العنوان شخصية الحمار في الفكر والادب (12) عاطفة خمنيث نحو حماره
الكاتب جابر قميحة
تاريخ النشر الجمعة 10-فبراير-2012
مشاهدات 80
نشر في العدد 1988
نشر في الصفحة 52
الجمعة 10-فبراير-2012
* الشاعر يرتبط بحماره بمشاعر إنسانية نبيلة من حب وإشفاق وتقدير وإعجاب.
* يذكر اسم بلاتيرو في كل قصيدة عدا ثلاث فهو المحور النفسي الذي ترتكز عليه
كل الأوصاف والانفعالات والمشاعر.
* يتحدث إليه بأسلوب المناجاة الغزلي وتتوهج عاطفة الشاعر نحوه حتى
يذكره أكثر من مرة في القصيدة الواحدة.
وتتعدد الروابط النفسية التي تربط بين الحمار وصاحبه، ولكنها كلها
تحكمها المشاعر الإنسانية النبيلة من حب وإشفاق وتقدير وإعجاب، وهذا هو السر في
إلحاح الشاعر على ذكر أسم بلاتيرو في كل قصيدة من قصائده إذا استثنينا ثلاث قصائد
أو أربعًا في بلاتيرو هو العبارة أو الاسم المحوري في أغلب القصائد أو إن شئت فقل:
إنه المحور النفسي الذي ترتكز عليه كل الأوصاف والانفعالات والمشاعر لا تلك التي
تربط الحمار بصاحبه فحسب، بل تشمل كل العلائق التي تربط بلاتيرو، بالوجود بمفهومه
الواسع بطيوره وبهائمه وجباله ووديانه وأشجاره وأنهاره.
وحديث الشاعر عن بلاتيرو يأتي بضمير الغائب، وهذا هو القليل كما نرى
في قصيدة «الفجر» (ص ١٤٣)، وقصيدة البطاط تمضي (ص ١٠٦)، ولكن الغالب هو حديث
الشاعر لـ "بلاتيرو" مباشرة بطريقة أسلوب المناجاة الغزلية وتتوهج عاطفة
الشاعر نحو حماره حتى يذكره أكثر من مرة في القصيدة الواحدة كما نرى في قصيدة
الحمار العجوز (ص ١٤٢) لا أدري كيف أنصرف وأيا كانت الطريقة التي يتناول بها
الشاعر حماره الفضي بلاتيرو، فإننا نجد لـ "بلاتيرو" مكانه ومكانته حتى
في القصائد التي لم يذكر فيها الشاعر بلاتيرو» يحس بحضور قوي له، لأن الشاعر يتحدث
إلينا ابتداء وفي أعماقه روح «بلاتيرو» وهيمنته النفسية ولأن بلاتيرو - في أغلب
القصائد إن لم يكن كلها - لم يكن مقصودا لذاته، إنما كان مجرد وسيلة نافذة، وبساط
سحري يمتطيه الشاعر للإطلال على عالم الطبيعة الفتان وعالم النفس النوار الفضائل
والرذائل المزايا والنقائص الصور
والرتوش.. الأزهار والأشجار والأنهار والجبال والآبار الفجر والأطفال والرجال
والقسس والأمهات هذا العالم أو هذه العوالم قل: إنها عوالم الشاعر خوان خمنيث،
وأنت مصيب أيضا لو قلت: «عوالم بلاتيرو الحمار أو الجحش اللطيف الذي كان الشاعر
يرى فيه نفسه وفكره وأحلامه. فلا عجب أن يرعاه الشاعر ويحسن رعايته ويصونه ويحسن
له ويهتم بمأكله ومشربه ويعامله معاملة الأطفال الأبرياء والفتيات الرقيقات، فهو
يمنعه الخروج من المنزل لأن في القرية
كلابا جرباء وهو يخشى أن يعضه أحدها، بل إن مجرد تصور ذلك يعتبر بشعاً عند الشاعر
(ص 87) وإذا ما رأى الشاعر الحمير تنظر إلى بلاتيرو في حقد وكراهية وبغضاء لأنها تحمل
أثقال قطوف العنف، بينما هو يجري ويثب حرًا هنا وهناك بلا حمل يثقل كاهله يخشى
الشاعر عليه من شرها وحسدها وحرصًا على سلامته ذهب الشاعر إلى الكرمة المجاورة وحمله عنباً ومضى
به إلى المعصرة على مهل بين الحمير، إنه مشهد تمثيلي أتقنه الشاعر خوفًا على
بلاتيرو من أذى الحمير المتعبة المنهوكة المثقلة بالأحمال ولم يتكرر المشهد لأن
الشاعر تسلل بحماره العزيز بعيدًا عن دائرة الأذى والحسد (ص ۹۷).
ويرفض الشاعر في شدة أن يعير بلاتيرو، الأطفال جاؤوا إليه يرجونه في
ذلك ليذهبوا به إلى حلقة مصارعة الثيران (ص ٩٥) والشاعر يجزع ويألم إذا ما أصيب حماره
الحبيب بأذى كما نرى في هذا المشهد الحزين الذي يتم عن تعاطف الشاعر مع حماره في
صدق دخل بلاتيرو، مرعى الخيل وهو يعرج، فألقيت بنفسي على الأرض ولكن ماذا دهاك يا
صاح؟ فرفع بلاتيرو، رجله اليمنى قليلًا وأراني باطنها دون جهد أو ثقل ودون أن يمس
بحافره الرمل المتقد في الطريق، ونظرت إليه متوسًلا أكثر مما يتوسل إليه طبيبه، داربون
العجوز وأريته باطن رجله الأحمر وقد انغرزت فيه شوكة طويلة خضراء من شوك البرتقال السليم
كأنها خنجر مستدير من الزمرد.
وأخذت أنزع الشوكة منه وقد تألمت لألمه، ثم مضيت به إلى مسيل السوسن
الأصفر لتغسل المياه الجارية جرحه بلسانها الطويل النقي وواصلنا السير بعد إذن إلى
البحر الأبيض، أنا قدامه وهو من وراثي ولا يزال يعرج ويضرب على ظهري ضربًا رقيقًا (ص
۲۳) ويبدأ
الشاعر في موقف مماثل حين رأى بلاتيرو يقذف الدم من فمه ويسعل، ويبطئ في سيره (ص
٥١)
ويكتشف الشاعر أن
دودة من الديدان الماصة قد علقت بلسانه أو بسقف فمه، ولم يقر قرار الشاعر إلا بعد
أن نجح في نزعها من فم بلاتيرو بفرعين من شجرة الكروم اتخذ منهما ما يشبه المقص (ص
٥١)
والشاعر في قصيدة الحب (ص ۲۹) يشير
إلى بلاتيرو ويناديه ليشاركه التملي برؤية آثار القرية، وقد امتلأت بمياه الأمطار
ويناجيه ويقص عليه أيام طفولته وليالي المطر الطويلة التي يؤرقه فيها الخرير
المنتحب للماء المستدير وهو يسقط من السطح في الجب حسنًا يا بلاتير والآن هلم
لأعطيك شربة من هذا الماء الصافي الغض كالشربة التي شربها فيرجاس دفعة واحدة
فيرجاس المسكين الذي احترق جسده من الكونياك والزبيب، (ص ۳۹ - ٤٠)
وانظر كذلك (ص ١٣٤) قصيدة الصنوبر و(ص ١٤٦) قصيدة شارع لاربير، حيث
يقص الشاعر على بلاتيرو. كثيرًا
من ذكريات الطفولة.
وكما أن الشاعر كان
متعاطفًا مع حماره يأنس إليه، ويفرح له، ويحزن لما يصيبه من ألم وأذى، ويرى فيه
مشاعره وأخلاقه نرى أن بلاتيرو يبادله حبًا يحب ولطفاً بلطف ومداعبة بمداعبة، فإذا
ما انطلق الشاعر في رحابة الطبيعة يتملاها ويملأ نفسه بجمالها ويتفيأ ظلالها
وتغمره السعادة فيرفع عقيرته بالغناء، نرى بلاتيرو يغمره ما غمر الشاعر من سعادة
فينهق بشدة مرة ومرة، وكانت الأصداء تردد الصوت في عمق وجلجلة كأنها في قاع بئر
كبيرة. (ص ٤٧)
وإذا ما استلقى الشاعر تحت شجرة الصنوبر يقرأ في كتابه الصغير
و«بلاتيرو» يرعى بين أزهار اللؤلؤ في المرج، يحس الشاعر وهو مستغرق في قراءته بشيء
هائل فاتر يتقدم على كتفيه كأنه صدر حي للسفينة إنه بلاتيرو الذي استوحى من - غير
شك مزهر أرفيو (ص ٦٦)، و«أرفيو» هو أعظم موسيقي عرفه العالم القديم، قيل: - إنه
كان إذا عزف بادرت الوحوش إليه وجثت . تحت قدميه جاء ليقرأ مع الشاعر (ص ٦٦)
وليس هناك ما يشغل بلاتيرو عن صاحبه لا الطبيعة بأطيارها وأنهارها
وجمالها الفتان ولا خضرة المرج التي يسيل لـ للذتها لعاب بلاتيرو، وكأنما عز على
الحمار الوفي أن تشغله شهوة البطن عن صاحبه الحبيب، فكان من حين لآخر يكف عن الأكل
وينظر إليه كما أن الشاعر كان من حين لآخر يكف عن القراءة، وينظر إلى بلاتيرو (ص ۹۳)
فما بين الشاعر وحماره لم يكن مجرد رابطة نفسية عابرة بل كان تشربًا نفسياً،
وتلاحمًا عاطفيًا استغرق نفس كل منهما حتى ليصعب على القارئ أن يتصور أحدهما دون
الآخر.
وسنرى فيما بعد
أن الشاعر كان له رؤيته الفلسفية والاجتماعية الخاصة، وأن هذه الرؤية بما أبرزته
من قيم إنسانية ونقد اجتماعي، وتمجيد للطبيعة، وتغزل في محاسنها كل أولئك لم يتم
إلا من خلال بلاتيرو قد يقال: إنه من الطبيعي أن تنشأ مثل هذه الرابطة الفاعلة بين
حمار وصاحبه، فليس في ذلك خروج على الوتيرة العامة، وليس في ذلك ما يشد النظر، أو
بتعبير آخر ليس في ذلك خصوصية فارقة فالاستجابة والتعاطف والحب والاعتزاز كلها
معان لا تعدمها بين أي حيوان وصاحبه إذا ما أحسن معاملته، وأشيع حاجته
ومع صدق هذه المقولة في
صورتها العامة نري بالنظر إلى شخصية بلاتيرو فارقا كميا وآخر نوعياً: فالعاطفة
الإنسانية المتبادلة بين بلاتيرو وصاحبه عاطفة فياضة بلا حدود، فهي تجمع كل
المشاعر الإنسانية بإطلاق، وقد رأينا كيف أن الشاعر يرى نفسه في حماره، ويبلغ
اعتزازه به درجة يرى معها أنه ليس حمارًا .
ثم إن العاطفة الإنسانية عند بلاتيرو لم تكن وقفًا على صاحبه بل إن
رحابتها تمتد لتتسع للأطفال والحيوانات الأخرى والطبيعة بمسارحها ومغاميها.
فهو يحاول أن يشارك الأطفال مشاهدتهم صندوق الدنيا، ويدس رأسه بين
رؤوس الأطفال على سبيل العيث فيقول له العجوز بدعاية يرتجلها لساعته: هات نقودك (ص
٦٧)
الهوامش:
(*) أدیب ومفكر إسلامي - مصر