; شعب مصر يواجه أفعوان الفساد | مجلة المجتمع

العنوان شعب مصر يواجه أفعوان الفساد

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 04-مارس-1986

مشاهدات 59

نشر في العدد 757

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 04-مارس-1986

الانتفاضة تدمر أوكار الفساد

الأحداث العنيفة الثي تشهدها مصر منذ بوم الثلاثاء الماضي وحتى كتابة هذه السطور وربما لأيام أخرى قادمة تشير إلى  أن هناك انتفاضة جماهيرية عارمة ذات أهداف سياسية واقتصادية واجتماعية ودينية وأنها ليست مجرد احتجاج على قرار حكومي بمد الخدمة لقوات الأمن المركزي لسنة أخري.

ومن متابعة مجريات الأمور في مصر الشقيقة والحبيبة نلاحظ رغم التعتيم أن هذه الانتفاضة تختلف عن الانتفاضات السابقة للشعب المصري من عدة وجوه:

  • أن القائمين على هذه الانتفاضة أو الذين فجروها في الأساس هم قوات الأمن المركزي هذه القوات التي أنشأها عبدالناصر عام ‎١٩٦٩‏ باستشارة ألمانية وبإشراف وزير الداخلية المصري في ذلك الحين شعراوي جمعة، وهي قوات من الشرطة ولكنها أقرب في تدريبها وتسليحها إلى الجيش، و يبلغ تعدادها حوالي ‎«120»‏ ألف يتمركزون في القاهرة والجيزة والإسكندرية ولهم مراكز في كافة المحافظات، ومهمتهم منذ إنشائهم التصدي للانتفاضات الجماهيرية وحراسة المنشآت الحكومية.
  • ولم تكن هذه القوات وحدها صانعة الانتفاضة بل إن جماهير الشعب الأعزل شارك فيها وقام بحرق عدد كبير من أوكار الفساد وعلب الليل المنتشرة في شارع الهرم بالإضافة الى حرق مساكن الدبلوماسيين اليهود والامريكان واستراحات النظام.
  • لم تكن هذه الانتفاضة قاصرة على منطقة دون أخرى بل انها انتفاضة شاملة لكل انحاء مصر مع التركيز على محافظات القاهرة والجيزة والقليوبية واسيوط وسوهاج والاسماعيلية والاسكندرية.
  • تدمير وحرق عدد من الفنادق الكبرى منها فندق هوليدي ان الذي سوي بالأرض وفندق جولي قيل وفندق مينا هاوس الذي جرت فيه مباحثات الصلح الأولى مع اليهود، وفي اليوم التالي جرى إحراق مزيد من الفنادق منها فندق اثياب وأتون وفاندوم بالإضافة إلى تدمير وحرق أوبرج الأهرام وكازينو الليل وعدد من ملاهي السكر والفساد المنتشرة في شارع الهرم، كتعبير عن رفض الشعب لكل مظاهر الانحلال والكفر والصلح مع الكيان اليهودي الغاصب لفلسطين، وحماته الأمريكان.
  • الاحتجاج على مظاهر البذخ التي يتمتع بها قلة من المصريين الذين اقتربوا من السلطة فآثروا أو الذين أتاح لهم عصر الانفتاح الساداتي النهب والسلب فآثروا على حساب الشعب وتحول بعضهم من شيالين أو مخلصين للبضاعة في الموانئ إلى أصحاب ملايين بينما راتب العنصر من قوات الأمن المركزي لا يتعدى اثني عشر جنيهًا وهو مالا يكفي أن يكون «بقشيشًا» في ليلة ماجنة في أحد ملاهي شارع الهرم.
  • إن الهتافات التي رددتها الجماهير الغاضبة سواء من قوات الأمن المركزي أو‏ من المدنيين تكشف عن طبيعة هذه الانتفاضة وأسبابها، فقد جاء في هذه الانتفاضات حسب أقوال شهود العيان:

- انتوا بتاكلوا لحمة وفراخ واحنا بناكل خبز حاف.

- بالطول بالعرض.. رشدي حنجيبوا الأرض.

وتعالت أصواتهم بتمجيد الشهيد سليمان خاطر قاتل اليهود السبعة الذي وجد مقتولًا في المستشفى العسكري بالقاهرة في ظروف غامضة بينما كان المشير أبو غزاله داخل المستشفى.

  • إن إعلان حظر التجول لأول مرة بعد أحداث ١٨-١٩‏ يناير ‎١٩٧٧‏ في عهد السادات يشير إلى خطورة هذه الانتفاضة التي استخدمت فيها قوات الأمن المركزي المدافع والقنابل والمتفجرات وحتى طائرات الهليوكبتر مما استدعي إنزال فرق كاملة من الجيش والقوات الخاصة و ‎١٥٠٠‏ دبابة بقيادة المشيرأبو غزاله مباشرة لإجهاض الانتفاضة.

وإذا كانت هناك نتائج أولية لهذه الانتفاضة الجماهيرية العارمة فهي سقوط أحمد رشدي وزير الداخلية وتعيين اللواء بدر زكي محافظ أسيوط مكانه، ولعل هذه الخطوة من قبل السلطة جاءت لتهدئة خواطر الجماهير الثائرة وامتصاص نقمتها عن طريق إبعاد أحد رموز السلطة المكروهين من قبل الشعب.

وإذا كان لنا أن نستخلص النتائج فإننا نقول إن الشعب المصري المسلم الذي حاولت قوى الشر في الداخل والخارج سلخه عن هويته الإسلامية وانتمائه وتدجينه ليقبل الصلح مع اليهود«ويطبع» علاقاته معهم ويرتمي في حضن الولايات المتحدة لإنقاذه من الفقر والجوع والمعاناة الناتجة -حسب زعمهم- عن استمرار عدائه «لإسرائيل» إن كل هذه المحاولات قد تبددت وتطايرت مع تطاير الدخان المنبعث من فنادق الدرجة الأولى في منطقة الهرم، سواء كانت برأس مال أمريكي أو سويسري أو رأس مال مصري كويتي كالحال في فندق الفاندوم .

ولم تلبث النيران أن التهمت تلك الأسماء النشاز «الباريزيانا،  باراداي، الأريزونا» والأسماء التاريخية التي استعملت في غير موضعها «كالأندلس» وانطلقت أيادي الشعب الجائع تبحث عن الأرز والعدس المختفي من الأسواق والمكدس في مخازن هذه الملاهي والفنادق للسائحين الباحثين عن المتعة الحرام والأثرياء الماجنين البعيدين عن آلام الشعب وآماله.

  • إن اقتحام السجون المحصنة لمنطقة ليمان طره والإفراج عن عدد كبير من نزلائها وكثير منهم سياسيون وأكثرهم من الإسلاميين.

إن هذا الاقتحام له دلالته يا من أعدمتم الشهيد خالد الإسلامبولي و يا من اغتلتم الشهيد سليمان خاطر.

  • ‎ وإن الشعب المصري الذي أخرج هذه البطولات وصنع هذه الانتفاضات لقادر على استمرار النضال والجهاد حتى يعود إلى مصر بل وإلى العرب جميعًا وجههم الذي تغير وضميرهم الذي تجمد وإرادتهم التي شلت.
  • ‎‏ إن سقوط وزير الداخلية المصري لا يكفي فهناك وزراء ومتنفذون في السلطة أكثر منه سوءً، وإن أحزاب المعارضة ذات الموقف المائع لا بد أن تحدد موقفها مع الشعب ‎أم‏ ضده وأن تدمير أوكار الفساد ليس خسارة اقتصادية بل هو ربح معنوي ومادي كبير إن أدركت هذه الأحزاب أن صلاح الأوطان من صلاح الإنسان.

نقول لكل المحققين والقضاة الذين أوكلت إليهم مهمة التحقيق والحكم على من ألقى القبض عليهم من الجماهير الغاضبة، نقول لهم: لا تزيفوا الحقائق وتتجاهلوا الأسباب التي دفعت هؤلاء إلى الثورة، ولا تتصوروا مظلومًا يغمض له جفن على هوان. إن الشعب المصري الصبور هادر حين يثور، وعلى أولياء الأمور الذين يبحثون عن الاستقرار أن يعالجوا الجذور وألا يكتفوا بمعالجة القشور.

‏ربما يحدث تغيير وزاري، ولكن هذا لا يكفي، ربما يهمس هامس في أذن الحاكم.. قيدوا الحريات النسبية الممنوحة للشعب، وتلك هي‏ الطامة الكبرى. إن الشعب المصري بعد أن خرج من سجن عبدالناصر الرهيب وبعد أن قضى على السادات وما صاحبه من ألاعيب لا يمكن أن يقبل بعد اليوم أن يقهر وأن تزيف إرادته من جديد إن الجيش المصري لم ينشأ أصلًا لينزل في شوارع القاهرة بدباباته يتصدى لقوى الأمن الداخلي فمهمة الجيش هي حماية الوطن وليس قهر المواطن. لقد أدرك جنود الأمن المركزي أنهم حينما يخيرون بين الولاء للسلطة والولاء للأمة فإن عليهم اختيار الولاء للأمة، ولعل هناك عناصر كثيرة في الجيش تدرك اليوم أن حركة الجماهير المصرية ومعها قوات الشرطة والأمن المركزي هي شأن داخلي وعلى الجيش أن يحمي هذه الحركة الجماهيرية بحماية الوطن من أعدائه الحقيقيين خارج الحدود.

نحن نتوقع تغييرًا في مصر في تجاه الأصالة التي عرف بها شعب مصر وإذا كانت هذه الانتفاضة ما هي إلا تعبير عن رغبة الشعب كله، فهي أيضًا خطوة على الطريق وعلى الذين تصوروا أن هذه الأمة قد ذهب ريحها أن يعودوا إلى رشدهم.

الرابط المختصر :