العنوان شعارات استعمارية خادعة لهدم الإسلام
الكاتب المستشار سالم البهنساوي
تاريخ النشر الثلاثاء 28-يوليو-1998
مشاهدات 62
نشر في العدد 1310
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 28-يوليو-1998
اقترن ضعف الخلافة العثمانية وظهور المخطط البريطاني - الفرنسي بتوزيع تركتها بين الدولتين ،اقترن ذلك بظهور حركة انبعاث داخل الأمة العربية تحاول جمع العرب تحت راية وقيادة وطنية لحماية هذه الأمة من المخططات الاستعمارية التي تهدف إلى تقسيم تركة الرجل المريض وهو الدولة التركية أو الخلافة العثمانية.
كان السلطان عبد الحميد سبّاقًا في رفع راية الوحدة الإسلامية في مواجهة القوميات التي غرستها بريطانيا في العالم العربي ما بين القومية المحلية كالمصرية والبربرية والطورانية، وما بين القومية الإقليمية كالقومية العربية والكردية.
يقول الأستاذ ألبرت حوراني: «تردد معظم الكتاب المسيحيين في التحدث عن «أمة عربية»، إذ إنهم تخوفوا من أن تؤدي القومية العربية إلى نوع جديد من أنواع التسلط الإسلامي، ولم يكن في مقدورهم إزالة هذا التخوف إلا بإحدى طريقتين: الأولى أن يجاروا الأكثرية، شأن الأقليات أحيانًا، ولو أثار ذلك بعض الالتباس، والثانية أن يتخيلوا مفهومًا للعروبة على غرار مفهومهم للبنان أو لسورية فيحلموا بأمة عربية منفصلة عن أساسها الديني، وتضم جميع المسلمين والمسيحيين دون أية تفرقة بينهم، وتتمتع بحماية رؤوفة من قبل الدول الأوروبية ذات النظم الحرة، وهذه الطريقة الثانية هي التي اختارها نجيب عازوري ورفاقه، وهم يرون أن حدود الأمة العربية تشمل البلدان الناطقة بالضاد في غربي آسيا، دون مصر وبلدان شمالي أفريقيا التي كانت واقعة خارج نطاق اهتمامهم القومي العربي المسيحي.
موقف الاستعمار
كان هدف الاستعمار هو توزيع تركة الرجل المريض، وقد ظهر هذا في اتفاق سايكس - بيكو الذي وزعت بموجبه فرنسا وبريطانيا البلاد العربية فيما بينهما، وكان هدف دعاة الجامعة الإسلامية هو معارضة هذا التوزيع وإحباط هذا المخطط؛ لهذا هاجم اللورد كرومر المعتمد البريطاني في مصر حركة الجامعة الإسلامية هجومًا عنيفًا في تقريره السنوي عن مصر لسنة ١٩٠٦ م الذي رفعه إلى وزارة الخارجية البريطانية، فقال عنها: إنها حركة ترمي إلى تحدي الدول المسيحية، وإنها حركة قائمة على بث البغضاء والتشاحن الجنسي والديني، واستطرد فقال: إنها حركة تقوم على إحياء النظم والمبادئ التي وضعت منذ أكثر من ألف عام لإرشاد وتوجيه مجتمعات بدائية، وهي مبادئ تنطوي على الاعتراف بالاسترقاق، وإن هذه المبادئ لم تعد ملائمة للوقت الحاضر أو مناسبة للآراء الحديثة، فضلًا عن إنها تركز القانون المدني والجنائي والديني في قالب واحد مما أدى إلى جمود وتخلف جميع البلاد التي اعتنق أهلها الدين الإسلامي.
كانت هذه الآراء التي بسطها لورد كرومر تنم عن تعصبه الديني الصارخ وضيق أفقه العقلي، وعدم فهمه للتيارات الدينية والفكرية التي كانت تسود العالم الإسلامي في ذلك الوقت، كما تدل على تأصل نزعته الاستعمارية في تفكيره، وكراهيته الشديدة لكل المحاولات التي تقف في وجه الزحف الاستعماري الأوروبي على العالم الإسلامي، فكان كرومر في هذا الصدد على شاكلة غالبية المستشرقين الذين اتخذوا من العلم ستارًا للتهجم على الدين الإسلامي والمسلمين، وكان كرومر في رأي المؤرخين الإنجليز من بناة الإمبراطورية البريطانية، وأحد أعلام الإنجليز في مجالات الاستعمار والحرب والحكم والسياسة والاقتصاد، وذهب هذا الفريق من المؤرخين إلى أن على أوروبا أن تفخر بكرومر، لأنه أدى رسالة الحضارة الأوروبية خير أداء في الشرق ومصر.
وقد تصدى الشيخ محمد عبده للرد على اللورد كرومر مدافعًا عن الدولة العثمانية وعن السلطان عبد الحميد وعن حركة الجامعة الإسلامية، فقرر في مقال نشرته جريدة المنار أن الدولة العثمانية هي أكبر دول الإسلام، وأن عبد الحميد هو أعظم سلاطين المسلمين، ونفى عن حركة الجامعة الإسلامية صفة التعصب الديني.
بعث القومية العربية
لم تكن حركة القومية واعية للمخطط المشار إليه، يستوي في ذلك من رفع لواء الإسلام من دعاة القومية العربية مثل الشريف حسين ومن رفع لواء العلمانية مثل ساطع الحصري ولطفي السيد، والإسلام برسالته العالمية لا يعادي القوميات ولكن بعض العرب قد انحرف بمفهوم القومية بما يجعلها تتعارض مع الإسلام بل تكون بديلًا عنه، وهو ما كان يشجعه الاستعمار الأجنبي، من ذلك الدكتور محمد خلف الله الذي نُشر له كتاب باسم القومية العربية والإسلام عام ١٩٨١م. جاءت فيه أقوال للدكتور محمد خلف الله تعقيبًا على من يربط القومية العربية بالإسلام ومنها قوله:
1 - إن هذا يؤدي إلى أن يتنازل أصحاب القومية العربية عن استقلالها عن الإسلام، وهذا الأمر لا يمكن التنازل عنه وإلا أضاع القوميون الجزء الأكبر والمهم من مقومات القومية، وهما اللغة والتاريخ وهذا القول يفيد عدم استقلال القومية العربية عن الإسلام فهل يلتزم أصحابها بأخلاقه وتشريعه وأحكامه؟
2- وقال: كما يطلب منهم الربط بين الإسلام والقومية العربية، أن يتنازلوا عن العلمانية وهو الآخر لا يمكن أن تتخلى عنه القومية العربية، فلا التزام بالإسلام
ثم يقول الدكتور خلف الله: «إن ممارسة الحياة على أساس من العلمانية أي «اللادينية» يمنح المجتمع حرية وانطلاقًا في تحقيق الصالح العام على أساس من الحضارة العلمية أكثر مما يمنحه الإسلام» ص ٥٥
والمصلحة هنا هي اللادينية.
فهذا الاتجاه حقيقته أبعد ما يكون عن القومية العربية لأنه لا يوجد أي تعارض بين الإسلام والعروبة .
واللادينية التي يريد هؤلاء وصم القومية العربية بها ليست من العروبة أو القومية في شيء، بل هي من وسائل الاستعمار لتمزيق الأمة العربية فئات متناحرة من العرب والأكراد والبربر، وأيضًا فإن القيم الإسلامية التي يريد هؤلاء تعرية العرب منها هي قيم إنسانية خالدة وردت في جميع الديانات المنزلة من عند الله.
إن الفهم الخاطئ للإسلام وللوطنية والقومية يؤدي إلى ادعاء التعارض بين الإسلام والقومية أو الوطنية وهو ما سعى فلاسفة الاستعمار إلى غرسه بين بعض رواد الحركة الوطنية والقومية.
لقد كان هذا الفهم الانطوائي للوطنية هو الاستمرار الطبيعي أو هو التطور الطبيعي لدعوة حزب الأمة، ولذلك كان رأي أحمد لطفي السيد في الجامعة العربية بعد الحرب شبيهًا برأيه في الجامعة الإسلامية قبل الحرب فهو يقول في مجلة الهلال، نوفمبر سنة ۱۹۳۸م: إن السعي لتأليف تحالف من هذا النوع وهم من الأوهام، ويرى أن الداعين له يضيعون الوقت في خيال عقيم وأحلام بعيدة التحقيق.
وعندما احتلت إيطاليا ليبيا جمعت الحكومة المصرية ستة آلاف جنيه ورقي ومثلها جنيه ذهبي لتقديمها إلى الأشقاء الليبيين، وأرسل بعض المصريين أطباء لإسعاف المصابين، واشترك في صفوف الجهاد بعض المجاهدين المصريين منهم عزيز باشا المصري وعبد الرحمن باشا عزام، فأخذ لطفي السيد يندد بهذه الأعمال، ويزعم أن هؤلاء بلهاء وتبنى في صحيفته الجريدية الهجوم على مساعدة ليبيا، وكشف النقاب في مقالاته عن أنه ميكافيلي المعتقد إذ كان عنوان المقالات: «سياسة المنافع».
إلى جانب هذه النزعات الشعوبية الحادة للجامعة الإسلامية برز دعاة مخلصون لم يبخلوا على دينهم ودعوتهم ولم يجرهم التيار الجديد، وكانت صحيفة المنار هي لسان هذه الدعوة بعد الحرب، فيقول صاحبها محمد رشيد رضا، يناير۲۳ جمادي الأولى سنة ١٣٤١هـ فاتحة المجلد الرابع:
إن المنار إنما أنشئ لإيقاظ الشرق وتجديد الإسلام بإعادة تكوين الأمة وحياة الملة والدولة، لا لجدلية المذاهب الدينية ولا لتأييد القضايا الجنسية.
ويتكلم شكيب أرسلان في مقاله الذي قدم فيه لترجمة كتابه «حاضر العالم الإسلامي» فيقول: «فإن نهوض الشرق هو الشرط الأول في سؤود الإسلام وراحة الأنام وحقن الدماء الحرام»
والجدير بالذكر أن طه حسين حمل لواء الحرب على الإسلام خلفًا لأستاذه لطفي السيد فكتب: إن مصر قد استعمرها الفرنسيون واليونان والعرب، فاعتبر الإسلام استعمارًا بينما كانت مصر آنذاك تحتلها بريطانيا ولم يندد بهذا الاحتلال، لهذا حمل الشيخ حسن البنا لواء الدفاع عن الإسلام بعد الشيخ محمد رشيد رضا وأنشأ جماعة الإخوان المسلمين في سنة ١٩٢٨م على النمط السلفي، وفي الجانب الآخر تأسس حزب شيوعي سري برئاسة المليونير اليهودي هنري كوريل وبجانب التبشير الأمريكي الذي كان يغزو البلاد المصرية والعربية كانت هناك فلسفة البراجماتية التي نادى بها الأمريكي وليم جيمس وهي لا تهتم بالفكر بل بحالات الفعل المرتبطة به.
الوطنية الكاذبة
إن دعاة الوطنية الضيقة لم يدركوا أن الإنجليز وراء هذه الدعوات النتنة برجلهم الأول لورانس، إذ يقول في كتابه «أعمدة الحكمة» :«كنت أتجول في الشام ومصر ولا أجد من الناس سوى التمسك بالإسلام في كل أمور الحياة، وأتطلع إلى أن تحل الوطنية أو القومية محل هذا الدين، وأقول متى نجد مصر تتغنى بفرعونيتها وهكذا سائر البلاد العربية»
وما تمناه لورانس حققه رواد الوطنية الضيقة والقومية اللادينية، الذين روجوا لأنفسهم أنهم حماة الوطن من الاستعمار حتى لُقب لطفي السيد بأستاذ الجيل، وساطع الحصري بالأب الروحي للعرب والقومية العربية، وطه حسين بعميد الأدب العربي.
يقول العلامة محمود شاكر في كتابه أباطيل وأسمار: فبعد فترة بدأت دعوة «مصر للمصريين» معارضة لمبدأ مصطفى كامل، وأحيطت هذه الدعوة بكل الوسائل المثيرة التي يكون ظاهرها إنقاذ الوطن من براثن الاستعمار الأجنبي، بما فيها تركيا، هكذا يقولون، وباطنها تثبيت القواعد الفكرية التي تحمل الشاب المصري على ألا يرى شيئًا يربطه بشيء من البلاد التي تحيط به سوى ظل باهت من الروابط الدينية واللغوية التي فرضت عليه فرضًا، كما قال ذلك بعضهم فيما بعد، ثم يرى أن مرده كله إلى مصر وحدها، وإلى تاريخها القديم العريق في الآباد البعيدة، وهو تاريخ الفراعنة الحافل بالآثار القائمة التي أتى السائحون من كل أوب لرؤيتها أو دراستها.
ويقول محمود شاكر: لقد تولى كبر هذه «الدعوة» بلا إطالة في الرد عليها أو تفسيرها، رجل ولد في سنة ۱۸۷۲م، وأتم تعليمه الابتدائي في عهد الاحتلال سنة ١٨٨٥م، وتعليمه الثانوي سنة ۱۸۸۹م، ونال شهادة الحقوق في سنة ١٨٩٤م. ثم تولى تحرير «الجريدة» التي كانت شركة مكونة من محمد محمود وعمر سلطان وأحمد حجازي، ومحمود عبد الغفار، وهي أسماء لها أثر في بعض تاريخنا السياسي، وهذا الرجل هو: «أحمد لطفي السيد..»
وهذا الرجل عندي شديد التناقض، ينبغي أن يعاد درسه و درس تاريخ نشأته ونشأة أسرته وتفاصيل حياته بدقة متناهية وبحذر بالغ
لورانس: أتمنى أن تحل الوطنية أو القومية محل الإسلام.. وأنتظر اليوم الذي تتغنى فيه مصر بفرعونيتها
لقد طالب دعاة الوطنية الضيقة بما لم يستطع الإنجليز الإعلان عنه وهو تطوير التعليم ليكون أوروبيًّا في مضمونه وأهدافه، وكذلك تحرير المرأة العربية من القيم الإسلامية بدعوى أنها قيم بالية.
ولقد تم اختيار سعد زغلول لهذه المهمة بعد أن أضفيت عليه بطولات مصطنعة، فعند عودته من منفاه كان في استقباله الرجال والنساء، فاستقبلته هدى شعراوي وهي محجبة كسائر نساء عصرها، فرفع بيده الحجاب، وأعلن تحرر المرأة المصرية منه. لذا كان هذا النوع من الوطنية حليفًا للإنجليز، وهذا أيضًا هو السبب في تنصيب سعد زغلول باشا وزيرًا للمعارف.
يقول اللورد لويد المنتدب السامي السابق في كتابه الذي ألفه سنة ١٩٣٣م:
إن التعليم الوطني عندما قدم الإنجليز إلى مصر كان في قبضة الجامعة الأزهرية الشديدة التمسك بالدين، فلو أمكن تطوير الأزهر عن طريق حركة تنبعث من داخله هو لكانت هذه خطوة جليلة الخطر، ولكن إذا بدا مثل هذا الأمل غير متيسر تحقيقه، فحينئذ يصبح الأمل محصوراً في إصلاح التعليم اللاديني الذي ينافس الأزهر حتى يتاح له الانتشار والنجاح، وعندئذ سوف يجد الأزهر نفسه أمام أمرين فإما أن يتطور وإما أن يموت ويختفي.
هذه المحاولات قد فشلت، شأنها شأن ما سبقها وما جاء بعدها، ذلك أن فكرة تطوير الدين دعوة ضالة فاسدة، لأن وظيفة الدين إصلاح المجتمع ورده إلى الطريق المستقيم، فإذا زعم زاعم أنه يجب أن يتطور ليلائم كل عصر وكل بيئة، فقد أفقده وظيفته لأنه سيصبح تبعًا لأهواء الناس ينقاد لها بدلًا من أن يقودها، وكونها صالة لأن الاعتقاد والتسليم بها ينتهي إلى الكفر.
وفي سنة ۱۹۲۷م عرض قانون الأحوال الشخصية على مجلس النواب وطالبت الصحف بتعديله بما يناسب العصر، بإلغاء الطلاق وحظر تعدد الزوجات، وأحال المجلس القانون إلى لجنة تأثرت بأقوال الصحف، واجتمعت لجنة من علماء الأزهر وأصدرت بيانًا تستنكر فيه مشروع اللجنة التي شكلها مجلس النواب لهذا الغرض.
ولقد نشر في تركيا المهزومة كتاب يندد بالقيم الإسلامية، فكتبت مجلة المنار نقلًا عن كتاب «قوم جديد» زعمهم الصيام والصلاة والحج والزكاة والعمل بكتب الفقه والأئمة، أنه دين قدماء المسلمين، وعبر عنهم بـ «قوم عتيق»، ووضع في مقابل ذلك أركان دين «قوم جديد»، وهي العقل وكلمة الشهادة والأخلاق الحسنة والجهاد تحت إمرة أنور ورضا وأسعد وجاويد ورؤوف «صلى الله عليهم» وبقية رجال جمعية الترقي المقدسة «المنار ٢٩ أغسطس سنة ١٩٢٦م أول شوال سنة ١٣٣٤هـ»، وجاويد هذا يهودي وكان وزيرًا للمالية في حكومة الاتحاديين.
(*) كاتب ومفكر إسلامي مصري مقيم بالكويت
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل