العنوان شاعِرَانِ أمامَ الشَّهَادَةِ !
الكاتب أحمد لطفي عبد اللطيف
تاريخ النشر الثلاثاء 15-يوليو-1975
مشاهدات 5
نشر في العدد 258
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 15-يوليو-1975
ما بين
الجاهلية الأولى وجاهلية القرن العشرين لم تختلف الأساليب والأهداف في حرب الدعوة
الإسلامية؛ فالأساليب بقيت على حالها والأهداف لم تتغير.
الهدف
الأكبر لدعاة الجاهلية هو القضاء على الدين وإخراس صوت الدعاة إلى الله، والأساليب
رغم تلونها الظاهري أبقت على القتل كأسلوب تحاول أن تطمس به فضلها أمام مقاومة
الدعاة وصمودهم.
ونحن -
في هذه الكلمة - أمام صورتين لشاعرين شهيدين من شهداء الدعاة، أولهما خبيب بن عدي
من القرن الأول الهجري حيث الجاهلية الأولى، وثانيهما سيد قطب حيث جاهلية هذا
القرن.
هذا خبيب
أسير في مكة، تحتشد قريش الكفر وقد سرها أن تنتقم من الدعاة إلى الله في شخص هذا
الداعية الكريم، فجمعت رجالها ونساءها وأطفالها ليشهدوا على قدرتها وقوتها التي
استطاعت أن تقتل داعية من دعاة الإسلام!
وكانت
قريش تظن أنها تستطيع أن تصل إلى هدفها الأكبر قبل أن تنفذ حكم الموت في الصحابي
الجليل، فعرضت عليه النجاة من الموت إذا هو كفر بدين محمد وارتد عن الإسلام!
لم يذق
أحد من كفار قريش حلاوة الإيمان، ولم يعش أحد منهم سعادة المؤمن وهو يقدم التضحية
تلو الأخرى في سبيل عقيدته ودينه، لذا كان عجبها كبيرًا ودهشتها أكبر عندما خيّب
خبيب سعيها واختار الشهادة على الكفر.
وخبيب -
رضي الله عنه - شاعر يعبر بالكلمة عن أحاسيسه ووجدانه وفكره، فصاغ هذا الموقف
العظيم الذي وقفه أمام الشهادة في أبيات رائعة معبرة لخص فيها موقفه أمام قريش]
حيث اجتمعت له الأحزاب من كل فج، ثم يوضح القضية التي من أجلها تحارب الجاهلية،
وبين أن الموت أهون عليه من الكفر، ثم يوضح دستور المؤمن في استهانته بجميع ألوان
القتل ما دام في سبيل الله:
إلى
اللهِ أشْكُو غُرْبَتِي ثُمَّ كُرْبَتِي وَمَا
أَرْصَدَ الأَحْزَابُ لِي عِنْدَ مَصْرَعِي
وَقَدْ
خَيَّرُونِي الكُفْرَ وَالمَوْتُ دُونَهُ وَقَدْ
هَمَلَتْ عَيْنَايَ مِنْ غَيْرِ مَجْزَعِ
وَمَا
بِي حَذَارُ المَوْتِ، إِنِّي لَمَيِّتٌ وَلَكِنَّ
حَذَارِي مِنْ جَحِيمٍ مُلفعِ
وَلَسْتُ
أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا عَلَى
أَيِّ جَنْبٍ كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي
وَذَلِكَ
فِي ذَاتِ الإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ يُبَارِكْ
عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُُمَزَّعِ
وتمر
القرون، ويتعاقب الشهداء، ويصمد الإيمان في قلوب الرجال، ويطل علينا القرن العشرون
بجاهلية حالكة مظلمة تكشر عن أنيابها لافتراس أولئك الذين تجرأوا على الوقوف في
وجهها ومقاومتها، ويشهد هذا القرن أفذاذًا من الرجال استهانوا بكل شيء ورفضوا كل
إغراء عرضته عليهم الجاهلية الحديثة وقدموا أرواحهم فداء لدينهم.
ومن بين
الشهداء في هذا القرن داعية كبير ومفكر عظيم ذاق في السجون أصناف العذاب فصمد لها
واستهان بها، وعُرضت عليه أعلى المناصب وقُدمت له كل المغريات فرفضها بازدراء أحنق
عليه رؤوس الجاهلية العاتية.
ولم ينس
سيد قطب - رحمه الله - رغم مآسي السجن وآلامه رسالته التي يحملها والتبعة الملقاة
عليه بوصفه عالمًا وداعية؛ فكتب إلى جنود الدعوة كتبًا يحثهم فيها على الاستمرار
في الدعوة ويرسم لهم معالم الطريق.
وتهيج في
نفسه روح الشاعر فيكتب للدعاة الذين يعانون في السجون موضحًا لهم معنى السجن
الحقيقي، وأن المؤمن حر أبدًا لا يضيق بالقيود ولا بالأسلاك التي تحيط بالجدران،
وأنه يستهين بعبيد الدنيا سجناء أنفسهم:
أَخِي
أَنْتَ حُرٌّ وَرَاءَ السُّدُودِ أَخِي
أَنْتَ حُرٌّ بِتِلْكَ القُيُودِ
إِذَا
كُنْتَ بِاللَّهِ مُسْتَعْصِمًا فَمَاذَا
يَضِيرُكَ كَيْدُ العَبِيدِ؟!
أَخِي
سَتُبِيدُ جُيُوشُ الظَّلَامِ وَيُشْرِقُ
فِي الكَوْنِ فَجْرٌ جَدِيدٌ
فَأَطْلِقْ
لِرُوحِكَ أَشْواقَهَا تَرَى
الفَجْرَ يَبْرُقُ مِنْهَا بَعِيدْ
ويحث
الشاعر الدعاة على الاستعداد للثأر ولكن لله ولدين الله:
سَأَثْأَرُ
لَكِنْ لِرَبٍّ وَدِينٍ وَأَمْضِي
عَلَى سُنَّتِي فِي يَقِينِ
فَإِمَّا
إِلَى النَّصْرِ فَوْقَ الأَنَامِ وَإِمَّا
إِلَى اللَّهِ فِي الخَالِدِينَ(1)
رحم الله
الشهيدين، خبيب بن عدي وسيد قطب، ورضي عنهما، فقد كانا من أعلام الدعوة قولًا
وجهادًا وعملًا وتضحية.
المصادر:
(1)
قصيدة الشهيد سيد قطب نشرت بأكملها تحت عنوان «من بواكير الكفاح» في صحيفة «الكفاح
الإسلامي» الأردنية - العدد السابع والعشرون- بتاريخ 28 ذي الحجة 1376هـ - 1957م.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل