; شباب الإنقاذ هل تلتفت الامه اليهم | مجلة المجتمع

العنوان شباب الإنقاذ هل تلتفت الامه اليهم

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 14-ديسمبر-2002

مشاهدات 92

نشر في العدد 1531

نشر في الصفحة 47

السبت 14-ديسمبر-2002

قد تقع الأمة في كوارث ونكبات ولكنها لا تركع ولا تهون إذا كان فيها رجال وفي سواعدها عزائم، ولهذا حرص البعض على تربية هؤلاء الأبطال، والخليون هجع والمنهزمون لاهون لعرفانهم أنهم هم- بعد الله سبحانه- الخلاص والعون وتحمل هذا الركب المنتظر، وهؤلاء الذين سينفلق عنهم الإصباح من عنت رجال الكوارث وقطعان الفساد ما لا تتحمله الرواسي، وصبروا وصابروا ورابطوا حتى ينبلج الفجر وتشرق الشمس ويظهر الفرسان ألفـ في رائعة النهار، فينقشع الظلام ويستروح الناس النسائم الندية والنفحات الرضية جرى التاريخ بهذا كثيرًا وسطرته صحائفه ووعته ذاكرته، وإنا لنرجو أن يكون لنا في ذلك عبرة، وفي ملامحه حافزًا، ويقولون: السعيد من وعظ بغيره. والمتطلع اليوم إلى شباب تركيا الناهض الذي تربى في حضن الإسلام وشرب من معينه الصافي ونهل من رحيقه العذب وهو يقود مسيرة الإنقاذ وركب التنمية، يتحمل التبعة بقلب جسور وعقل نابه وايد متوضئة وذيل طاهر تظهر له هذه الحقيقة. ويعرف هذه المعادلة، لقد عاشت تركيا حقبًا متطاولة ترزح تحت نير العسكر.. انقلاب يتلو انقلاب، ثم مكنت فترات أخرى تحكم بذيول فاسدة وغير قادرة على القيادة، وعاشت طولًا وعرضًا تعب من دماء الشعب حتى نفدت الدماء أو كادت وانهدت البلاد أو قربت وكلما برز مصلح، أو قام مفكر يحاول أن ينقذ كانت رقبته ثمنًا لقومته، أو سجنه جزاء لعزمته، حتى مل الناس هذا التيه، ونفروا من هذا الضياع وتعلقت آمالهم في مصلح واشرأبت أعناقهم لمخلص، رغم تراكم الظلمات بعضها فوق بعض، ورغم الطريق المخوف المجهول، وظهر حزب العدالة الذي لم يمض على تأسيسه أشهر معدودة فتشبث الناس به والتفوا حول شبابه ورفعوا رايته. والواقع أن هذا ما كان مهمة سهلة البتة في وسط حراب العلمانية الموغلة، وذئاب الفساد المتنمر فطيلة الفترة التي ظهر فيها حزب العدالة والتنمية كانت هناك حرب ضروس على جميع الجبهات حرب إعلامية، وحرب نفسية، وحرب تسلطية استئصالية، فمورست ضغوط على الناخبين للحيلولة بينهم وبين حزب العدالة حتى يرسب في صناديق الاقتراع منها:

1- تصريحات العسكر، ورجال القضاء وبعض الليبراليين ضد الحزب وأردوغان زعيمه حيث شبهوه بهتر وأنه يسعى لتغيير النظام في تركيا مستغلًا الديمقراطية، ثم يحكم البلد بعد ذلك بالطريقة النازية.

۲ - محاولة حظر الحزب قانونيًا، فرفع الادعاء دعوى لإغلاق الحزب قبل عشرة أيام من بدء الانتخابات ولم يوافق على دخول الحزب إلا قبل الانتخابات بيومين فقط ورغم ذلك نجح الحزب في تحقيق أغلبية برلمانية اقتربت من الثلثين تمكنه من تغيير بعض مواد الدستور والقوانين، إذ حصل الحزب على (٣٦٣) مقعدًا من أصل (٥٠٠) هي مجموع مقاعد البرلمان وهي أغلبية لم تتحقق منذ انتخاب تورجوت أوزال رئيسًا للوزراء عام ۱۹۸۳ م، كما أنها المرة الأولى التي يحصل فيها حزب ذي جذور إسلامية على هذه النسبة منذ مشاركة الإسلاميين في الانتخابات تحت زعامة نجم الدين أربكان وكانت المفاجأة بعد هذا النجاح الساحق للعدالة والتنمية أن أسدل الستار على أحزاب عريقة، وطبقة سياسية طالما تناوبت على مقاعد الوزارة مثل مسعود يلماظ- زعيم الوطن الأم وتانسو تشيلر - زعيم حزب الطريق المستقيم، وبولند أجاويد- زعيم حزب اليسار، وهذا آثار مفاجأة كبيرة داخليًا وخارجيًا، حيث تسبب في هزيمة قاسية للأحزاب المختلفة التي خرج عدد كبير منها من البرلمان وتغيب كثير من الوجوه السياسية المعروفة عن ساحة العمل السياسي.

وهذا بذاته يطرح سؤالًا مهمًا عن كيفية تخطي حزب العدالة بفوزه الكاسح حقول الألغام والعوائق الكبيرة التي نصبت له كثيرًا من الشراك التي يصعب اجتيازها، وقد أرجع بعض المحللين هذا إلى ما يلي:

۱ - حاجة تركيا اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا إلى منقذ، وقد جربوا هذا الشباب في غير موقع قبل ذلك ونجحوا في الامتحان، وتجربة الطيب أردوغان في بلديه إسطنبول، وتجربة أربكان في إنقاذ الاقتصاد في فترة وجيزة ما زالت ماثلة للعيان. 

۲ - شخصية أردوغان الجريئة المعتدلة الثابتة التي لم ترهبها الحوادث.

٣- الخطاب المتعقل والمعتدل الذي جرد المؤسسة العسكرية والبيروقراطية من ذرائع مواجهة الحزب والانقلاب عليه، خاصة وأن أنقرة تسعى جاهدة إلى تحسين صورتها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ولن يكون في مصلحتها مواجهة العدالة والتنمية بأساليب فجة.

٤- مخاطبة الغرب بأسلوب مطمئن ورفع شعارات لا يمكن للتيار العلماني أن يرفضها مثل الديمقراطية، الحريات حقوق الإنسان، ونجاح أردوغان في تبديد هواجس وشكوك الغرب في صعود الإسلاميين المعتدلين إلى زمام السلطة. وإشاعة جو من التسامح وعدم التشنج في خطابه العالمي. ورغم هذا النجاح، فإن الأعداء والأصدقاء على حد سواء يتطلعون إلى ما بعد الانتخابات وإلى ما يعترض الحزب من تحديات.

١ - على الصعيد الداخلي في الأزمات الاقتصادية والديون المتراكمة والبطالة.

٢ - العسكر حراس النظام العلماني المتنمرون إلى الصدام، وتجربتهم السابقة مع أربكان

شاخصة للعيان.

٣- احترام مبادئ الجمهورية أي التوفيق بين الإسلام والعلمانية والديمقراطية.

 ٤- التعاطي بوعي تاريخي مع قضية الأكراد حيث يمثل الأكراد ثلث السكان تقريبًا وهم مهمشون.

5 - الدخول في الأسرة الدولية وتنفيذ متطلبات الاتحاد الأوروبي.

٦ - العلاقة بالولايات المتحدة وإسرائيل، وتلبية مطالب الضمير التركي في ذلك.

٧- حل مشكلة قبرص وهي مشكلة الداخل التركي والخارج الأوروبي وغير ذلك من المشكلات الكثيرة التي تنتظر دائمًا الرجال، واعتقد جازمًا أن هذه العقول وهذه السواعد لن تئن إن شاء الله تحت وطأة هذه التحديات. ولعل ذلك يكون مثالًا واضحًا للذين يحاربون شباب الإصلاح وهم في أشد الحاجة إلى جهوده وعونه، نسأل الله التوفيق والرشاد للمخلصين المصلحين.

 

الرابط المختصر :