; شجاعة الجبناء | مجلة المجتمع

العنوان شجاعة الجبناء

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 07-يناير-2006

مشاهدات 125

نشر في العدد 1684

نشر في الصفحة 37

السبت 07-يناير-2006

الشجاعة عمل عظيم، وخصلة مبهرة وتضحية مقدرة إذا وقعت في مكانها، ووقتها، وفي ميادين تحتاجها لنصرة مظلوم أو دفع بلاء، أو منازلة عدو، الشجاعة عزمة جسورة، وبطولة ميمونة، وفعل مشكور وفضيلة مقدرة في المواقف النبيلة والأعمال السديدة، والأفعال المحمودة، الشجاعة تضحية في سبيل الغير، وإقدام للدفاع عن مبدأ، أو عقيدة، أو إقرار معروف وزرع خير وطلب لثواب يحصله الإنسان في دنياه وأخراه، أما أن تصبح الشجاعة عملًا فاضحًا، أو فعلًا شائنًا، أو ظلمًا بينًا، أو منكرًا ظاهرًا، أو إقدامًا خسيسًا، أو بقيًا على الحق وتأييدًا للباطل، فإن ذلك شيء لا يمت إلى الشجاعة بصلة، ولا يتصل بها بسند، ويكون خصلة مفضوحة، وصفة ذميمة وطبعًا لجبان، وعملًا لسفيه يلفه ويطارده:

إن السفاهة طبع في شمائلكم *** لا بارك الله في القوم الملاعين

ولقد بليت الأمة هذه الأزمان بخفافيش جبانة تستأسد في الباطل وتستنوق في المكرمات:

خفافيش أعياها النهار بضوئه *** ولاء مها قطع من الليل مظلم

كما نحست الأمة بجرذان لا استقواء لهم إلا على بني جلدتهم ولا شجاعة لهم إلا على أقوامهم وأهلهم، وهذا شأن كل جبان لا يستقوى على عدو أو مغير أو ظالم، ولا يجرب نفسه في المكرمات والفضائل أورد عدوان ودفع صائل:

وفي الهيجاء ما جريت نفسي *** ولكن في الهزيمة كالغزال

والأمة اليوم تحتاج إلى رجال وتفتقر إلى شجاعات لا إلى ملاعين جبناء، ولا إلى أقزام خبثاء، لقد دخل العدو إلى قلب الأمة واحتل فلسطين في أجواء الاستقرار واستنسار بغاث اليهود، ووصفت «إسرائيل» ب «المزعومة» من جبناء في ميادين القتال ولكنهم أسود على شعوبهم وتعملقت «إسرائيل»، وصرنا نحن المزعومين وارتمى الجبناء تحت أقدام اليهود لحماية عروشهم، وجاءت أمريكا واحتلت قطرًا آخر وسار في ركبها الجبناء، وارتموا تحت أقدامها، واستمر الاستئساد على الشعوب العزل المساكين، حتى ضح لأجلنا العالم لما يرى من الدماء المسكوبة والإنسانية الممتهنة.

ولقد أظهرت قواتنا المصرية شجاعة منقطعة النظير أمام السودانيين العزل لم تستطع أن تظهر مثلها حين قتل العدو الإسرائيلي أبناء الشعب المصري عند معبر رفح منذ نحو عام فقد هبطت عليها في حينه حكمة التأني والتمهل، ثم هبطت عليها نعمة النسيان!

إن أبشع المذابح التي تعرض لها الشعب المصري في تاريخه الحديث لا تصل لبشاعة المذبحة الأخيرة، وما زال الشعب المصري يذكر حتى الآن في كتبه وفي ضميره وبألم بالغ، مذبحة دنشواي باعتبارها دليلًا على البربرية وذلك حين أعدم الإنجليز ستة من فلاحي قرية دنشواي في ٢٨ يونيو ١٩٠٦، وظل ذلك الحكم في الوطنية باعتباره عملًا وحشيًا، الآن قتل خمسة وعشرون مواطنًا سودانيًا ومن دون سبب على الإطلاق، فكيف تسمي هذه المذبحة؟! ما زالت مصر تذكر مذبحة الإسماعيلية في 16 أكتوبر ١٩٥١ حين أطلقت المدرعات البريطانية النار على أفراد متظاهرين فقتلت منهم سبعة أفراد؟! وظلت تلك المذبحة في ضمير المصريين وتاريخهم باعتبارها -هي الأخرى- عملًا بربريًا، فكيف الحال مع قتل وسحل خمسة وعشرين مواطنًا سودانيًا فيهم أطفال صغار؟، هل تفارق هذه المذبحة ذاكرة مصر أو السودان أو العالم كله؟ وهل ينسى الناس أسماء القتلة والسفاحين.

لقد دعت منظمة هيومان رايتس ووتش لمراقبة حقوق الإنسان إلى إجراء تحقيق مستقل في وفاة ٢٥ لاجئًا سودانيًا أثناء فض الشرطة لاعتصامهم في القاهرة صباح الجمعة ٢٠٠٥/١٢/٣٠م.

وقالت المنظمة الدولية ومقرها نيويورك في بيان يوم السبت «اليوم التالي للمذبحة»: «ينبغي أن يشكل الرئيس حسني مبارك -على وجه السرعة- لجنة مستقلة للتحقيق في استخدام قوات الشرطة القوة ضد المهاجرين السودانيين».

وقال جو ستورك دير نائب مدير فرع المنظمة الكبير بالشرق الأوسط: «عدد الضحايا الكبير يشير إلى أن الشرطة تصرفت بوحشية مفرطة، لم تكن قوة شرطة تتصرف بمسؤولية لتسمح بوقوع مثل هذه المأساة.

وكانت قوات الأمن قد اقتحمت حديقة عامة بمنطقة المهندسين يقيم فيها نحو ٣٥٠٠ سوداني أمضوا ثلاثة أشهر للمطالبة بإعادة توطينهم في بلد ثالث

وقال شهود إن الشرطة ضربت اللاجئين بالهراوات واستخدمت مدافع المياه لإخراجهم من الحديقةوقال ستوركالدم لم يجف من على الأرصفة، فيما بدأت الحكومة بالفعل تلوم المهاجرين السودانيين، وفي ضوء السجل الرهيب لوحشية الشرطة في مصر، ينبغي تشكيل لجنة مستقلة وتحديد المسؤولية ومعاقبة المسؤولين.

وكانت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين -التي تتخذ من سويسرا مقرا لها- عبرت عن أسفها الشديد لمقتل طالبي اللجوء، مؤكدة عدم وجود أي مبرر للعنف في التعامل مع المحتجين

كما أعربت الولايات المتحدة عن حزنها للحادث، وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية آدم إيرلي: «نشعر بالحزن على مقتل سودانيين في القاهرة، ونقدم تعازينا إلى عائلات الضحايا ونعرب عن تعاطفنا مع المصابين».

وأضاف المتحدث أن السفارة الأمريكية بالقاهرة اتصلت بالسلطات المصرية والوكالات الأخرى المعنية لجمع المعلومات حول ملابسات الموضوع.

ومن جهته أعرب الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان عن أسفه الشديد لمقتل اللاجئين السودانيين، وبينهم أطفال على أيدي قوات الأمن المصرية، وقال في بيان له: «إن موتهم يشكل مأساة فظيعة لا يمكن تبريرها»..

وشجب الأمين العام للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان حافظ أبو سعدة، تعامل السلطات المصرية مع اللاجئين، وطالب بتحقيق دولي في الموضوعكما طالب بعدم ترحيل اللاجئين وتوفير مساكن لهم تتحمل مفوضية اللاجئين تكاليفها، كما قدم نواب الإخوان المسلمين استجوابات وطلبات إحاطة عن هذه الجريمة البشعة.

ولكن يبقى السؤال المطروح إلى متى هذا الامتهان وهذه الشجاعة الفارغة ضد الشعوب وإلى متى تظل الشعوب تقتل بغير محاسبة للجناة؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2099

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 1

1134

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان