; شبابنا … ولهو الحَياة | مجلة المجتمع

العنوان شبابنا … ولهو الحَياة

الكاتب عبد القادر طاش التركستاني

تاريخ النشر الثلاثاء 13-أغسطس-1974

مشاهدات 87

نشر في العدد 213

نشر في الصفحة 31

الثلاثاء 13-أغسطس-1974

الوقت هو أغلى شيء يملكه الإنسان لأن الوقت هو الحياة، وكل ساعة تمر من حياة الإنسان لا يمكن أن تعود ومن أسف أن كثيراً من شباب أمتنا لا يعرف للوقت قيمته فيقضي كثيراً من ساعات عمره في الانغماس في لهو فاحش أو الاهتمام بأمور تافهة في الحياة أو الانشغال بأشياء لا تعود على أمتهم بخير ولا يجلب لها نفعاً أو فائدة تضيف إلى رصيدها الحضاري شيئاً ذا قيمة أو تمهد إلى وضع لبنة جديدة في صرح التقدم العلمي والنهضة الصحيحة ولعل من أهم تلك الأمور والأشياء هذا الاهتمام المتزايد المستغرق لجل وقت الشباب. بما يتعلق بألعاب الرياضة ونجومها، أو الجري المشين وراء صرعات الغناء الرقيع والفن الهابط المتمثل في نجوم الغناء والتمثيل والسينما والرقص وما إلى ذلك. ولقد عم الخطب وانتشر البلاء حتى أصبحت أمجاد الأمة تقاس بمدى التقدم الفني الذي أصابته، وأصبحت أحاديث الشباب تدور حول رقعاء الغناء ونجوم السينما وأبطال الملاعب وما أكثرهم حتى إنه ليظهر في كل يوم نجم جدید. ويكتشف ممثل موهوب أو راقصة خليعة لتضاف أسماؤهم إلى السجل الفني الضخم الذي يعجز الإنسان حصر أسماء المسجلين فيه.. وبالمقابل قارب بين كثرة هؤلاء الذين يسعون إلى الهبوط بأخلاق الأمة والإسفاف بمشاعرهم وتطلعاتهم وبين قلة العلماء والأطباء والباحثين والمهندسين وما إلى ذلك ممن يبنون أمجاد الأمة ويرتفعون بها إلى مدارج التقدم، وتصفح إن شئت صحفنا ومجلاتنا واستمع إلى وسائل الإعلام في عالمنا الإسلامي لترى كم تحتل هذه البلايا من صفحات المجلات والجرائد وكم تستغرق من مواد الإذاعة والتلفزيون.. بل في منتدياتهم ومجالسهم ومعاهدهم لتعرف مقدار ما أثرت هذه البلايا على أفكارهم ومحور اهتماماتهم فأصبح حديث الفن والرياضة واللهو السمج حديث كل شفة ولسان... ولو فتشت عن الصفحات التي خصصتهما المجلات أو الجرائد المعلم أو الأمور التي تتعلق بالتكنولوجيا الحديثة أو الطب الحديث أو الأساليب الحضارية التي تجد في عالم اليوم.. وعن الساعات التي خصصت في وسائل الإعلام لمتابعة آخر أنباء العلم والحضارة وعن المعلومات والأفكار المتعلقة بهذه الشؤون في رؤوس الشباب وواقع حياتهم لرأيت العجب العجاب. وقد يقول البعض: إن هذه الأمور تشترك فيها اهتمامات كل شباب العالم.. وبدورنا نتساءل، هل تأخذ هذه الاهتمامات كل أوقاتهم أو تصرفهم عن الاهتمام بأمور أخرى فيها نفع لأمتهم وفائدة للعالم من علوم واكتشافات وتقدم حضاري؟ إن اهتمام شباب العالم المتمدن بأمور اللهو والترفيه له حدود وهو اهتمام لا يصرفهم عن العمل المجدي والبحث العلمي وارتياد آفاق التقدم المادي وإلا لما استطاعوا بلوغ ما بلغوه من تقدم مادي وحضارة تقنية.. أما أبناء أمتنا فقد أخذوا من الغرب المتقدم جانبه الترفيهي وما يتعلق باللهو واللعب وضخموا هذا الجانب في واقع حياتهم ثم عموا وصموا وصرفوا عقولهم عن أن يستفيدوا منهم في مجال العلم الطبيعي أو التكنولوجيا الحديثة أو الطب المتقدم أو الصناعة التقنية وما إلى ذلك من ألوان التقدم المادي الذي يخدم الإنسان ويفتح أمامه آفاقاً رحبة يرودها ويستفيد من معطياتها في تنمية عقله وإشباع روح البحث في نفسه. إننا في عصر صراع الحضارات.. لا مكان فيه لامة متخلفة.. ونحن اليوم نحتاج إلى جانب الإيمان بقيمنا وعقيدتنا وتراثها الحضاري.. نحتاج إلى جانب ذلك إلى العلم والمدنية والحضارة والتكنولوجيا والطب والهندسة والتصنيع حتى نستطيع استغلال ثرواتنا واحتلال مكاننا الطبيعي في هذا العالم المتحضر وإن أمة لا يكون للعلم فيها مكانة كبرى هي أمة لن تقوى على الصمود في عالم اليوم.. لقد أتخمت الأمة بالمغنين والراقصين والممثلين والرقصاء ونجوم الفن.. ويكفينا ما لحقنا خلال الحقب الماضية من هزائم ونكبات وتأخر وتخلف كان من أسبابها اهتمامنا المتزايد باللهو الفارغ وإضاعتنا لأوقات شبابنا وجهودهم فيما لا نفع منه ولا جدوى، ونومنا الطويل عن الاستفادة الصحيحة من التقدم العلمي والازدهار الصناعي الذين يأمرنا ديننا بأن نكون رواده وأصحاب اليد الطولى في تحقيقه. إن شباب الأمة هم عدة الحاضر وأمل المستقبل.. هم الرصيد الذي يعتمد عليه في تقدم الأمة وازدهارها وهم الذخيرة التي تحقق بعون من الله أمل هذه الأمة في الوقوف في مصاف الدول المتحضرة بل في أن تكون الأمة القائدة بحضارتها الإسلامية التي تجمع بين العلم والإيمان وتمزجها في وحدة رائعة تسعد الإنسانية كلها بالعيش في ظلالها الوارفة.. ولذلك فإن على شبابنا واجب كبير ومسؤولية غالية تحتاج منهم إلى جهد متواصل وعمل دؤوب وسعي حثيث وأن انصرافهم إلى توافه الأمور ولهو الحياة يقف بأمتهم في وضعها الراهن وواقعها المؤلم. إننا لا ندعو إلى إلغاء الترفيه من حياة شبابنا فذلك أمر بعيد عن الصواب ولكننا نريده ترفيها طيباً.. ترفيها محدوداً.. ترفيهًا لا يطغي على جوانب أخرى من جوانب حياتهم.. ولا يستولى على أوقاتهم التي يجب أن تستغل فيما يعود على الأمة بالنفع ويدفع بها إلى السير في ركاب التقدم الحضاري.
الرابط المختصر :