; شاهد وشهيد | مجلة المجتمع

العنوان شاهد وشهيد

الكاتب علي عبدالعزيز حسنين

تاريخ النشر الثلاثاء 01-سبتمبر-1987

مشاهدات 94

نشر في العدد 832

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 01-سبتمبر-1987

١- حدثني صهري يومًا عندما كان طالبًا في دار العلوم وكان شهيدنا أستاذ الأدب العربي فيها، فقد لاحظ عليه الأستاذ حضوره في بداية العام الدراسي ببدلته القديمة على غير المعهود من أترابه الطلبة، فإن الكل يتبارى في إظهار الزي الجديد في هذا اليوم ولو كان لافتًا للأنظار غير مناسب في هذا المقام.

وفوجئ صهري باستدعاء الأستاذ له إلى مكتبه وعندما دخل فوجئ أكثر بخلع الأستاذ بدلته الجديدة وطلب منه أن يرتديها ويأخذ هو بدلته القديمة، ودون كثير حوار تم ما أراد الأستاذ وعاد صهري إلى البيت على غير الصورة التي خرج بها منه، لتكون المفاجأة الأكثر للأسرة بالزي الجديد في العام الجديد من جراء هذا العمل المجيد.

٢- هكذا كان شأن الأستاذ مع الطلبة، رعاية اجتماعية وعناية نفسية، فما كان الدرس هو أصل الصلة بينه وبينهم بقدر ما كان الوسيلة لهذه الصلة، وكان القصد من وراء هذه الصلة هو الحرص الكامل على البناء المترابط، وهو المجتمع المسلم الذي لا يتم صرحه إلا بلبِنات قوية الخلق متينة الصلة مرهفة الحس رقيقة المشاعر.

وكان المدرج يغص بالحضور من غير تخصصهم، وكان المكتب الخاص به لا يخلو أبدًا من وفود الزائرين سواء كانوا من القسم أو من أقسام أخرى، وكانت رحلاته التي يخرج إليها وينظمها من حين لآخر أو يعلن عنها بين الفينة والأخرى لا تقتصر على طلبته بقدر ما كانت تجمع طلبة الأقسام كلها أو جلها داخل الكلية، الأمر الذي كثيرًا ما كان يجعله موضع التساؤل من عمداء ومديرين.

٣- حدثني محمد صاحب البدلة «صهري» أنه سمع يومًا حديثًا من شهيدنا بمكتبه لخلصائه وحوارييه، وذلك بعد المحاضرة حول صلة الطالب بأستاذه، وكان مفاده «أن الأستاذ عليه واجبان نحو طلبته» الأول نحو الدولة، والثاني نحو الدعوة. وأن المصبات الطبيعية، بل والمادة الحية للإخصاب والإنبات هم الشباب باعتبارهم أصحاب الحقوق على الدولة في تنشئتهم وإعدادهم، فالمعلم باعتباره بحكم وظيفته في الدولة كأحد مصادر التكوين والإعداد في حقله وهو التربية والتعليم، مطالب أثناء درسه لطلبته أن يراعي هذين الواجبين في آن واحد ليوفر على النشء مشقة البحث والوقت لتربية نفسه دينيًّا وتربويًّا.

ومثال ذلك: لو أن المعلم كتب نصًّا على السبورة ليكون عنوانًا لدرسه في الجناس كهذا النص مثلا: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ (الروم: 55) إذًا فما هو حق الدولة التي يرجو معاشها؟ وما هو حق الدعوة التي يرجو رضا الله من ورائها؟

٤- فحق الدولة أن يقوم به في شخص الطلبة حين يدير الحديث معهم حول الجناس الناقص والجناس الكامل ومعنى الجناس وتعريف الجناس، وطلب الإتيان بأمثلة للجناس الكامل والجناس الناقص بشرط أن تكون الأمثلة من النصوص المقررة، سواء كانت قرآنًا أو حديثًا أو شعرًا أو نثرًا إلى آخر ما يتصل بهذا الدرس من قريب أو بعيد، حتى يكون من خلال ذلك الإخلاص في الدرس والأمانة في الأداء قد قام بواجبه نحو الدولة في شخص أبنائها، واكتسب معاشه من طريق الحلال حيث توخى في كسبه الأمانة والإخلاص. أما حق الدعوة من خلال هذا الدرس هو أن يقف بالطلبة عند معنى الساعة التي تفيد الوقت ومعنى الساعة التي تفيد القيامة، فهذا الأمر لا صلة له إطلاقًا بالمقرر، وإنما هو خارج نطاق المعاش:

أ- فالمعنى الأول وهو الوقت، فإن المعلم يمكن أن يوضح للطلبة خطورته باعتباره هو الحياة، بل هو رأسمال الإنسان في هذه الحياة، ولذلك أقسم الله به في قوله تعالى: (والعصر) (العصر: ١)، وحث على مراعاته الرسول في قوله صلى الله عليه وسلم: اغتنم خمسًا قبل خمس، فكان منها «حياتك قبل موتك». وإن الثابت في الأخبار أن العبد لا تبرح قدماه من أمام مولاه يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: منها «عمره فيما أبلاه»... إلخ، حتى يستطيع المعلم من خلال ذلك أن يحقق هذه الحقيقة في نفوس النشء سنًّا ووعيًا، فلا يحتاجون بعد ذلك إلى بحث عن هذه الحقيقة فيوفر عليهم وقتًا وبحثًا في هذا المضمار.

ب- أما المعنى الثاني وهو القيامة، فإنه من أهم الأمور الإيمانية التي تميز الإنسان عن السوائم باعتباره متعلقًا بالغيب، فما أحوج النشء لمعرفة هذه الحقيقة التي لا تقل عن سابقتها من حيث الوقت والحياة، لأن الحياة الآخرة التي تبدأ بحياة البرزخ ثم البعث والحساب والجنة والنار... إلخ لهي أحق بالمعرفة من غيرها لتلافي العثار فيها والندم عندها.

وهنا لا بد من عرض شيء من كتاب الله وسنة رسوله عن حقيقة القيامة من بدايتها إلى نهايتها، حيث ما يعتري الناس من الذهول عن الرضيع وعن الجنين ثم الحيرة والسكرة، فضلًا عن عذاب القبر وضمة القبر ثم البعث حفاة عراة، وما هنالك من أهوال تشيب لها الولدان فضلًا عن غيرهم من الناس الذين لا يعبئون بغيرهم رغم قرابتهم ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (عبس: 37).

٥- تلك شذرات من مفهوم شهيدنا للحقوق والواجبات وإعطاء كل ذي حق حقه، سواء كان ذلك معلقًا بالدولة أو الدعوة أو النشء أو الأستاذ. بل ويُعد الشباب من خلال هذا المفهوم هو مركز الدائرة التي يدور الكل لها وحولها بقوة الطرد المركزي أو بقوة الجذب المركزي، بحيث تكون كل القوى والطاقات تصب في مصب واحد وهو المحور الأول والأخير، ألا وهو الشباب عدة اليوم وأمل المستقبل إن شاء الله.

إن التاريخ بمفرده لا يكفي في الحكم على زيد من الناس، لأن الحكم يقوم على دعامتين: الأولى حيثيات، والثانية منطق، فالحيثيات تحتاج إلى قرائن وآثار وشواهد وشهود إثبات أو نفي وأدلة... إلخ حتى يستطيع القاضي الحكم وهو مطمئن البال، أما المنطق فالحكم به لا يكون إلا على مثل القضايا الرياضية التي لا تحتمل أعمال الرأي أو مراعاة التقدير، فإذا كانت المعادن تتأثر بعوامل الجو من حيث الانكماش والتمدد، وأن الحديد معدن، فالنتيجة الحتمية التي لا تقبل الجدل هي الانكماش والتمدد لهذا الحديد.

٦- ومن هنا عوتب الرسول صلى الله عليه وسلم حين كاد أن يميل في حادث الدرع المسروق إلى إلصاق التهمة باليهودي وتبرئة بعض الأعراب المنافقين من المسلمين؛ حيث لم تتوفر لديه الحيثيات الكاملة التي تجعله يستند إلى منطق في حكمه ذاك، فأنزل الله قرآنًا يُتلى ينصف فيه اليهودي لعدم توفر الأدلة ضده ويطلب من الرسول الاستغفار ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ (النساء: 105).

هذا وبالله التوفيق.

الرابط المختصر :