; شعاع من القلب ... الحاجة إلى عمل جاد | مجلة المجتمع

العنوان شعاع من القلب ... الحاجة إلى عمل جاد

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 30-مايو-2000

مشاهدات 76

نشر في العدد 1402

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 30-مايو-2000

إن صلح القلب صلحت  الجوارح والأعمال، وسلمت  الحياة من العطب، فالقلب موضع نظر الرحمن، وهو العضو الذي ينبغي أن يوجه إليه كل اهتمام، وإذا التقت القلوب على أمر واتفقت عليه قامت بينها موجات أثيرية تكشف الطريق أمام جموع المؤمنين وجماهير الموحدين.

الحاجة إلى عمل جاد

أهمية الصدق والإخلاص في بناء المجتمعات:

أساس بناء المجتمعات القوية هو الشعور بالمسئولية، لأنه الدافع إلى العمل الجاد، والواقي من الإهمال والتسيب.

وعماد المسئولية يستند إلى الصدق والإخلاص فهما ركيزة كل بناء يتوخاه أبناء المجتمع، ليخرجوا من دائرة التخلف والتعثر إلى طريق التقدم والنهوض وخير النماذج وأعلاها وأوفاها في هذا المجال هو المجتمع الإسلامي في المدينة، الذي كان كل فرد فيه حارسًا يقظًا أمينًا، يعمل على حمايته من الداخل والخارج، ويعمل على أن يضع كل يوم في بنائه لبنة جديدة، وإضافة مبدعة دون أن يطلب على ذلك من أحد جزاءً ولا شكورًا إلا من الله وحده.

الإثارة والمظهرية:

ميزان الصدق والإخلاص هو الذي توزن به أعمال الرجال وليس ميزان الإثارة والمظهرية، ورغم معرفة الناس بهذه الحقيقة إلا أنهم يؤثرون الإثارة والمظهرية على غيرها، لقد استشرى داء الإثارة والمظهرية بحيث لم تعد هناك مشكلة صغيرة ولا كبيرة إلا وللإثارة فيها نصيب وللمظهرية منها حظ غير قليل، ولم يعد هناك قادر على الكلام باللسان أو على الكتابة بالقلم إلا وهو يستخدم أسلوب الإثارة والمظهرية ليجذب أنظار الناس وأسماعهم ويشير الناس إليه بالبنان. 

فخطيب الجمعة يلجأ إلى الإثارة لأنه بود أن يمتلئ مسجده بالمصلين، وكيف يتم ذلك ما لم تكن الإثارة موجودة؟

ونائب مجلس الأمة عينه على الانتخابات القبلة وأذنه تلتقط ما يقوله الناس عنه ولذا يلجأ إلى الإثارة. 

ورئيس التحرير عينه على زيادة مبيعات الصحيفة وانتشارها، ولذا فالطريق إلى ذلك هو الإثارة، وانظر إلى كثير من عناوين الصحف والمجلات تجد الإثارة بارزة أمامك لا يخفى عليك منها شيء، وهكذا الإثارة هي هاجس الناس لأنها مرتبطة بالجانب الكسبى المادي والإثارة لا تؤدي إلى خير ولا توافق القيم الفاضلة، لقد أصبحنا جميعًا نفسى بدهيات في التعامل، تقوم على الخير وصدق النية قبل الشروع في أي إصلاح مع أن هذا كان داب الصالحين. 

لقد صحب رجل أخا له في الله في بعض الطريق، وسأله: تذهب للصلاة على جنازة؟ فقال له: هنيهة، ثم قال: هيا فساله عن ذلك فقال: أردت أن استحضر النية، أي أنه يبحث في داخله ليعرف دافعه إلى العمل ويراجع الإخلاص في نفسه وقلبه، ويثبت التجرد من عمله وما أحوجنا جميعًا لمثل هذا حتى نبتعد عن الإثارة والمظهرية من ناحية، وتصدق ونخلص في خدمة الناس والبلد ثانيًا، وتستحق ثواب الله قبل وبعد هذين الأمرين معًا.

بين الفكرة والعمل:

لقد بدأ الجميع يهتم بالمظهرية والإثارة والجميع يتحدث ويكتفي بالحديث، ويظن أن الكلمة وحدها تغني عن العمل، وأن اللسان يغني عن اليد، ولذا تجد كثيرًا من أصحاب الاختصاص التنفيذي العملي يكتفون في مواجهة مشكلة ما بإقامة ندوة لمناقشتها، أو الدعوة إلى مؤتمر حولها، ثم يكفون أيديهم بعد ذلك، لأن الناس ستتحدث عن هذا المظهر وحده، وهذا يكفيهم أما المشكلة وحلها والقضاء عليها وإزالتها من طريق الناس، فهذا ليس في الحسبان. 

وما هكذا يكون الإصلاح، الذي تحتاج فكرته إلى أناس جادين يتبنونها، فالفكرة كالبذرة ما لم نجد زارعًا يشق الأرض ويضعها فيها، ويتعهدها بالسفي ويمنع عنها الآفات حتى تكبر وتثمر، وما لم تجد ذلك بعثرتها الرياح ولم ينتفع أحد منها بشيء.

مثال إصلاحي قديم: 

لقد بين لنا القرآن ذلك في قصة ذي القرنين، الذي مكن الله له في الأرض وأتاه من كل شيء سببًا والذي ملك المشرق والمغرب وكان قويًا عادلًا صالحًا مصلحًا، بلغ في رحلته بين السدين فوجد من دونهما قومًا يعيشون في جهل وعي: ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ (الكهف: 93)، وتحت وطأة حاجتهم إلى الأمان من يأجوج ومأجوج فكروا في إقامة سد بينهم وبين هؤلاء المفسدين يحميهم من الشر والهلاك، فعرضوا فكرتهم على ذي القرنين مبينين أن له أجرًا على ذلك: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ (الكهف: 94)، فالفكرة عندهم موجودة في الأذهان لكنهم لم يحققوها واقعا لأنها تحتاج إلى جد وعمل وقوة، وإلى رجال ذوي همة وهم لم يكونوا كذلك، وإنما تحققت هذه السمات في ذي القرنين ولذا قبل العمل من أجلهم، وقبل تعليمهم وأقام لهم أفضل من السد الذي اقترحوه، وصنعه بطريقة لا تنقب ولا تتسلق حتى يحقق لهم الأمان الذي يطلبونه: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجعَل بَينَكُم وَبَينَهُم رَدمًا  ءَاتُونِي زُبَرَ ٱلحَدِيدِ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَينَ ٱلصَّدَفَينِ قَالَ ٱنفُخُواْ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُۥ نَارا قَالَ ءَاتُونِي أُفرِغ عَلَيهِ قِطرا  فَمَا ٱسطَٰعُواْ أَن يَظهَرُوهُ وَمَا ٱستَطَٰعُواْ لَهُۥ نَقبا ﴾ (الكهف: 97:95).

وبهذه الروح وهذه الهمة وهذا الجهد حقق لهم الأمان وعلمهم العمل. 

فما أحوجنا إلى هذه القدوة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل