العنوان شروط القدوة الحلقة الثانية
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 03-فبراير-1981
مشاهدات 74
نشر في العدد 515
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 03-فبراير-1981
• لا حياة لفكرة لم تتقمص روح إنسان، ولم تصبح كائنًا حيًا دب على وجه الأرض.
• إنما جئت من بلدي لأنظر إليك وأتعلم من هديك وعلمك، ولم أجئ لأنظر إلى الفيل.
• تعلموا قبل أن تسودوا.
وتمر الأيام عصيبة على الإمام أحمد، ويمتحن فيها أشد الامتحان، ولم ينس نصيحة الأنباري، فها هو المروزي أحد أصحابه يدخل عليه أيام المحنة ويقول له: «يا أستاذ قال الله تعالى ﴿وَلَا تَقتلُواْ أَنفُسَكُم﴾ (النساء: ٢٩)، فقال أحمد: يا مروزي اخرج انظر أي شيء ترى!! قال: فخرجت إلى رحبة دار الخليفة، فرأيت خلقًا من الناس لا يحصى عددهم إلا الله، والصحف في أيديهم والأقلام والمحابر في أذرعتهم، فقال لهم المروزي: أي شيء تعملون؟ فقالوا: ننظر ما يقول أحمد فنكتبه، قال المروزي: مكانكم. فدخل إلى أحمد بن حنبل فقال له: رأيت قومًا بأيديهم الصحف والأقلام ينتظرون ما تقول فيكتبونه، فقال: يا مروزي أضل هؤلاء كلهم! أقتل نفسي ولا أضل هؤلاء!». «١٣»
(هـ) من أبرز أسباب أهمية القدوة أنها تساعد على تكوين الذاتية في المتربي دونما توجيه خارجي، وهذه بالتالي تساعد المتربي على أن يكون من المستويات الجيدة في الدعوة.
شروط القدوة
الإيمان بالفكرة..
١- وهكذا تتجلى أهمية القدوة في حياة الدعاة، وأنها لا تتكون في نفس الداعية حتى يكون هو أول من يؤمن بما يقول، ثم يترجم هذا الإيمان إلى عمل.. وفي ذلك يقول سيد -رحمه الله-: آمن أنت أولًا بفكرتك، آمن بها إلى حد الاعتقاد الجاد! عندئذ فقط يؤمن بها الآخرون، وإلا فستبقى مجرد صياغة لفظية خالية من الروح والحياة، لا حياة لفكرة لم تتقمص روح إنسان، ولم تصبح كائنًا حيًا دب على وجه الأرض في صورة بشر! كذلك لا وجود لشخص -في هذا المجال- لا تعمر قلبه فكرة يؤمن بها في حرارة وإخلاص. «١٤»
وهذا فيما نحسبه هو الشرط الأول والأرضية، التي ينطلق منها الداعية لاستيفاء الشروط الأخرى، حتى يكون بمستوى القدوة الذي نريد..
٢- تعلم العلم:
فإذا كان العلم ضروريًا لكل مسلم، فالداعية القدوة هو أكثر الناس حاجة لتعلم العلم، لذلك قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: «تعلموا قبل أن تسودوا» «١٥»، فالسيادة في الدعوة تحتاج إلى علم يتأكد فيه القدوة من صحة خطواته، ويصحح فيه خطوات الآخرين.
٣- حسن الخلق:
ومع إقرارنا بأنه لم يقرب من منزلة القدوة إلا من حاز من الأخلاق ما أهله لأن يصل إلى هذه المنزلة، إلا أن هناك أخلاقًا بارزة يحتاجها الداعية القدوة دائمًا، وبغيرها يصبح من المتعذر عليه النجاح في دعوة الناس والتعامل مع نفسياتهم المتعددة تعدد المعادن، ومن أهمها- الصبر بجميع أنواعه، والرحمة والرفق والتواضع والمخالطة، هذا بجانب أخلاق كثيرة تتفرع من هذه الأخلاق، يستعين بها الداعية القدوة على المحافظة على هذه المنزلة، ومن ثم النجاح المستمر في دعوة الناس.
٤- موافقة العمل للقول:
ويعتبره الشيخ عبد الكريم زيدان «صاحب أصول الدعوة»، أصل من أصلين ترتكز عليهما «القدوة الحسنة» حين يقول: «وأصول السيرة الحسنة التي بها يكون الداعي المسلم قدوة طيبة لغيره، ترجع إلى أصلين كبيرين: حسن الخلق، وموافقة العمل للقول، فإذا تحقق هذان الأصلان حسنت سيرة الداعي، وكانت سيرته الطيبة دعوة صامتة إلى الإسلام، وإن فاته هذان الأصلان ساءت سيرته، وصارت دعوة صامتة منفرة عن الإسلام، فليتق الداعي ربه في هذا الأمر الخطير، ولا يكون منفرًا عن دين الله بسيرته، وهو يريد الدعوة إليه بقوله» «16».
٥- عدم الانقطاع عن الأعمال:
عدم الانقطاع عن عمل ما، كان يأمر به، دون مبرر شرعي أو نسيان، وترجع خطورة هذا الانقطاع إلى أمرين: الأول هو دخوله في دائرة الذين يقولون ما لا يفعلون، والأمر الثاني هو إحساس المتربي بعدم جدية ذلك الأمر وأهميته.
٦- التثبت من صحة الأقوال والأفعال:
فالقدوة ما سمي بذلك، إلا أنه هو المثال الذي يحتذى به، فإذا كان القدوة لا يتثبت من صحة أقواله وأفعاله، يكون المقتدون كذلك ويقعون حتمًا في الدائرتين: التفريط أو الإفراط، ذلك أن ما جاء به قدوتنا جميعًا محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- هو «الوسط»، وكل ما زاد عليه أو نقص منه فهو في أحد تلك الدائرتين.
٧- الابتعاد عن المباحات:
يقول الإمام ابن القيم: قال لي يومًا شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- في شيء من المباح: «هذا ينافي المراتب العالية، وإن لم يكن تركه شرطًا في النجاة»، ثم يقول ابن القيم: «فالعارف يترك كثيرًا من المباح إبقاءً على صيانته، ولا سيما إذا كان ذلك المباح برزخًا بين الحلال والحرام» «١٧».
إنها الصيانة التي نريدها للداعية القدوة، وهو يزاول عملية الصعود في مدارج السالكين، فحذار أخي الحبيب وأنت تصعد من أن تستهويك بعض مناظر الأرض الجذابة، فتقف برهة، أو تلتفت للوراء لإشباع رغبة النظر، فتتأخر عن الصعود، ذلك إن لم تهو إلى الأرض بعد أن صعدت منها.
وعملية الصعود هذه علم كيف يتقنها «يحيى بن يحيى» الذي أهداه الإمام مالك جزاءً على ذلك لقب «عاقل أهل الأندلس» وذلك أنه قد رحل إلى الإمام مالك وهو صغير وسمع منه وتفقه، وكان مالك يعجبه سمته وعقله، روى أنه كان يومًا عند مالك في جملة أصحابه، إذ قال قائل: قد حضر الفيل، فخرج أصحاب مالك لينظروا إليه غيره، فقال له مالك: مالك لم تخرج فترى الفيل؟ لأنه لا يكون بالأندلس! فقال له يحيى: إنما جئت من بلدي لأنظر إليك وأتعلم من هديك وعلمك، ولم أجئ لأنظر إلى الفيل، فأعجب به مالك وسماء «عاقل أهل الأندلس» «١٨».
إنه من المباح مشاهدة حيوان غريب، ولكن وقت الداعية القدوة أضيق من أن يشغل شيئًا منه في مباح، لا يجني من ورائه شيئًا لقضيته التي تشغله ليل نهار.
وإنه من المباح مشاهدة برنامج تلفزيوني خاليًا مما حرم الله، ولكن عندما يعلم الأتباع أنك ترى ذلك، لا يرون بأسًا في مشاهدة التلفزيون، فيقعون في المحذور شرعًا مشاهدته، وذلك بسبب عدم اكتمال الفهم الحقيقي للورع والتقوى والابتعاد عن الشبهات وما شابه، وخاصة إذا كانوا في أيام البداية.
وإنه من المباح شراء سيارة ثمينة ذات منظر جذاب، بطولها وعرضها وما بداخلها من وسائل للترفيه، ولكن.. لا يدري ذلك المربي القدوة أن وراءه أتباعًا ينظرون إليه نظرة الناقض لكلامه الذي كان يقوله لهم، وما زال عن الزهد وحقارة الدنيا وفتنتها، فينخفض مستوى التلقي عند أولئك الأتباع دون أن يشعر المربي.
وأشياء كثيرة من المباح نقترفها أمام من نربيهم، ثم نشتكي من سلبية «غير أصيلة» طرأت عليهم، دون علمنا بأننا من المتسببين في نشوء السلبية، بسبب سهو عن محاسبة دائمة للنفس حتى تكون في حمى مما توشك أن ترتع فيه من مزالق.
٨- المحاسبة الدائمة:
فعلى الداعية القدوة أن يعي أنه تحت رقابة دقيقة ممن يقوم بتربيتهم، أو ممن يتخذونه قدوة لهم، فيحاسب نفسه على كل كلمة أو تصرف، صغر أم كبر، حتى يتجنبه في مرات أخرى، وحتى يكون على مستوى القدوة الذي لا يحيد عنه، وهذا لا يتأتى إلا بمحاسبة دائمة مع شعور دائم بأنه موضع قدوة.