العنوان شعاع من القلب ... حوار منقوص
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 31-أكتوبر-2000
مشاهدات 64
نشر في العدد 1424
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 31-أكتوبر-2000
إن صلح القلب صلحت الجوارح والأعمال، وسلمت الحياة من العطب، فالقلب موضع نظر الرحمن، وهو العضو الذي ينبغي أن يوجه إليه كل اهتمام، وإذا التقت القلوب على أمر واتفقت عليه قامت بينها موجات أثيرية تكشف الطريق أمام جموع المؤمنين وجماهير الموحدين.
للكلمة الصادقة أثرها الكبير في المخاطبين، فهي تدفعهم إلى الشجار والاختصام والحرب -أحيانًا- أو تدفعهم إلى الرضا والوئام والائتلاف، إنها إظهار لمخبوء النفس، ومكنون القلب وصدق الشاعر حين قال:
إن الكلام لفي الفؤاد، وإنما *** جُعل اللسان على الفؤاد دليلًا
على أن هناك فرقًا عظيمًا بين كلمة تلقى كأمر عسكري لا مجال لمناقشته أو تأخير تنفيذه عن وقته، وبين كلمة تقال يمكن مناقشتها والرد عليها وبيان صدقها أو زيفها، وأثرها ورد فعلها لدى الآخرين، ثم الاتفاق بعد ذلك على كلمة سواء، ينفذ مضمونها، ويرضى بها الجميع، ومن هنا تكون أهمية الحوار بين الأفراد والجماعات والأمم لتحقيق أكبر قدر ممكن من الوفاق المشترك.
وانظر في أكبر المؤسسات الدولية العالمية «هيئة الأمم المتحدة» لترى أنها لا تقوم إلا على الكلمة، سواء صحبتها القوة أم لم تصحبها، ثم انظر في أصغر مؤسسة وأقدمها وهي مؤسسة الأسرة لترى كذلك أنها تقوم على الكلمة، وبين أكبر المؤسسات وأصغرها، مؤسسات كثيرة تقوم على الحوار الواعي حينًا، أو تقوم على التسلط والقهر حينًا آخر.
والحركات الإسلامية في بلاد الإسلام تعتبر مؤسسات غير صغيرة ولا هي قليلة، وهي بحمد الله لا تقوم على التسلط وفرض الكلمة، ولكنها تفتقر إلى الحوار الجاد البناء بين أفرادها أولًا، وبينها وبين الجماعات الأخرى ثانيًا، ثم بينها وبين المؤسسات والهيئات الأخرى وعلى رأسها مؤسسات الحكم ثالثًا، وإن كانت هذه تصد وتعرض.
فحوار الأفراد ليس -دائمًا- يتم على النحو المرضي، لأن الأفراد تربوا على السمع والطاعة، وهذه سمة حسنة وميزة تحسب للجماعة وللأفراد معًا باعتبارهم جميعًا جنودًا للإسلام، ومن شأن الجندي أن يكون سامعًا مطيعًا، ولكن أي طاعة؟ إن الطاعة في الإسلام طاعة بصيرة لا غبش فيها ولا تعمية حولها، وقد حددها رسول الله rفي قوله: «إنما الطاعة في المعروف» (صحيح البخاري -كتاب الأحكام)، وفي مأثور القول: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق». والطاعة البصيرة في كثير من الحالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وبعض الحالات العسكرية لا تقوم إلا على الحوار، وباستثناء بعض الجوانب السياسية التي يطلق عليها «السياسة العليا للدولة»، فإن كل عمل آخر في أي جانب من جوانب الحياة يكون منشؤه الحوار الذي تقوم جوانب الحياة كلها عليه للوصول لأحسن النتائج وأطيب الثمرات في أقل الأوقات بجهد قليل كلما أمكن ذلك، وهذا الحوار يتم في كثير من مؤسسات الدولة قبل اتخاذ قرار أو سن قانون أو الإقدام على بعض الأمور المهمة، وهذا ما يجب أن يكون حتى وإن اختلف مع الواقع -أحيانًا- فهل يتم الحوار في الحركات الإسلامية على هذا النمط؟ وهل يقوم حوار جاد بين الأفراد فيما يخصهم ويتصل بهم؟ ثم هل هناك حوار جاد بين بعض الحركات الإسلامية وبعضها الآخر يمكن أن يؤدي إلى التئام الصفوف، والاتفاق على تحديد أولويات الأهداف أو على الأقل إزالة الخلافات التي بينها، والتوقف عن إثارة الحزازات، وتبادل الاتهامات، ومحاولة الكشف عن العيوب والمثالب، ورؤية نصف الكوب الفارغ، وعدم رؤية النصف المليء؟
ثم إن الحوار قد يكون مفقودًا بين أصحاب المشروع الإسلامي وبين غيرهم من المؤسسات والهيئات الأخرى، وهذا أحد أسباب سوء الفهم بين الطرفين، مما يتسبب في أضرار تلحق الطرفين معًا، ومن الممكن تلاشيها لو كان هناك حوار، فقد يكون الحوار سببًا في توضيح غامض، وإزالة لبس، ومحو شك، ومنع ضربة مفاجئة، أو نقمة مؤجلة.
فلماذا لم يقم حوار بين الطرفين؟ قد لا تكون أسباب ذلك تعود بالدرجة الأولى إلى الحركة الإسلامية، لكنها بغير شك تتحمل شيئًا من وزر افتقاد الحوار، وضياع التقارب الذي يفيد الأمة والحركة على السواء.
إن الحوار سمة أصيلة في الإسلام حتى بين الجيوش المتحاربة، فقد كان الجيش الإسلامي يدعو الآخرين قبل أن يحاربهم إلى إحدى ثلاث: الإسلام أو الجزية أو الحرب، فهل كانت تتم هذه الدعوةوهذا البلاغ دون حوار؟
ومن الثابت تاريخيًّا أن رستم قائد الجيوش الفارسية أمام العرب طلب من الجيش الإسلامي أن يرسل إليه من يحاوره، فأرسل إليه ثلاثة كل واحد يأتيه بعد الآخر، وكان منهم ربعي بن عامر في قصته المشهورة وقوله المأثور، فإذا كان الحوار يتم بين الأعداء المتحاربين فلماذا لا يوجد بين المتوادين المتراحمين؟
وفي النهاية، لماذا غاب الحوار أو ضعف مع ما له من أهمية في الحياة؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل