العالم العربي خارج اليمن من نهضة علمية أن يسعى إلى إقناع الحكام بالسماح لهذا الشعب المسكين أن ينطلق من القيود التي كبل بها، وقد بذل كل ما في وسعه لتحقيق هدفه، فمدح الأئمة وأبناءهم وصانعهم ولا ينهم ولكن بدون جدوى، فقد تمكنت في نفوسهم عقيدة راسخة بأن هذا الشعب لا يحكم إلا بالحديد والنار!
ولما فشل الزبيري في مساعيه ضاق بالإقامة في اليمن- السجن الكبير كما دعاه- فارتحل إلى عدن لعله يستطيع أن ينطلق منها لتحقيق الرفاه لقومه، فعمل على بث روح التضحية في الشعب اليمني عن طريق صحيفته التي أصدرها في عدن باسم «صوت اليمن» واختاره اليمنيون المقيمون في عدن رئيسًا للاتحاد اليمني وأسلموا له راية الكفاح.
وبقي يتابع جهاده في عدن، رغم مضايقات الإنجليز، إلى أن قامت الثورة الأولى بقيادة ابن الوزير عام ١٩٤٨م، فقتل الإمام يحيى حميد الدين وعدد من أولاده، وسارع الزبيري إلى اليمن، فعين وزيرًا للمعارف، ولكن هذه الثورة لم تدم أكثر من شهر فقضى عليها نجل الإمام المصروع أحمد وأصبح إماما لليمن، وفر الزبيري من اليمن بعد أن أفلتت من يده الفرصة الذهبية لتحقيق أمانيه وتلفت يمنة ويسرة يبحث عن ملجأ، فوجد أن خير ملجأ له أولئك المسلمون في القارة الهندية، فلقي من لدنهم كل تكريم، وشهد أثناء وجوده هناك تحقيق أمل المسلمين في القارة الهندية في قيام دولة باكستان، ففاضت مشاعره وألقى غررا من قصائده في هذه المناسبة الخالدة، وعاش في ظل دولة باكستان مكرما يشارك في بنائها ويشدو بقصائده من خلال مذياعها.
وبقي في باكستان إلى سنة ١٩٥٢، عندما سمع بقيام الثورة المصرية، واستبشر الزبيري خيرا بهذه الثورة لما رافقها من سمات إسلامية في بدايتها، فأسرع إلى مصر فرحا بالثورة آملًا في مساعدة الثائرين لليمن لعله يرى النور الذي رأته مصر، وما كان يدري آنذاك ما خبأته الأقدار لليمن على يد هذه الثورة!
وقام الثلايا بثورتـــــــه الإصلاحية سنة ١٩٥٥م والزبيري بمصر، ولكن الثورة فشلت قبل أن يسهم فيهــــا بشيء، وعاد الحكام اليمنيون أكثر قسوة وأكثر تصميما على منهجهم في الحكم، واستمر الزبيري في مصر يدعو لإنصاف شعب اليمن ويشارك في جميع القضايا العربية والإسلامية بجهده وشعره، فلم تمر قضية إلا وكان له فيها جهد، ولم يدع للبذل إلا كان إليه أسرع من سهم الرامي.
ويئس رفاقه في الكفاح، وظل الأمل يحدوه، بل إن إيمانه بخلاص شعبه من ظلم الظالمين لم يتزعزع وقامت ثورة ١٩٦٢م بقيادة عبد الله السلال الذي استدعى الزبيري من القاهرة وسلمه وزارة المعارف، ولكن الرياح لم تجر كما شاء لها وقدر، فانتكست الثورة بحرب أهلية مريرة لم يشهد تاريخ العرب لها مثيلا، فترك الزبيري الوزارة وأفرغ جهده في إصلاح ما أفسده المفسدون فزار القبائل وعرض نفسه للقتل مرارًا، ودعا إلى الوفاق والصلح وحقن الدماء، وظل يرفع دعوة الصلح والإصلاح مدة حياته الباقية.
لقد أدرك، رحمه الله، أن الدعوة الفردية لا تجدي وأن لابد من تنظيم يتبنى نظامًا معينًا يطرحه على الشعب اليمني يكون بديلًا لكل هذه الدعوات التي أغرقته في بحار من الدماء، ولم يكن الزبيري ليعدل بالإسلام نظاما، فقد عاش حياته يؤمن بأن لا سعادة للمسلمين إلا بالإسلام فسارع إلى إنشاء حزبه الذي دعاه «حزب الله»، والتف حوله خيرة الرجال في اليمن، وانطلقت دعوته تجوب آفاق اليمن فتلقى المجيبين الملبين، وبدأ بحملة واسعة في أرجاء اليمن يخطب في الجماهير داعيا إلى ما آمن به، وانتهى به المطاف إلى مدينة «برض»، ووقف هناك يعلن مبادئ حزبه فانطلقت رصاصات الغدر تخترق قلبه المؤمن، فسقط شهيدًا على تراب اليمن التي وهبها حياته. وفي هذا اليوم الأول من نيسان ١٩٦٥م صمت الصوت الذي هز اليمن بأجمعها، هز المخلصين فسارعوا إليه يجيبون دعوته، وانضموا إلى حزبه، وهز الحاقدين والمنتفعين والملحدين والمستعمرين فسارعوا إلــــــــى إخراج حقدهم برصاصات استقرت في القلب الكبير.
من قتل الزبيري؟ لماذا لم يلق القبض على القتلة؟ لماذا أهمل التحقيق في الحادث؟ لماذا ولماذا إجابات هذه الأسئلة ستبقى مطوية إلى أن يأتي الزمن الذي ينشرها وينشر مثيلات لها في أرجاء الوطن الإسلامي الكبير!!
آثاره:
الزبيري شاعر، بل أمير شعراء اليمن الحديث دون منازع، ولكنه للأسف لم يهتم بتسجيل شعره وجمعه في قراطيس، وعندما ألح عليه عشاق شعره بطبع إنتاجه جمع جزءا من شعره ونشره سنة 1962 م تحت عنوان «ثورة الشعر» ثم جمع أجزاء أخرى وطبعت سنة ١٩٦٤م تحت عنوان «صلاة في الجحيم».
وللزبيري آثار نثرية علاوة على ديوانيه، اهتم فيها بالسياسة في العالم العربي وخاصة ما كان منها متعلقا باليمن، فطبع له مؤلفات منها: «الخدعة الكبرى في السياسة العربية» و(مأساة واق الواق).
شاعريته:
الزبيري شاعر مطبوع، تعشق الأدب منذ يفاعته، وقال الشعر منذ صباه، تأثر بالشعراء القدامى ونسج على منوالهم، فلم يحد عن النظم العربي الأصيل ولم يتأثر بدعاوى الشعر الحديث.
وللإسلام ومفاهيمه تأثير واضح عليه، فقد نشأ كما أسلفنا نشأة دينية صوفية فلا عجب أن نرى تأثره بالقرآن والحديث والمفاهيم الإسلامية الصحيحة واضحا في شعره.
فمن شعره الذي نلحظ فيه تأثره بالقرآن الكريم قوله مخاطبا شباب اليمن:
جودوا بأنفسكم للحق، واتحدوا
في حزبه، وثقوا بالله واعتصموا
ولنستمع إليه يتحدث عن السجان مستعملًا ألفاظًا قرآنية:
أذيقه الموت من شعر اسجره
أشد من موت عزريل قوافيه
يؤزره في اللظى غمزي ويذهله
عن الجحيم وما فيه ومن فيه
أما عن تأثره بالحديث الشريف فنجده واضحا في قوله:
إن العروبة جسم إن يئن به
عضو تداعت له الأعضاء تنتقم
أن يضطهد بعضه فالكل مضطهد
أو يهتضم جزؤه فالكل مهتضم
ونجد تأثره بالمفاهيم والتعبيرات الإسلامية في تفهمه الرائع للقدر:
ونعلم أن القضا واقع
وأن الأمور بأسبابها
وفي البيت التالي لفتة رائعة لعباد الأوثان، أحجارها والأناس
وسيندم المتزلفون ندامة
الوثني يوم تحطم الأصنام!!
موقفه من القضايا الإسلامية:
لقد عاصر شاعرنا العهد المظلم في البلاد الإسلامية، وشاهد بعض الانتقاضات وبعض الانتكاسات، كما أدرك ما يحاك ضد هذه الأمة من مؤامرات، فأعلن رأيه وصدع بكلمة الحق، فساهم في قضايا كثيرة، كقضية فلسطين والباكستان إلى جانب قضية بلاده اليمن، ودعا إلى الوحدة العربية، وإلى الوحدة الإسلامية.
ولقد أدرك القضية الفلسطينية وتفهمها تفهما تاما، وأدرك ما يدبره الإنجليز من مؤامرات ودسائس وما يضمرونه من غدر، كما أدرك سيطرة يهود على السياسة الإنجليزية.
فعندما أصدر الإنجليز الكتاب الأبيض عن فلسطين بناء على إلحاح من الزعماء العرب؟! قال الشاعر قصيدته «في سبيل فلسطين»، ويكفي أن نذكر منها هذا البيت لنعرف مدى ما كان يتمتع به شاعرنا من إدراك للموقف:
نری مخالبه في جرح أمتنا
تدمى، ونسعى إليه اليوم نختصم
وعن سيطرة يهود على السياسة الإنجليزية يقول مخاطبا الإنجليز:
أضحى اليهود صليبا تعبدونهم
دون الصليب، وإن كانوا العبيد هم
فلا برحتم عبيدا لليهود، ولا
زالت سیاستكم بالذل تنهزم
أما عن الوحدة العربية فقد كان من أشد أنصارها، ولكنه أدرك أن وحدة يقوم بها زعماء لا يمثلون شعوبهم لن يقدر لها النجاح، وأن وحدة لا تؤيدها الشعوب لا شك فاشلة:
أولم يروا أنا نحاول وحدة
عربية علياء ذات عماد
لن ينجح الزعماء في تأليفها
حتى تؤيدهم يد الأفراد
وهو يهيب بالأمة الإسلامية أن تعود ثانية لقيادة العالم، فهي الجديرة وحدها بما أوتيت من مبادئ بهذه القيادة.
الرابط المختصر :