; شخصية الحمار... في الفكر والأدب العقاد.. والحمار | مجلة المجتمع

العنوان شخصية الحمار... في الفكر والأدب العقاد.. والحمار

الكاتب الأستاذ الدكتور جابر قميحة

تاريخ النشر الجمعة 02-مارس-2012

مشاهدات 61

نشر في العدد 1991

نشر في الصفحة 54

الجمعة 02-مارس-2012

لعباس محمود العقاد كلام مفيد عن الحمار نشره في المجلدات الثلاثة من يوميات ... ففي المجلد الأول بتاريخ ١٩٥٥/٦/١٨م. وفي سياق أحاديثه عن مذهب التعادلية الذي عرضه الحكيم كتب العقاد وخلاصة هذه الفلسفة - كما يدل عليها اسم الكتاب - أن التعادل هو الحقيقة الأولى في كيان الأرض وكيان الإنسان (ص ۱۰۰) وننتقل من الحكيم إلى حماره القديم، لكنه هنا حمار له زميل أولى بالتقديم، وهو حمار بريدان المشهور في التعادل بين حزمتي البرسيم.

 ضربوا المثل بحمار بريدان، فقالوا: إنه يهلك جوعا بين حزمتي البرسيم عن يمينه وعن يساره، إذا تساوت الحزمتان في اللون والمقدار والرائحة وسائر المشهيات والمرغبات.

لعباس محمود العقاد، كلام مفيد عن الحمار نشره في المجلدات الثلاثة من يوميات

وكان من المضحك أن يصور الفلاسفة حمارهم على هواهم، وأن يتخيلوه واقفا على الحياد بين الحزمتين، فلا يميل إلى هذه أو إلى تلك إلا بمرجح في إحدى الحزمتين.

فلسفة لا يعترف بها 

وهذه فلسفة لن يعترف بها الحمار، ولن يعمل بها في ذلك الموقف، ولا في موقف غيره، لأنه لا يقف فيه على الحياد، ولا يلبث أن يطالب نفسه بالاختيار بين شيئين لا بين حزمتين من البرسيم.

 لا يلبث أن يطالب نفسه بالاختيار بين الأكل أو الموت جوعا ومتى اختار الأكل فإنه ليأكل يمينا أو شمالا، ولا يبالي ذلك التعادل المزعوم بين برسيم اليمين وبرسيم الشمال، فإنه هو لا يقف على الحياد بين الموت جوعا وأكل البرسيم حيث كان. (ص104).

حمار العمدة 

وفي المجلد الثاني يتحدث العقاد عن حمار العمدة فيقول: أول ما يقال عنه: إنه ليس بحمار، وإنما هو جمل السنجق القديم يتقمص أجساد الحمير، ويستعيد اليوم عهداً كاملاً من السلطان، فلا تعنيه قبضة هنا من الحشيش أو هناك من البرسيم. 

وحديث الجمل وسنجقه شرح يطول يذكره الأقلون من الأحياء، وينساه الأكثرون، كان من أمة الجمال ولم يكن من أمة الحمير. 

 وكان السنجق صاحب الجمل أمير الإقليم كله يطيعه الناس كما يطيعون جمله، وعاش الجمل في الحقول، وطغى الجمل على الحمير والبغال والثيران والعجول، وحارت فيه الأيدي والعقول يد لا تستطيع أن تمتد إليه، وعقل لا يهتدي فيه إلى حيلة، ولابد من حيلة تحتال ومن حال تحول وتفتقت الحيلة بعد حين وخافوا متفرقين فتشجعوا متجمعين، وقدموا عليهم وكيلا يتكلم عنهم، إذا بلغوا السنجق راكعين ی ضارعين خاضعين. 

وكانوا ثلاثين وأصبحوا عند باب الديوان عشرين وأصبحوا عشرة عند باب لا الحجرة، وأصبحوا عن الكرسي واحدا فردا من ينظر وراءه فلا يرى وراءه ولا حواليه من أحد، وهو الوكيل الشجاع الأمين:

ما الخبر؟ 

- الجمل يا حضرة السنجق 

وما الجمل؟ 

-  الجمل يا حضرة السنجق وحيد فريد بلغ سن الزواج في عزك وجاهك ولا بد له من خطيبة قريبة والخطيبة القريبة عند هؤلاء يعودون بها اللحظة إن أمرتم باللقاء (ص ١٤٨). 

وأمر السنجق باللقاء، وعاد الوكيل الأمين إلى موكليه ليقول لهم: إن أسماءهم مقيدة في الديوان، فإن لم يعودوا بالناقة قبل أن يبرح السنجق مكانه لم تبق منهما اسقاط سياسي غير تلك الأسماء.

 إسقاط سياسي

ويبرز العقاد ما في هذه الحكاية من إسقاط سياسي فيقول: «وجلية الخبر في قصة حمار العمدة أنه الجمل القديم الذي ظفر بالناقة، وأنه كان يتطلع إلى الأتان ولا يعلم كيف دار الزمان، فإذا نجا بجلده وأمن ن غائلة عهده فقد هان على الجلد السليم ضربة أو ضربتان (ص) (128) (أخبار اليوم) 1955/7/2

وفي المجلد الثالث، يكتب العقاد عن الظلم الواقع على الحمير، فيقول: مثل جديد من أمثلة الظلم الذي يثبت بالإشاعة. وهو غباوة الحمير بين الحيوانات، وليس الحمار بالغبي في زمرة الحيوانات، ولكنه عنيد إذا أراد العتاد الأمر لا يفهمه غيره. 

يقول عنه من أمثلة ظلم الحمار الإشاعة بأنه غبي وهو ليس كذلك بين الحيوانات... ولكنه عنيد إذا أراد العناد الأمر لا يفهمه غيره 

يدلل العقاد على ذكاء الحمير بقصة الحمار الذي سرقه لص فأرادت الشرطة أن تعرف صاحبه فأطلقته فذهب إلى منزل صاحبه دون عناء

وفرق بين الغباوة والعناد، وإن يكن عتادا غير مفهوم، فأما فيما عدا هذا العناد فالحمار فهيم، بمقاييس كثيرة من التي يقاس بها ذكاء الحيوان، ومنها مقياس الأسماء، فالحيوانات التي تقيم معنى التسمية ذات شخصية تدرك علاقتها بغيرها، وتتفاهم مع الآخرين، والحمار يعرف الاسم الذي يطلق عليه

 شهادة إنصاف 

وليس كذلك البقر ولا الغنم ولا الطير الذي لا يخطر على بال أحد أن يتهمه بقلة الفطنة والذكاء فإنك تدعو هذه المخلوقات بما شئت من الأسماء فلا تلتفت إليك ونوق هذه الشهادة إنصافاً للحمير: المناسبة الخبر الذي قرأته مكتوبا بصيفة العجب والدهشة؛ لأن حماراً سرقه لص البهائم في قويسنا»، وامتحنه رجال الأمن بإطلاقه في الطريق ليعرفوا صاحبه بالمكان الذي يهتدي إليه، واهتدى الحمار إلى بيت صاحبه بغير عناء.

 هذا كثير على الحمير؟ كلا، فحسبها ما تحمله ظلما فوق طاقتها فلا نصق عليه بهذا الحمل الغسوم، بل أريد أن أكون منضبطا بغير محاباة فأقول: إن الإصرار على طريق واحد قد يكون من أدلة الخصوم على هذا الحيوان الصبور.

 دلیل عکسی 

فكثيراً ما يصر الحمار على طريق واحد فيذهب براكبه وبنفسه إلى حيث یکرهان، وأذكر بعد الحرب العالمية الأولى نني كنت أقيم بإحدى الحجرات المفروشة في شارع عبد العزيز، وكان في الشارع حانة تبيع المسكرات من جميع الألوان لأن الفرق بين أصناف الخمر جميعا في تلك الحانة إنما هو فرق في الصباغ وكان من زبائنها رجل كسيح يشرب حتى بهذي، فيضعه صاحب الحانة على حماره ويتركه ليصل به إلى البيت، ولكن الحمار تعود أخيرا أن يذهب بعض خطوات إلى قسم عابدين ليقف هناك ساعة ريثما يكتب المحضر اللازم لراكبه تنفيذاً لحكم القانون على من يقلقون راحة النيام بالصخب والصياح.. وفي ليلة من الليالي علب السكر صاحب الحمار على لسانه منام ولم يخالف القانون، أما الحمار فلم بعد عن سكته الأخيرة وذهب بالرجل إلى القسم الإجراء اللازم، ولم يتمتع من موضعه إلا بإقناع شديد، ربما جاوز الحدود في قانون الرفق بالحيوان.

ومن أراد أن يبالغ في الإنصاف فله أن بحسب هذا الخلق الحماري من فضائل الثبات فلا يضر على معشر الحمير بشهادة الذكاء مع شهادة حسن السير والسلوك» (ص (١5٦) (صحيفة الأخبار) 1955/١٢/12. 

طائر يعود لفننه

شعر الدكتور: عبد الرحمن على الحجي

 مهداة إلى الأباة الذين فهموا معنى قوله تعالي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا الله يَنصُرُكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (محمد). بذلك سعوا للانعتاق من ربقة الخوف إلا من الله تعالى واهب النصر لأهل دعوته العاملين الخير الناس تحت شعار: (وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم) (آل عمران)، بذلك عشقوا الحرية، فعادوا إلى محاضتها الدافئة، كيف وحيث غدا كل ذلك من الأولويات لديهم، فعبروا عن "لقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا"

كان حراً طائراً نحو العلا *** فغدا عبداً دخيل المحبس

ما دهاه والفضا في ملكه *** أمراً يُرْقَى نَقِي النَّفْسِ

كان يأبي وبإصرار المدى *** أن يكون في الورى مندرس

كيف يرضى بالخروج سلعة *** تحت حُكْمَ مِنْ بَغَى مَرْتَكَس

أين ذاك الطائر الحر الأبي *** يتغنى شاديا للأنفس؟

زل عنه الخير من يوم ارتدى *** ثوب أحلام الغني مخترس

لا غنى إِلَّا الْعُرَى تَلْزَمُهَا *** غَرْزُهَا يُعْلِي عَداهَا الْمُفْلِسِ 

ذاك خَيْطُ سَمْكُهُ مَرْتَهَنَّ *** عِنْدَ مَنْ يَرْجُو بفقهِ الغُلَس

لا تحل القول تبريراً له *** لو بدا في ظاهر القول رسي

لا تحط الرجل إلا حاسبا *** للوجود من جميع الأنفس 

السيرة المثلى إمامًا يهتدى *** أفقها دوما أمين الخرس 

الدنا زينة هيأت أردانها *** بتبارير ثياباً تكتسي 

فتثبت طائراً كيما ترى *** للغلا دوماً يَجُولُ يأتسي 

عندها تبقى سليما يرتوي *** بمعِينِ النَّبِعِ زلالًا يَحْتَسِي

أملي أَنْ تَرْجِعُ حالاً إلى *** حالك الميمون أحلى ملبس

ذلك رأيي والخيار ما بدا *** اللهُ يَهْدِي للنقي الْأَنْفُسِ

الرابط المختصر :