العنوان شارون يصغي للاستشهاديين وحدهم
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر السبت 17-أبريل-2004
مشاهدات 57
نشر في العدد 1597
نشر في الصفحة 46
السبت 17-أبريل-2004
ما كاد يجف دم شيخ الشهداء، أحمد ياسين .. حتى خرج السيد أحمد قريع - رئيس وزراء السلطة الفلسطينية بتصريح غريب، تصور من خلاله أنه يرضي الغزاة النازيين اليهود وسادتهم الغزاة الصليبيين، وفحوى التصريح أنه يدين العمليات الاستشهادية ضد من يسميهم المدنيين اليهود في داخل الخط الأخضر، أو ما يعرف بفلسطين ١٩٤٨م، كانت لهجة قريع حادة وعنيفة ضد من يقدمون أرواحهم فداء للدين ثم الوطن، ويرفعون رأس الأمة التي ظن أعداؤها أنها ماتت إلى الأبد، ولن تقوم لها قائمة.
هذه الإدانة الحادة والعنيفة لم تشمل الغزاة اليهود الذين يتنزهون بمدرعاتهم وطائراتهم وصواريخهم في شوارع فلسطين قتلًا وضربًا واعتقالاً وتدميرًا للبيوت وتجريفًا للأراضي على مسمع ومرأى مما يسمى المجتمع الدولي دون أن يهتز لهذا المجتمع جفن أو يضطرب له قلب. الدم الفلسطيني يراق يوميًّا ويُقتل الفلسطينيون بالعشرات والمئات على مدى الأسابيع والشهور، والسيد قريع لا يأبه لذلك، ولكنه يدين الشهداء الأحياء الذين يضحون بأنفسهم لتعيش فلسطين حرة كريمة بحجة أن الشهادة عمل غير خلقي مصر بالقضية الفلسطينية.
إن المجتمع الدولي منذ قرن من الزمان تواطأ على تضييع فلسطين ومحوها من الوجود ليحل مكانها شذاذ الآفاق، وزودهم بالسلاح والرصاص والعتاد والطائرات والصواريخ، وأمدهم بالخبز والزبد والمال والدعم بكل أشكاله وألوانه، والفلسطينيون والعرب والمسلمون يصدقون هذا المجتمع الدولي المخادع الماكر الذي حرص منذ حملة نابليون حتى الآن على أن تكون فلسطين المحتلة قاعدة عسكرية متقدمة لجيوشه تلهب ظهور العرب والمسلمين، وتجلدهم في كل وقت. إذا اعترضوا على النهب المنظم والتدمير المخطط.
يظن السيد قريع أن المجرم النازي اليهودي شارون أو أي زعيم نازي يهودي آخر يمكن أن يجلس معه على مائدة المفاوضات، ويلتزم بالقانون والقواعد الدولية، ويعترف أنه سطا على أرضه وبلاد غير بلاده، وارتكب فيها أسوأ ما عرفته الإنسانية من وحشية وإجرام، إن شارون وأمثاله يعتقدون أنهم سادة منتصرون يجب أن يركع العالم العربي الإسلامي أمامهم، ويقبل أقدامهم، وأنهم لن يعطوا أحدًا شيئًا إلا تفضلاً وتكرمًا، وهم ليسوا أهل فضل أو كرم.
ومن المفارقات أن الرد اليهودي الاستعماري على تصريحات قريع في اليوم التالي، كان احتلال ساحة المسجد الأقصى واقتحامه وإطلاق النار بكثافة مع قنابل الغاز على المصلين الذين ذهبوا للشكوى إلى الله مما يجري لهم.
إن سياسة قريع ومن هم على شاكلته لم تحقق إلا الخسران المبين، فاليهود القتلة لا يؤمنون إلا بالقوة، ولا يخافون إلا القوة، وقد أثبتت العمليات الاستشهادية جدواها في بث توازن الرعب داخل الغزاة، وأجبرتهم على الاعتراف بقوة حقيقية على الأرض، يعملون لها حسابًا ويخافونها خوف الموت.
مجتمع الغزاة، ليس فيه مدني أو عسكري كلهم قتلة، تركوا بلادهم وبيوتهم وجاءوا إلى فلسطين بمساعدة المجتمع الدولي (الصليبي الاستعماري)، فأعملوا في الشعب الفلسطيني القتل والذبح، واستولوا على بيوته وحقوله، وطردوا من تبقى بعد أن سيطروا على فلسطين ومقدساتها ، وغيروا دينها ولغتها وتاريخها وعاداتها وتقاليدها، وصدرت عشرات القرارات الملزمة وغير الملزمة لإعادة الحق إلى أصحابه الفلسطينيين.. لكن لم ينفذ قرار واحد، فالذي يصدر القوانين ليس على استعداد لتنفيذها.
يتناسى السيد قريع ورجاله أن استشهاد شيخ الشهداء أحمد ياسين لقى مكافأة المجتمع الدولي الحكومات الصليبية بدعم المحرم شارون، والاستعداد لمنحه ثمنًا ضخمًا لمشروعة المزيف. بالانسحاب من غزة دون أن يكون لها بحر أو سماء أو حدود يسيطر عليها أهلها .. هذا الثمن تحدثت عنه التقارير الصحفية مؤخرًا، وبشرت به، وهو يتلخص في الإعلان عن رفض حق العودة والموافقة على الجدار العنصري العازل الذي يضم مساحات ضخمة من أرض الضفة والإبقاء على مستعمراتها ودعمها وتوسيعها، فضلاً عن إعطاء الضوء الأخضر لقتل الزعامات الفلسطينية التي تبدي ولو جانبًا من الاعتراض، وفي مقدمتها فخامة الرئيس السجين ياسر عرفات.
هل هي مجرد مصادقة أن يتزامن تصريح قريع بإدانة أنبل ظاهرة عرفها الجهاد الفلسطيني وهي العمليات الاستشهادية، مع ظهور عريضة السبعين التي تطلب الاكتفاء بمظاهرات الطلاب ونبذ المقاومة، والاكتفاء بالخطب، في الوقت الذي لا تكف فيه القوات الغازية عن التوغلات في كل شارع وحارة فلسطينية؟
إن هؤلاء السبعين - الذين قيل إنهم صاروا الآن مائة - يعيشون الرفاهية النضالية، وتتزايد ثرواتهم وامتيازاتهم، وبعضهم له مصالح قوية ومهمة مع العدو، بدءًا من الكازينو إياه حتى توريد الأسمنت والعمالة لبناء المستعمرات، وهم يرون الأمور بمنطق التجارة والكسب والخسارة.. أما القضية من حيث المقدسات الإسلامية والواجب الديني والوطني، والكرامة والحرية والاستقلال، فهذا أمر آخر لا محل له من النضال، ولعل هذا كان من وراء دفاع ياسر عبدربه، عما يسمى بالمدنيين اليهود الغزاة واستنكاره للاستشهاد داخل الخط الأخضر. وتهويله لقوة العدو الغاصب .... ونسي أنه كان عراب وثيقة جنيف التي تنازلت عن القدس وحق العودة، ومع ذلك لم يصغ إليه شارون؛ لأنه يصغي للاستشهاديين وحدهم ..