العنوان شرطي المنطقة في شبه القارة الهندية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-سبتمبر-1989
مشاهدات 66
نشر في العدد 934
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 26-سبتمبر-1989
رغم أن الهند من
الدول المؤسسة لحركة عدم الانحياز، فإنها يربطها التحالف العسكري بروسيا.
الهند تلعب دور
شرطي المنطقة في شبه القارة الهندية.
الآمال التي
عقدتها الهند من إنشاء بنغلاديش لم تتحقق.
الهند ثانية دول
العالم بعد الصين في كثرة عدد السكان وكثافة الموارد البشرية فيها، ومنذ أن نالت
الاستقلال في عام 1947 ركزت على تكوين جيش قوي، وامتلاك أكبر قدر من الأسلحة، ولو
كان على حساب إفقار الشعب ومعاناته الاقتصادية والاجتماعية. وقد نجحت الهند فعلًا
في بروزها أمام العالم كقوة سادسة بعدما حققت تقدمًا في برامجها النووية، وصناعة
الصواريخ، وإن كان الشعب الهندي قد وصل إلى درجة دون مستوى الفقر في المعيشة؛ لأن
الجزء الأكبر من الناتج القومي من ميزانية الدولة يذهب لصالح الجيش.
هذه الدولة
الكبرى في شبه القارة الهندية تحاول الآن أن تعمل كشرطي المنطقة، فهي تتصرف في
تعاملها مع جاراتها الصغيرة نسبيًا بمنطق القوة، وتحاول فرض هيمنتها عليها
وإرغامها على قبول الوصاية منها.
وفيما يلي نقدم
استعراضًا سريعًا لسياسة الهند تجاه جاراتها؛ حتى يتبين بوضوح خططها الاستعمارية
في المنطقة، والتي تشكل خطرًا كبيرًا للدول المسلمة المجاورة لها كباكستان
وبنغلاديش وجمهورية المالديف بصفة خاصة، علمًا بأن الهند رغم كونها إحدى الدول
المؤسسة لحركة عدم الانحياز يربطها التحالف العسكري بالاتحاد السوفيتي، وقد كان
لهذا التحالف أثر كبير في حربها مع باكستان عام 1971.
باكستان:
هي جارة الهند
الكبيرة والمنشقة منها، أُنشئت في أعقاب استقلالها من الحكم البريطاني كوطن خاص
بالمسلمين، ذو سيادة كاملة، وبهدف تطبيق شرع الله في الدولة الجديدة، وليعيش
المسلمون فيها بحرية كاملة في إقامة الشعائر.
ولم تقبل الهند
نشأة هذه الدولة، ولم تزل تُضمر الحقد تجاهها، وقد خاضت معها الحروب؛ بسبب النزاع
القائم حول منطقة كشمير، التي استولت عليها خارقة في ذلك كافة الاتفاقيات المبرمة
عنها.
ومنذ أن بدأت
باكستان بإنشاء مفاعلها النووي تحاول الهند ضربه ولو بالتعاون مع إسرائيل، وقد
أثارت الضجة ضد البرنامج النووي لباكستان في كافة أنحاء العالم، ساعية قطع
المعونات الأمريكية عنها؛ للضغط عليها مع أنه من المعروف أن الهند تملك عددًا من
المفاعلات النووية، وتجري التجارب النووية بشكل مستمر، وقد أرسلت مجموعة رواد فضاء
مع الرواد الروس في مهمة تجسسية عبر الأقمار الصناعية، وهي في محاولة لإطلاق قمرها
الصناعي، كما أنها جربت بنجاح إطلاق صاروخها المعروف «ياكن» منذ فترة طويلة.
مع كل ذلك
ومشاكلها مع باكستان مستمرة في المناطق المتنازع عليها في كشمير وغيرها، وخاصة بعد
مقتل الرئيس ضياء الحق تعتبر الهند أن باكستان أصبحت لقمة سائغة في غياب الحكومة
القوية ذات الأيديولوجية الواضحة. وقد تجاوز الأمر إلى تدخل الهند المباشر في
القضية الأفغانية؛ حيث إنها أرسلت الخبراء والمستشارين والطيارين لمساعدة الحكومة
العميلة في كابول المنهارة.
سريلانكا:
ومن ناحية ثانية
أرسلت الهند ما يزيد عن خمسين ألف جندي إلى جزيرة سريلانكا؛ للقضاء على تمرد
التاميل وتحت شعار حفظ السلام في تلك الجزيرة، وكان الدافع الحقيقي هو منع
التاميل، الذين يعيشون في ولاية «تاميلا نادو» الهندية، والذين يبلغ عددهم خمسين
مليون نسمة من القيام بحركة انفصالية على غرار حركة طائفة السيخ الانفصالية في
ولاية البنجاب.
وكان دخول
القوات الهندية إلى أرض جزيرة «سريلانكا» بالاتفاق بين الحكومتين الهندية
والسريلانكية غير أن هذه الخطوة بدل أن تقضي على تمرد التاميل، أثارت السنهاليين،
وهم أغلبية سكان «سريلانكا» ضد الحكومة وضد قوات حفظ السلام الهندية، وأصبحت
الجزيرة ميدانًا للاشتباكات الأهلية، وبدأت سلسلة الاغتيالات والأعمال الإرهابية،
التي أغرقت الجزيرة في بحر من الدماء.
كما أن تصرفات
القوات الهندية ضد سكان القرى السريلانكية الأبرياء وبخاصة المسلمون منهم قد أثارت
قلقًا لدى الشعب السريلانكي بشكل عام؛ حيث قامت تلك القوات بتدميرها، وقتل الرجال
والنساء والأطفال من سكانها.
ومنذ فترة بدأت
الحكومة السريلانكية تشعر بقلق بالغ حول وجود تلك القوات، فطالبت بسحبها غير أن
الحكومة الهندية ما زالت تماطل، وتحاول الضغط على سريلانكا مستخدمة في ذلك كل
أساليب البطش والتخويف وعرض العضلات والقيام بالمناورات العسكرية قرب حدودها،
وإعطاء الشعور بأنها هي الأقوى، ومن حقها أن تكون مهيمنة على الدول الصغيرة
المجاورة لها.
غير أن إصرار
الحكومة السريلانكية ورفضها القاطع لأي تدخل أجنبي، والظروف الداخلية للهند أرغمت
الهند مؤخرًا على إبداء الرغبة بأنها سوف تقوم بسحب قواتها، لكنها تحاول تحقيق
مكاسب لها في تلك الجزيرة قبل أن تسحب منها قواتها.
بنغلاديش:
أما جمهورية
بنغلاديش فكانت الهند تهدف من فصل الجناح الشرقي لباكستان، وإنشاء دولة بنغلاديش
عام 1971 بقيادة مجيب الرحمن أن تكون هذه الدولة خاضعة لإرادة الهند ما دامت الهند
هي التي ساعدت على إنشائها، وإرغام الجيش الباكستاني على الاستسلام، وإلقاء السلاح
غير أن الخطة فشلت تمامًا بعدما لقي مجيب الرحمن مصرعه مع جميع أفراد أسرته،
وأصبحت الحكومات المتعاقبة في بنغلاديش تُعرف بهويتها الإسلامية، وتؤكد انتماءها
إلى أسرة الدول الإسلامية، ومن بينها باكستان، وأقامت العلاقات الوطيدة معها؛ مما
خيب آمال قادة الهند وزعمائها. وما زالوا يحاولون بفرض الحصار الاقتصادي حولها
حينًا، وبالتحكم في مياه الأنهار التي تنصب في أراضي بنغلاديش، وذلك بمنع تلك
المياه أيام الصيف، ومحاولة إغراق بنغلاديش في أيام السيول حينًا آخر، وما زالت
الهند تحاول أن ترغمها على قبول وصايتها. وأكبر دليل على ذلك أن البرلمان
البنغلاديشي حينما قرر أن دين الدولة هو الإسلام، ثار زعماء الهند على هذه الخطوة،
وأصدروا بيانات الإدانة لهذا القرار، وشعروا بامتعاض شديد من هذا القرار؛ لأن
التزام الشعب البنغلاديشي بالإسلام يتعارض مع الأهداف، التي كانت الهند تريد
تحقيقها بفصل الجناح الشرقي من باكستان سابقًا.
وهناك دول صغيرة
أخرى في شبه القارة الهندية لا يختلف تعامل الهند معها في تنفيذ خططها
الاستعمارية، ومن بين تلك الدول:
مملكة نيبال:
وهي رغم كونها دولة صغيرة إلا أنها ذات استراتيجية بالغة في المنطقة، ولما رفضت
نيبال أن تكون خاضعة لإرادة الهند، وأصرت على سيادتها على أراضيها واستقلاليتها في
إقامة العلاقات مع الصين وباكستان ودول المنطقة الأخرى حاولت الهند رغم كون مملكة
نيبال مملكة هندوسية إرغامها، وفرض وصايتها عليها، وذلك بفرض الحصار الاقتصادي
ضدها غير أن مملكة نيبال ما زالت صامدة، ولا تكاد السياسة الهندية تنجح تجاه مملكة
نيبال؛ لأن الصين والدول الأخرى المجاورة تدرك تمامًا أبعاد السياسة الهندية.
مملكة بوتان:
وهي أيضًا مملكة بوذية صغيرة تحاول الهند أن تتعامل معها كولاية من ولاياتها
العديدة، غير أنه من الصعب في هذا العصر إرغام أي شعب مهما صغر حجمه ضد إرادته.
أما جمهورية
المالديف: فهي دولة وحيدة في تلك المنطقة ينتمي جميع سكانها إلى الإسلام، وهي
تتكون من آلاف من الجزر المأهولة منها وغير المأهولة، ومنذ أن حاول القراصنة
الإطاحة بحكومة الرئيس مأمون عبد القيوم، وأُحبطت تلك المحاولة بتدخل الهند
المباشر ما زالت الهند تحاول أن تحصل على المكاسب في تلك الجزيرة، وتحول دون حرية
جمهورية المالديف في إقامة علاقاتها الطبيعية مع شقيقاتها من الدول الإسلامية خاصة
مع باكستان وبنغلاديش.
هذه هي سياسة
الهند تجاه الدول المجاورة لها، وأما على الصعيد الداخلي، فالمسلمون في الهند
البالغ عددهم مائة وعشرون مليون نسمة يعانون من بطش واضطهاد على أيدي رجال الأمن
والمنظمات الهندوسية المتطرفة. ومع كل ذلك تتمتع الهند بعلاقاتها التجارية الواسعة
مع كافة البلدان الإسلامية، وتستفيد من خيرات تلك البلاد ومواردها، فإلى الله
المشتكى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل