; المجتمع التربوي (1192) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1192)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 19-مارس-1996

مشاهدات 70

نشر في العدد 1192

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 19-مارس-1996

• وقفة تربوية

• شخصية أبنائنا «٢»

كان "الرسول"- صلى الله عليه وسلم - يردف "ابن عباس" خلفه على بغلته وهو غلام لم يبلغ الحلم ويلقنه أعظم دروس في العقيدة.. وذلك ما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله...» الحديث، ولم يقل هذا غلام صغير كيف سيفهم هذه الأمور العقائدية الكبيرة؟ بل مضى في تلقينه إياها ليبني منه شخصية عظيمة بالحوار وإعطاء المفاهيم والقيم منذ نعومة أظفاره، وفعلًا كان ابن عباس ممن يشار إليه "بالبنان".

في دراسة حديثة أجرتها بعض المعاهد المتخصصة تبين أن معظم العباقرة في العالم يشتركون معًا في سبب واحد، وهو «تلقيهم لمعلومات أكبر من أعمارهم وهم في سن الطفولة».

والسيرة تخبرنا أن "الرسول"- صلى الله عليه وسلم- كان يشرك أولاد الصحابة في مجلسه وفي أسئلته، ومنهم "عبد الله بن عمر" الذي كان حاضرًا عندما سأل "الرسول" أصحابه عن الشجرة التي تشبه المؤمن، فخاض الصحابة ولم يعرفوا أنها النخلة، وعرف "ابن عمر" ذلك ولكنه خجل أن يتكلم في حضرة أشياخ قريش، فلما انفض المجلس أخبر عبد الله أباه بأنه كان يعرف الجواب، فقال له "الفاروق": «كان أحب إلي لو قلتها». هكذا إذن هي تربية الأبناء لتكون لهم شخصية قوية، يجب إعطاؤهم المجال للحديث في المجالس، وعدم مقاطعتهم، وإظهار الاهتمام بحديثهم، ومناقشتهم، وفتح الحوار معهم بجميع القضايا، والابتعاد عن عبارات التسكيت والتحقير، وإحضارهم مجالس الكبار وتلقينهم وهم صغار معلومات كبيرة وأخذ آرائهم في القضايا البيتية والوطنية والإسلامية، ومشاورتهم وعدم الفرض عليهم باختيار الحلوى والشيكولاتة والملابس التي يريدونها.. كل ذلك من شأنه تقوية شخصياتهم وتفتيق ألسنتهم والقدرة على المواجهة للجميع دون خجل.

أبو خلاد

 

• تنبيهات للدعاة

• بيان أهمية القراءة والاطلاع

إن التعطش إلى القراءة سمة من سمات الحضارة في عالم اليوم، وتعلم القراءة ذو أهمية بالغة وأثر واضح في حياة الإنسان، ومما يؤكد أهمية القراءة أن أول آية نزلت على الرسول الأمين - صلى الله عليه وسلم - في القرآن الكريم تصدع أولى كلماتها بالقراءة، وهي مفتاح التعلم، وذلك في قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق: ۱) والإسلام يدعو إلى القراءة الواعية المتدبرة الدقيقة المتأملة، ويحث على القراءة الفاحصة التي تجعل من يمارسها لا ينحرف عن تعاليم الإسلام، ولا يتنكب عن الطريق المستقيم؛ لأنها سبيل الإنسان للحصول على المعرفة الخالصة لوجه الله، والتحرر من العبودية لغير الله تعالى، والسنة النبوية تشيد بالقراءة وتنوه بشأن العلم.. فقد كان - صلى الله عليه وسلم - يشجع على التعلم قولًا وعملًا، «ففي غزوة بدر جعل فداء الأسير الذي يعرف القراءة والكتابة تعليم عشرة من صبيان المسلمين» «المكتبة بيئة العلم والثقافة والبحث».

أخي الداعية: ما ضر الداعية بدلًا من صرف الوقت بما لا ينفع، تناول كتاب لقراءته وتلخيصه، أو الاستماع إلى محاضرة إسلامية، أو المطالعة في كتب الصحابة وآثارهم والعيش مع أنفسهم.. «قيل "لعبد الله بن المبارك": إذا أنت صليت لم تجلس معنا؟ قال: أجلس مع الصحابة والتابعين، أنظر في كتبهم وآثارهم، فما أصنع معكم؟ إنكم تغتابون الناس» «سير أعلام النبلاء».

والدعوة الإسلامية كما هو معلوم لا تقوم إلا على الرجال العالمين الذين يبذلون الغالي والنفيس في خدمة دينهم ودعوتهم، فهذا الإمام البنا يصف هذا الصنف من الدعاة فيقول: «قد سهرت عيونهم والناس نيام، وشغلت نفوسهم والخليون هجع، وأكب أحدهم على مكتبه من العصر إلى منتصف الليل عاملًا مجتهدًا ومفكرًا مجدًّا، ولا يزال كذلك طوال شهره حتى إذا ما انتهى الشهر جعل مورده لجماعته، ونفقته لدعوته، وماله خادمًا لغايته ولسان حاله يقول لبني قومه الغافلين عن تضحيته: لا أسألكم عليه أجرًا إن أجري إلا على الله» «مجموعة الرسائل».

• السبيل إلى محبة القراءة

١- النظر بالقلب: إن الداعية القارئ إذا فتح الكتاب ليقرأ يجب عليه أن يركز فكره وناظريه على الصفحة التي يقرؤها، كما يجب أن يفرغ قلبه ليتلقى العلم، كما يقول شيخ الإسلام "ابن تيمية" - رحمه الله-: «وكذلك من نظر إلى الأشياء بغير قلب، أو استمع إلى كلمات أهل العلم بغير قلب فإنه لا يعقل شيئًا، فمدار الأمر على القلب، وعند هذا تستبين الحكمة من قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ (الحج: 46).

٢- العمل بما يقرأ: يقول الإمام "ابن القيم"- رحمه الله-: «العمل لقاح العلم، فإذا اجتمعا كان الفلاح والسعادة وإن انفرد أحدهما عن الآخر لم يفد شيئًا».

3- قراءة ما تميل إليه النفس مع التدرج: وهذه تكون نقطة البدء عند الداعية يقرأ ما تميل إليه نفسه، حتى يوطن نفسه على حب القراءة والاطلاع، ثم ينطلق بعد ذلك كما انطلق إبراهيم الحربي رحمه الله بعد دروس اللغة حيث يخبرنا عنه "ثعلبة"- رحمه الله- فيقول: «ما فقدت "إبراهيم الحربي" من مجلس لغة ولا نحو خمسين سنة».

٤- معرفة همة علماء النفس: يخبرنا الإمام "أسد بن الفرات" عن نفسه عندما غادر "تونس" إلى "بغداد" فيقول: «كنت أبيت في سقيفة بيت يسكن فيه «محمد بن الحسن» في علوه، فكان ينزل إلي ويضع بين يديه قدحًا فيه ماء ثم يأخذ في القراءة، فإذا طال الليل ورآني نعست ملأ يده ماء ونضح به على وجهي فأنتبه.. فكان كذلك دأبي ودأبه حتى أتيت على ما أريد في السماع عليه».

٥- اختيار الوقت المناسب: هذا أحد علماء السلف الصالح يوضح لنا أهمية هذا المعنى فيقول: «إن أجود الأوقات للحفظ الأسحار، وللبحث الإبكار، وللكتابة وسط النهار، وللمطالعة والمذاكرة الليل».

٦- التنويع بالقراءة: لقد كان "ليحيى بن خالد" وصية خالدة لابنه حين قال له: «عليك بكل نوع من العلم، فإن المرء عدو ما جهل، وأنا أكره أن تكون عدو شيء من العلم، وأنشد:

تفتن وخذ كل علم فإنما               يفوق امرؤ في كل فن له علم

فأنت عدو للذي أنت جاهل            به ولعلم أنت تتقنه سلم

٧- الدعاء: فلقد كان من دعائه - صلى الله عليه وسلم-: «وقل رب زدني علمًا» فليكثر الداعية من الدعاء ويلح على الله عز وجل ويدعوه بأن يوفقه لطلب العلم وحب القراءة والاطلاع، إنه على كل شيء قدير.

خالد يوسف الشطي

الرابط المختصر :