; تأملات تاريخية- شتان بين جاه الدعاة وجاه المدجلين | مجلة المجتمع

العنوان تأملات تاريخية- شتان بين جاه الدعاة وجاه المدجلين

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 04-مارس-1986

مشاهدات 51

نشر في العدد 757

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 04-مارس-1986

  • تاريخنا الإسلامي الحديث حافل بنماذج عديدة من الدعاة الذين حملوا راية الإسلام في وجه الكفر والطغيان والتسلط غير عابئين بما يصيبهم في سبيل ذلك من أهوال ومصائب، ومن هؤلاء داعية تركيا الأستاذ النورسي الذي قضى طيلة حياته بين جدران السجون أو بين النفي والتشريد والمراقبة الشديدة إذ إن سيرة حياة هذا الرجل الكبير تعد أعجوبة من أعاجيب الدهر حقًا فهو لم يذق طعم الحرية مثل الناس أبدًا. 

كان ما أن يخرج من محكمة حتى يساق إلى محكمة ومن سجن إلى سجن، فما لانت له قناة وما وهنت له عزيمة ولا تراجع عما يؤمن به قيد أنملة، بل ازداد إصرارًا، ففي إحدى رسائله التي كان يوجهها إلى رئيس الجمهورية، ورئيس الوزراء، خاطبهما بقوله: 

«إنني غير مهتم بالأحكام التي ستصدرونها بحقي، لقد ناهزت الخامسة والسبعين، أي سعادة لي أعظم إذا رزقت الشهادة ختامًا لحياتي؟» 

ومرة قدم للمحاكمة بتهمة التحريض على الإخلال بالأمن الوطني فرد على التهمة قائلًا: 

«أتفترضون أيها الحكام أنني أعمل لغاية نفعية، ها أنذا أمامكم شيخ يحمل على كتفيه أثقال الثمانين، رجله في القبر، فقير لا أملك من متاع الدنيا شيئا، لا مال ولا عقار، فماذا ترونني صانعًا وأنا في هذه السن بمتع هذه الحياة الدنيا؟ لقد قضيت حياتي فوق ساحات الوغى، كما عانيت الاعتقال في محتشدات الأسرى، وعشت طريدًا بين المنافي والسجون.. لقد طاردتموني من مكان لآخر وأبعدتموني من مدينة لغيرها كأنني متشرد منبوذ من المجتمع، ولم تتورعوا حتى من حرماني من الاتصال بأهلي وأقاربي وأصدقائي ولو لم يكن إيماني واحتسابي يعصمانني من الوقوع في وهدة اليأس لاستطبت الموت على مثل هذه الحياة المنغصة.. ولكن هذه الحياة على غصصها وآلامها أتاحت لي أن أكتب «رسائل النور» التي بفضلها أتيحت السلامة من العذاب الدائم لما يزيد على النصف مليون من الناس، فالله أحمد ألف مرة وإياه أشكر أن وفقني للتضحية من أجل قومي. 

  • رحل النورسي ورحل بعده الكثير من الدعاة.. أمثال حسن البنا وسيد قطب ومصطفى السباعي وعبد القادر عوده.

فارق هؤلاء في سبيل دعوتهم وقضايا أمتهم ومشاكل مجتمعاتهم الأهل والأوطان وتحملوا العذاب والآلام وحرموا لذيذ العيش وطيب المقام واستشهد أكثرهم فما وهنوا لما أصابهم وما استكانوا للظالمين كما يفعل دجاجلة اليوم المتهافتين على أقدام طواغيت الدنيا ليكسبوا من جاههم جاهًا وشتان بين جاه مستمد من الله وجاه مستمد من الشيطان أن فكر هؤلاء الرجال لن يموت وتأثيرهم باق ممتد يتمثل في أجيال صنعوها على مائدة الإسلام بأسلوب العصر بعد أن بعثوا الحياة والحركة في الإسلام من جديد.

الرابط المختصر :