العنوان شخصية «الحمار» في الفكر والأدب (۱۱)- الشخصيات الأدبية للشاعر الإسباني «خمنيث»
الكاتب الأستاذ الدكتور جابر قميحة
تاريخ النشر الجمعة 03-فبراير-2012
مشاهدات 62
نشر في العدد 1987
نشر في الصفحة 64
الجمعة 03-فبراير-2012
* براعة «خمنيث» في رسم الشخصيات السوية لا تقل عن براعته في تصوير الشخصيات الشاذة المتخبطة.
* الشاعر يبرز الروابط النفسية القوية التي تربطه بحماره وقد بلغ بها حد «الحلول الروحي».
مازلنا مع مختارات من الأدب الإسباني حول شخصية الحمار.. مع الشاعر والكاتب الإسباني «خوان رامون خمنيث». ومن الشخصيات الشاذة التي عرض لها «خمنيث»:
١- شخصية «جابي الرسوم» الذي يحصل من المارة ما يشبه الرسوم الجمركية بطريقة فيها قسوة ووحشية، حتى أنه لا يتورع أن ينفذ شوكته في البضائع والأخراج التي يحملها الناس «وهو رجل غامض على راسه قلنصوة، ومعه شوكة يكشف عن وجهه القبيح في ضوء لفاقة التبغ» (ص ١٢).
٢- «دون خوسيه» القديس الذي يفهم الدين على أنه وظيفة، أما سلوكه العملي في معاملة الناس وخصوصًا الأطفال فهو يمضي يتحدث بلسان عذب، ولكن الشيء الملائكي في الواقع هي أتان السيدة (ص ٢٧) «لعل ترجمة العقاد أدق وأوضح ونصها: إنه يمضي مجللًا بالقداسة مترعًا بالكلم المعسول، إلا أن الشيء الملائكي حقًا في الانه إنها سيدة« (شعر أندلسي، ص ١٧١).
وهو يقذف الصبية الذين يسرقون البرتقال بالأحجار والألفاظ ( ص ٣٧).
ولا يرحم خادمه البائس «بلتزار» ويبعث به إلى السوق أيام الجمع ليبيع مكانسه الحقيرة، وعلى الرغم من مرضه وتورم قدمه؛ فإنه يسعى إلى السوق يجرها كأنه نفاخة في السيرك (ص ٣٧).
٣- بنتو الأبله المجنون: ذلك الذي كان يعدو في الشارع الجديد، وهو عريان، في صباح مائي، يقذفه الصبيان بالأحجار... أو في الشفق الشتوي يمضي خافضًا رأسه ويتعثر في الطريق، وهو يجتاز طوابي المقبرة القديمة إلى طاحونة الهواء إلى كهفه الذي لا يدفع له إيجارًا، قرب الكلاب الميتة وأكوام القمامة ومع الشحاذين الغرباء (ص ١٢١).
٤- «لبياني» المعلم المنهوم الذي يشارك تلاميذه طعامهم وليلتهم ويلتهم شطائرهم، فهو يعمد بدعوى الإخوة في الله ودعوى أن الأطفال يقتربون منه على نحو ما يشرح ذلك بطريقته إلى أن يشارك كل طفل طعامه في أمسيات الريف الذي يتردد عليه، وهكذا يأكل وحده ثلاثة عشر صنفًا (ص١٢٦).
٥- الأعمى الذي يعيش على بيع لبن الآتان: ويظهر أن هذا اللين كان تجارة رائجة، فقد كان يتعاطى في ذلك الوقت علاجًا للسعال.
وهذا الأعمى على الرغم من أفته لا تعرف الرحمة إلى قلبه سبيلًا، ولا يرى الخراب الذي يلحق بأثاثه في كل يوم وكل ساعة، فهو يحاول أن يستنزف لبنها إلى آخر قطرة.. ويحاول أن يكون مورد لبن لا ينقطع ولن يكون ذلك إلا بإجبارها على الحمل فاللبن مرتبط بالحمل والأمومة.
والأعمى يضرب بعصاه يمينًا وشمالًا خلف الأتان المسكينة التي كانت تعدو في المروج، وتكاد تكون جالسة في العشب المبتل، وكانت الضربات تقع على شجرة البرتقال، أو على الباعورة أو في الهواء، وهي أضعف من الإيمان التي لغلظها من شأنها أن تهوي ببرج الحصين، والآتان المسكينة لا تريد أن تحمل مرة أخرى، وجعلت تتقي القدر بأن تصب في الأرض العقيم، كما كان يفعل أونان، الهبة التي يهبها إياها حمار سفيه.
وبراعة «خمنيث» في رسم الشخصيات السوية لا تقل عن براعته في تصوير الشخصيات الشاذة المتخبطة كحديثه عن الغجرية (ص١٣٩)، و«سريتو» الخادم الأسود (ص ۹۹) و«ليون» (ص ١٥٨) و«الأم تريزا» التي احتضرت وهي تهز بالأزهار (ص ١٤٤)، وتتوهج عاطفة الشاعر عندما عرض للطفولة والأطفال، وتشدنا كلماته وحرارة مشاعره التي تتدفق بالأبوة والأمومة، ومن أرقى وأنقى لوحاته في هذا المجال
قصيدته «الطفل والأبله»، الذي كان الشاعر يراه دائمًا جالسًا على كرسيه أمام باب منزله ينظر إلى الذاهبين والغادين، كان طفلًا من أولئك الأطفال التعساء الذين لم تتأت لهم قط نعمة الكلمة ولا نعمة الرحمة، كان طفلًا فرحًا تحزن رؤيته، هو كل شيء وليس شيئًا للآخرين (ص ۲۸)
يشير الشاعر إلى قصة أدنان، التي ورد ذكرها في الإصحاح ٣٨ من سفر التكوين، وكان يهوذا قد قال له: «ادخل على امرأة أخيك وتزوج بها وأقم نسلًا لأخيك، نعلم أوتان أن النسل لا يكون له، فكان إذا دخل على امرأة أخيه أنه أفسد على الأرض؛ لكيلا يعطي نسلًا لأخيه، فقبح في عيني الرب ما فعله فأماته أيضًا» (هامش ص ١٤٨).
أما عمر هذه الصور بفن التشخيص وصدق العاطفة وحرارة الشعور فهي صورة الطفلة الصغيرة.
كانت الطفلة الصغيرة مجد بلائيرو، لا يراها نحوه بين الشجيرات ذات الأزهار البيضاء والحمراء في ثوبها الأبيض وقبعتها المصنوعة من قش الأرز وهي تناديه بحنان، بلاتيرو بلاتيرو! حتى يود لو حطم الزريبة وقفز كأنه طفل ونهق بجنون.
تمضي في ثقة عمياء مرة أخرى من تحته، وتلطمه لطمات وتترك له يدها وهي ناردين طاهرة في ذلك الفم الوردي الكبير المزدان بأسنان كبيرة صفراء، أو تأخذه من أذنيه اللتين يضعهما في متناول يدها وتناديه بشتى صيغ التدليل لاسمه:
بلاتيرو وإبلاتيرون بلاتيرو بلاتيريتي بلاتيرتشو، وفي الأيام الطويلة التي أبحرت أثناءها الطفلة في مهدها الفجري أسفل النهر نحو الموت، ولم يذكر أحد بلاتير، وكانت في هذيانها لناديه بحزن بلاتيرو.. (ص ۱۰۷)
بلاتيرو.. الملامح والأبعاد
في بساطة وعفوية برسم الشاعر في صدر ديوانه صورة حسية لحماره بلاتيرو مبينًا عن التعاطف الصادق بين الحمار وصاحبه؛ بلاتيرو صغير كث الشعر، رقيق، بض من ظاهره حتى ليجوز أن يقال: إنه كله من القطن لا عظام فيه، كل ما هنالك أن مرايا عينيه اللتين من الكهرباء السوداء صلبة كجعرانين من زجاج أسود.
اتركه طليقًا فيمضي إلى المرج ويداعب بفمه الأزهار الوردية والسماوية والصفراء ولا يكاد يبلها.
أدعوه بعذوبة «بلاتيرو» فيقبل نحوي في ركض مرح يبدو معه أنه يضحك، وفي صلصلة مثالية لا أدري كنهها، يأكل كل ما أعطيته، فيستطيب البرتقال الحامض والأعشاب المسكية كلها عنبر، والتين البنفسجي بقطراته الزجاجية التي من العمل، رقيق مدلل كالطفل والطفلة.. لكنه قوي وصلب في باطنه كالحجر حين أمضي به أيام الأحاد في أزقة القرية ينظر إليه أبناء الريف ويقولون فيه فولاذ فيه فولاذ وفضة قمرية معًا (ص۱۱).
معايشة الحمار
ويشخص الشاعر حماره «بلاتيرو» متحدثًا إليه وعنه كأنه شخصية عاقلة فيها الكثير جدًا من السمات البشرية، وهذه المعايشة بهذا التصور تنسي الشاعر أحيانًا حمارية بلاتيرو، يظهر ذلك في المحاورة التالية بين حارس الروضة و«خمنيث» الذي كان يهم بدخولها هو وحماره:
«وهنالك في الباب إذ أهم بدخول الروضة يقول لي الرجل الأزرق الذي يحرسها بعصاه الصفراء: يمنع دخول الحمار يا سيدي.
يا سيدي الحمار؟ أي حمار؟ قلت له ذلك وأنا أنظر فيما وراء «بلاتيرو» وقد نسيت بطبيعة الحال صورته الحيوانية.
- أي حمار كان يا سيدي؟ أي حمار؟
- عندئذ عدت إلى الواقع، وإذا كان «بلاتيرو» لا يجوز له أن يدخل لكونه حمارًا وأنا لكوني إنسانًا لا أريد أن أدخل، وإنما أمضي معه مرة أخرى والنافذة في أعلى، وأنا أدلله وأتحدث إليه عن شيء آخرا. (ص ١٠٢-١٠٣)
ويدعوه الشاعر إلى الذهاب إلى المدرسة مع بقية الأطفال: ليتعلم الألف والياء والتاء وكتابة رسم الحروف: ليعرف أكثر مما يعرف طبيب «بالوس وراهيتها» (ص ١٦)
دعوة مشهورة
ويرفض الشاعر بشدة تلك الدعوة العريضة المشهورة التي تصف الحمار بالحمق والغباء، وتخلع على الإنسان الغبي صفة الحمارية، كما نصت على ذلك المعاجم، وهو يبرئ الحمير خصوصًا «بلاتيرو» من هذه الوصمة المزعومة:
«يا لك من حمار مسكين، وأنت من أنت في طيبتك ونبلك وحدتك أنت الذي صفته الحقة كونك قصة من قصص الربيع، إنه الأجدر بالإنسان الطيب أن يقال له: حمار وأجدر بالحمار الخبيث أن يقال له: إنسان.... وأنت المثقف صديق الكهل والطفل والمثيل والفراشة والشمس والكلب والزهر والقمر، صبور متأمل حزين رضي النفس، أه لو عرف رأس بلاتيرو الصغير الشعر (ص ٧٥)
ويبرز الشاعر الروابط النفسية القوية التي تربط بينه وبين حماره، وقبل أن نفصل مظاهر هذه الروابط نقرر أن الشاعر قد بلغ بها إلى حد «الحلول الروحي» حتى أنه يرى نفسه وأحلامه في حماره الحبيب: إني أعامل «بلاتيرو»، كما لو كان طفلًا، فإذا كان الطريق وعرً يثقل عليه قليلًا نزلت لأخفف عنه، ثم أقبله وأخادعه وأناوشه.
عندئذ يعلم أني أحبه، ولا يحمل لي حقدًا، فهو شبيهي، ومختلف عن الآخرين بحيث انتهيت إلى أنه تراوده نفس أحلامي (ص ٦٠).
(*) أديب ومفكر إسلامي - مصر