; شتاء البوسنة القاتل | مجلة المجتمع

العنوان شتاء البوسنة القاتل

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 26-أكتوبر-1993

مشاهدات 78

نشر في العدد 1072

نشر في الصفحة 6

الثلاثاء 26-أكتوبر-1993

يواجه مسلمو البوسنة أسوأ أيام حربهم ضد الصرب منذ بداية الأزمة البوسنية قبل 18 شهرًا فعلاوة على البرد القارس وقلة الإمدادات والمعارك الشديدة التي يشنها الصرب والكروات على أماكن متفرقة من البوسنة، فإن مسلمي البوسنة يواجهون تعتيمًا إعلاميًا وتناسيًا دوليًا ومؤامرات داخلية وتخطيطًا بين الصرب والكروات لشن المعركة الأخيرة عليهم.

معاناة الحصار في سراييفو

وقد وصل الحال بكثير من مسلمي البوسنة الذين يعيشون في المدن المحاصرة لا سيما العاصمة سراييفو إلى أنهم فقدوا كل أمل في التمسك بمواصلة الحياة بعدما وجدوا الدنيا كلها قد نفضت أيديها منهم والعالم كله أصبح متواطئًا عليهم لإزالتهم، ومن ثم إزالة الوجود الإسلامي كله من قلب أوروبا، وقد وصل الحال في سراييفو ومدن شرق البوسنة إلى عدم وجود الماء ليس للشرب فحسب وإنما لتطهير الجروح والإصابات وأصبح الضعف والهزال سمة لكل السكان الذين يعيشون تحت الحصار منذ أكثر من 18 شهرًا.

ووصل الحرمان إلى درجة قول امرأة بوسنية مسلمة تعيش تحت الحصار في سراييفو لمراسل الهيرالد تريبون في الأسبوع الماضي: «أنا لا أدري ماذا أفعل بالنسبة للطعام والتدفئة فالسنة الماضية كانت صحتي أحسن وكان لدي بقايا من المواد الغذائية والخشب الذي كنت أستدفئ به، أما مع بداية هذا الشتاء القارس فلم يعد لدي شيء ولا أدري ماذا أفعل؟ وحال هذه المرأة البوسنية المسلمة هو حال مئات الآلاف غيرها من النساء والأطفال والعجائز الذين لا يجدون في بعض مناطق البوسنة حتى الماء غير الصالح للشرب.

إحصائيات مرعبة للضحايا والمشردين

وفي 27 من سبتمبر الماضي أعدت لجنة الأمن الصحي والاجتماعي التابعة للرئاسة البوسنية تقريرًا خاصًا حول ما وصلت إليه الأوضاع الاجتماعية والصحية والنفسية لمسلمي البوسنة- حصلت «المجتمع» على نسخة منه- وكان مما جاء فيه: أن عدد القتلى الذين تم إحصاؤهم حتى الآن منذ بداية الحرب ضد البوسنة وذلك في المناطق المحررة فقط قد بلغ 140,655 أي 6.7% من عدد سكان البوسنة حاليًا، أما عدد الجرحى الذين تم إحصاؤهم فقد بلغ 155,839 جريحًا أي  6.7% من عدد سكان البوسنة.

أما عدد الأفراد الذين يعانون من سوء التغذية فقد بلغ 220,000 شخص أي حوالي 10.5% من عدد السكان كما بلغت نسبة الذين تم إحصاؤهم من المصابين بأمراض معدية حوالي 10,000 حالة أي 0.48% من عدد السكان، كما أن عدد الذين ماتوا من جراء الإصابات فقد بلغ 11,987 شخصًا. وهناك 20,000 شخص ممن نجوا من معسكرات الاعتقال الصربية والكرواتية، أما مجموع القتلى والمعوقين والجرحى فقد بلغ حاليا 686,494 شخصًا كما تم تهجير 500,000 شخص وتشريد 500,000 آخرين داخل البوسنة في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة البوسنية وبذلك يبلغ عدد الذين تعرضوا للتشريد والتهجير حوالي مليون شخص.

نداء لاستنهاض الأمة الإسلامية

هذه المعلومات الإحصائية الأخيرة تكشف عن الصورة المرعبة والحالة المفزعة التي يعيشها ويعانيها مسلمو البوسنة تلك الحالة التي تؤكدها هذه الإحصاءات والتي تتغير بالزيادة كلما أقبل صباح يوم جديد لا سيما مع تأكيد المراقبين والمحللين لأوضاع البوسنة بأن الموت ينتظر عشرات الآلاف من النساء والأطفال والعجائز من مسلمي البوسنة من جراء هذا الشتاء القارس الذي بدأ يطرق أبواب البوسنة بعنف.

وإذا كان الغرب قد بدت صورته الكالحة بوضوح فليس هناك من طريق سوى أن يستشعر المسلمون حجم معاناة إخوانهم في البوسنة وإذا كانت صورة مسلمي البوسنة المأساوية قد أذابت قلوب بعض المغنين والراقصين في أوروبا فجعلتهم يقيمون الاحتفالات ليجمعوا ريعها ويرسلوه لأطفال البوسنة وجرحاها فإنه لمن العار على هذه الأمة وفيها ملايين الموسرين أن يبخلوا بما لديهم من مال أو عون على إخوانهم في البوسنة، وإذا كان هناك الكثيرون قد قدموا فلا زال هناك أكثر منهم يجب أن يقدموا.

ولن يكون موقف راقصي أوروبا أفضل من موقف مليار مسلم يذبح إخوانهم أمام أعينهم منذ أكثر من 18 شهرًا دون أن يتحركوا حركة شعبية إيجابية كبيرة يكون لها دورها في إجبار مجرمي الصرب على إيقاف هذه المذبحة، وإعانة مسلمي البوسنة على مواصلة الجهاد والصبر. إن حجم المأساة يتضاعف كل يوم، وحجم الخذلان والتناسي كذلك يزداد كل يوم، وإننا نخشى أن يصيب الأمة نوع من البلادة يصل بها إلى درجة يتمكن بها أعداؤنا منا أكثر من ذلك لا سيما بعد الهجمة الصهيونية الشرسة التي يشهدها العالم الإسلامي اليوم بعد توقيع اتفاق (غزة- أريحا المشؤوم).

إن الخير الذي يملأ قلوب الكثيرين من أبناء هذه الأمة يجب أن يجد من يحييه ويبعث الحياة فيه، وإن الحماس الذي يملأ نفوس شبابها يجب أن يقوى ويستثمر ويوجه، فأعداؤنا لم يتفوقوا علينا إلا بضعفنا وإن الحماس والاستبسال والتضحية والجهاد والتفاني والصبر وقوة الاحتمال التي يبديها مسلمو البوسنة رغم التآمر الدولي عليهم كل هذا جدير بأن يجد من المسلمين كل دعم وكل عون وكل مساعدة، حتى يتمكنوا من خذلان أهل الباطل ومن دحر الظالمين {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} (محمد: 7)، {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (يوسف: 21).


انظر أيضا:

الرحمة العالمية توزع مساعدات إغاثية شتوية في البوسنة والهرسك

 

الرابط المختصر :