العنوان شراء المديونيات.. أي اقتصاد يريدون إنقاذه؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الأحد 08-ديسمبر-1991
مشاهدات 70
نشر في العدد 979
نشر في الصفحة 10
الأحد 08-ديسمبر-1991
المجتمع - أسرة التحرير
يبدو أن التوجه الرسمي لإقرار مشروع شراء مديونيات البنوك لا يزال
قويًّا ونافذًا على الرغم من أن الحماس لمقترحات البنك المركزي بهذا الصدد أصبح
أقل من ذي قبل بعد تزايد التساؤلات على الصعيد الشعبي حول كلفة وجدوى هذا المشروع.
وكان البنك المركزي قدَّم مقترحاته بشراء مديونيات البنوك والمصارف
الكويتية بكلفة تصل إلى 7 بلايين دينار كويتي «حوالي 24 بليون دولار»، بالإضافة
إلى ديون شركات الاستثمار، وأفاد البنك في مذكرته التي تضمنت الاقتراحات، وتعرضت
لانتقادات شديدة بأن المشروع يهدف إلى إنقاذ القطاع المصرفي، وتطهير محافظ البنوك
من الديون وإنعاش الاقتصاد الكويتي.
وقد أسهم اقتصاديون مستقلون بآراء عديدة ورصينة حول هذه القضية
الخطيرة لاسيما وأنها تمس الحاضر والمستقبل الاقتصادي للكويت بشكل عميق، ووجد معظم
هؤلاء في المشروع خللًا في جوانب الجدوى الاقتصادية والعدالة وإمكانية التطبيق،
واعتبروه هدرًا خطيرًا في المال العام يستحق أن نتوقف كثيرًا قبل المضي فيه.
المال العام.. حلال المشاكل
أول سلبيات الحل المقترح لشراء المديونيات يتمثل في كونه يعتمد بشكل
أساسي على إنفاق المال العام، وبحجم غير مسبوق، وفي ظروف تراجع في قدرة البلاد
المالية؛ لحل مشكلة تتعلق بعدد ضئيل ومحدود من المواطنين.
وكانت السلطة في الكويت لجأت إلى إنفاق المال العام كأسلوب لحل
المشاكل والمعضلات في مناسبات عديدة بدءًا بأزمة المناخ المصغرة عام 1976 ثم بأزمة
المناخ الحقيقية عام 1982، والتي أنفقت الدولة فيها مئات الملايين من الدنانير دون
تحقيق أي حسم للمشكلة.
وليس من دليل الآن على أن تحمل الدولة هذه الالتزامات الهائلة سوف
يضمن أن تحصل في النهاية على «اقتصاد منتعش» و «قطاع مصرفي مزدهر».
هناك تحفظات كبيرة على مبدأ صرف المال العام لحل المشاكل، لا سيما وأن
هذه المشاكل نتجت عن سلسلة من التجاوزات من قبل أشخاص لم يردعهم القانون ومارسوا
المغامرة الاستثمارية، وفشلوا ويريدون من المال العام أن يحمل أخطاءهم وفشلهم.
وإذا كانت ظروف الغزو العراقي الغاشم قد أوجبت أن تتدخل الدولة؛ لتدعم
بعض جوانب الاقتصاد الوطني، فيجب أن يتم ذلك بحساب، وفي الحدود الدنيا، وتحت شروط
العدالة الاجتماعية.
صرف ثلث الثروة الوطنية بلا رقابة
يمثل المبلغ المعلن لالتزامات المال العام مقابل شراء المديونيات ما
يصل إلى 25% من ممتلكات الكويت في الخارج قبل أغسطس 1990، وتزيد النسبة إلى أكثر
من ثلث هذه الممتلكات بحساب الوضع الراهن.
مثل هذه الأموال الطائلة التي تزيد عن تكاليف تحرير الكويت العسكرية،
التي ستدفعها الدولة لدول التحالف، كما أنها تقارب إجمالي تكاليف إعادة الإعمار
بما في ذلك القطاع النفطي، يجب ألا يتم التصرف بها في ظل الظروف الحالية؛ حيث
ستحتكر شريحة ضيقة جدًّا من الاقتصاديين الرسميين والمسؤولين المعنيين
تقدير ما يتم صرفه، وفي أي اتجاه دون توفر أي نوع من الرقابة المحايدة على هذه
العملية.
الكارثة تغفر خطايا الماضي
من أبرز ثغرات المقترحات المقدمة لشراء المديونيات أنها تفترض أن كافة
المديونيات التي للبنوك هي مديونيات صعبة، أي بمعنى أن كافة المدينين مفلسون ولا
يملكون في داخل البلاد وخارجها أية أصول يمكن من خلالها سداد ولو جزء من الديون.
ودحض هذه الفرضية أمر يسير باستقراء أبسط التقديرات المعلنة من البنوك
لديونها وما يقابلها من ضمانات، فمقابل القروض ضمانات عقارية وودائع في الخارج
تمثل نسبة لا بأس بها من الحجم العام للمديونيات، وإذا ما تم إلزام المدينين بالسداد
بوسائل فعالة، فإن نسبة الإعسار والديون الصعبة ستكون أقل بكثير من رقم 7-7.5
بليون دينار المعلن، إذ إن الحقيقة أن الدمار والخسارة الناشئة من الغزو العراقي
تبقى محدودة بالنظر إلى إجمالي حجم الديون.
وما سيحدث عمليًّا حين يُلزم المال العام بسداد المديونيات أن
المدينين سيحظون بمكافآت مالية هائلة هي عبارة عن المكاسب المترتبة على حصولهم على
القروض سواء كانت عقارًا أو بضائع أو أرصدة في خارج البلاد.
وباسم تعويض الفعاليات الاقتصادية الكويتية عن أضرار الغزو سينجح
هؤلاء في تطهير أنفسهم من كل رواسب أزمة المناخ وأعبائها، وهي الأعباء التي وقعوا
فيها؛ بسبب الجشع وروح المقامرة غير المسؤولة.
إن لمشروع شراء المديونيات البنكية حظًّا قليلًا جدًّا من المصداقية
الاقتصادية إذا ما قورن بالثمن، الذي ينبغي أن يدفع مقابله، كما أنه يتصادم بشكل
قبيح مع كافة مبادئ العدالة الاجتماعية والمساواة في فرص توزيع الدخل القومي، وإذا
ما وجد المشروع طريقه للتنفيذ بالأسلوب الذي يطمح إليه المستفيدون منه، فإن متخذي
القرار سيتحملون كافة العواقب الاقتصادية الجسيمة، التي سيتركها قرارهم هذا على
البلاد.
أين العدالة؟
مذكرة البنك المركزي المقدمة لمجلس الوزراء تتحدث عن 7200 مدين ينبغي
إخلاء جانبهم من كافة الالتزامات، وعلى الرغم من أن البنك يمتنع عن تقديم جداول
مفصلة تكشف حجم الكتلة المؤثرة من المدينين، فإن التكهنات تقول: إن أقل من 600
مدين يحوزون على ثلاثة أرباع المديونية.
إن 7 بلايين دينار يُراد أن تخصص مكافأة الفشل، وسوء تصرف بضعة
مئات من المستثمرين الخاسرين هي ثروة الشعب الكويتي الخارج من حطام الكارثة، والتي
سيحتاج لكل دينار فيها لإعادة بناء منشآته الاقتصادية والحضارية، وإلى مواجهة
المستقبل في ظل أوضاع اقتصادية عالمية سريعة التقلب.
لقد رفع بعض المسؤولين عقيرته بالتحذير من إيذاء المال العام
واستنزافه عندما اقترح البعض مكافأة 20 ألف دينار لكل أسرة كويتية، وهي المكافأة
التي ستكلف الدولة بليوني دينار بحجة أنها إهدار لاحتياطات الثروة الكويتية في وقت
حرج، ونحن نؤيد هذا الرأي، ولكن إذا ما رفض المسؤولون صرف بليوني دينار
يغمر خيرها كافة أبناء الشعب، فكيف يقبلون صرف 7 بلايين تذهب لبضعة مئات من التجار
الخاسرين؟.
وإنه من المؤسف أن تمتنع بعض الفعاليات الاقتصادية ذات التاريخ الوطني
عن الإفصاح عن رأي واضح وقاطع في شأن مشروع شراء المديونيات، وأن يَلتزم
بالصمت ضد الموضوع الحساس رجال لهم كلمتهم المسموعة لدى الدولة والمسؤولين، وأن
تتقدم حسابات الخسارة والربح على الصعيد الشخصي على حسابات الثروة الوطنية ومصير
الاقتصاد الكويتي.
ما الاقتصاد الكويتي؟
تعتمد الآراء المتحمسة لفكرة شراء المديونيات في ترويجها وإقناع الرأي
العام بها على نظرية الجهاز المصرفي، وأهميته للاقتصاد الوطني.
وقد يصدق ما سبق على اقتصاديات بعض الدول المتقدمة القائمة على تضافر
عوامل الإنتاج وحرية السوق؛ حيث تلعب البنوك دورًا أساسيًّا في خلق المال، وتمكين
كافة المؤسسات والشركات الصناعية والتجارية من ممارسة أنشطتها وتدفق النقد في جميع
الاتجاهات بسهولة، وفي جو من الثقة والاعتمادية.
أما في الكويت فإن البنوك تحوز على قدر أقل كثيرًا في المكانة مما هو
الأمر في الدول الرأسمالية المتطورة، فاقتصادنا يقوم في الأساس على الإنفاق
الحكومي، الذي يتم توفيره من عائدات النفط المصدر ومشتقاته والإيرادات الأخرى
للدولة كالاستثمارات الخارجية، وكما يقولون فإن الاقتصاد الكويتي هو أنبوب طوله 3
كيلومترات يمتد من خزانات الأحمدي إلى الميناء.
في مثل هذا الاقتصاد غير الناضج تكون المهمة الأساسية للبنوك هي حفظ
الأموال وصرفها للعملاء وقت الحاجة، وما سوى ذلك من مهام يحظى بدرجة هامشية من
الأهمية.
صحيح أن البنوك تقوم بإقراض الأموال وباستثمار ودائع العملاء إلا أن
هذا الدور لا يمثل ثقلًا يذكر في الاقتصاد ككل، فطالما أن النفط يصدر وأن الدولة
تنفق الأموال فإن السواد الأعظم من الشعب لن ينتبه لهذا إذا ربحت البنوك أو
-كما هو معتاد- باءت بخسائر فادحة.
ولو تخيلنا أن الحكومة ضمنت ودائع المواطنين، وتم تشغيل البنوك كجهاز
صرف للأموال لا غير، وتم متابعة المدينين حسب الإجراءات القضائية المعتادة، ومع
مراعاة الظروف الإنسانية للبعض، فهل سينهار الاقتصاد الكويتي؟، إذا لم تكن الإجابة
إيجابًا فلم نُنفِق 24 بليون دولار من ثرواتنا الناضبة على خطر ليس
له وجود؟.
وإذا تجاوزنا كل ما سبق وصدقنا غيرة الغيورين على الجهاز
المصرفي الكويتي -الذي لم يحقق للكويت نموًّا ولا تطورًا- فإن مشروع الإنقاذ الذي
يقدمه البنك المركزي يتحدث عن ديون لشركات استثمارية ليس لها ذرة من الأهمية
للاقتصاد الوطني وهي الديون التي تبلغ 1300 مليون دينار أو ما يقارب تكلفة إطفاء
حرائق النفط، فما علاقة إنقاذ هذه الشركات البائسة بالجهاز المصرفي الكويتي؟.
إن الحديث عن أهمية المصارف والبنوك الكويتية للاقتصاد الوطني؛ لتبرير
كل ذلك الهدر فيه تعسف ومبالغة بالنظر إلى حجم التكلفة، وباستبعاد المشروع المقترح
لكل البدائل الأخرى؛ لمعالجة أمر هذه البنوك، وليس من حق المتباكين على الجهاز
المصرفي الكويتي، الذي أصابته لعنة الربا المحرم، وأحلت به النكبات أن يستبدوا في
فرض همومهم على ثروات هذا الشعب، الذي تنتظره صعوبات جمة في طريق استعادته لوطنه
المستقر المزدهر والفياض بالخيرات.
المشروع الذي سيطيح بالدينار
الكويتي
اتخذت القيمة الاسمية للدينار الكويتي أهمية معنوية خلال أزمة
المواجهة مع أحقاد النظام العراقي، الذي حاول هدم هذه القيمة انتقامًا لديناره
المتدهور.
وحينما تحررت البلاد وعادت الحكومة أصر المسؤولون الاقتصاديون على
العودة بدينار قوي ثابت، ونجحوا في ذلك وإن كلف ذلك البلاد نفقات إضافية.
هذا الدينار الذي صمد أمام الغزو الهمجي يوشك أن يفقد قيمته في
المستقبل حين يضطر البنك المركزي إلى حشد مبالغ كبيرة قد لا تتوفر كغطاء للدينار
لو أتيح هدر هذه العشرات من البلايين خلال السنوات القليلة القادمة.
وبعض الاقتصاديين المستقلين أطلقوا تحذيرات من أن تدخل الكويت مصيدة
المديونية في أن تتورط في التزامات مالية مبالغ فيها تعود بعدها غير قادرة على
ملاحقة فوائد الاقتراض المتزايدة مع أقساط القروض في ظل سوق نفطية متذبذبة، وفي ظل
ضعف الثقة بقدرة الكويت الإنتاجية السنوات القليلة الماضية مع ما يحمله المستقبل
من مفاجآت وتكاليف إضافية.
إن ثروات الكويت التي نجت من أعدائها الحاقدين هي بحاجة أن تنجو من
أبنائها إذا ما خانتهم الحكمة، واستبد بهم سوء التقدير ومشروع شراء المديونيات
قضية خطرة تحمل في طياتها عواقب ينبغي أن ينتبه لها العاقلون.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل