العنوان شارون يبحث عن مخرج.. بلا تكاليف
الكاتب عبد العزيز الرنتيسي
تاريخ النشر السبت 14-يونيو-2003
مشاهدات 1
نشر في العدد 1556
نشر في الصفحة 30
السبت 14-يونيو-2003
شارون يبحث عن مخرج.. بلا تكاليف
د.عبد العزيز الرنتيسي
لم يعد خافيًا أن «شارون» قد استنفد كل ما لديه من
وسائل إرهابية لتحقيق الأمن وأنه يشعر الآن بمرارة الهزيمة، لأنه وجد نفسه أخيرًا
أمام الحقيقة التي حاول أن يهرب منها على الدوام وهي أن المقاومة الشعبية لا يمكن
أن تُهزم أو بمعنى آخر أن جيش الاحتلال الذي صوره الصهاينة على أنه الجيش الذي لا
يقهر ليس في مقدوره أن يحرز نصرًا على مقاومة شعبية كتلك التي يديرها الشعب
الفلسطيني.
فعندما يعد
شارون شعبه قبل انتخابه كرئيس للوزراء بأنه سيقضي على الانتفاضة والمقاومة خلال
مائة يوم فلا أشك لحظة أنه كان يعيش وهمًا كبيرًا، وأنه كان يعتقد ما يقوله. ولو
خطر بباله للحظة أن مقولته تلك مستحيلة التنفيذ لما قالها، أما الآن فقد تبينت له
الحقيقة وأنه إنما كان يخدع نفسه بمعنى آخر أن شارون قد تغيرت قناعاته تمامًا،
وهذا يعني أنه يدرك -وقد فشل في تحقيق هدفه- أن أحدًا من القادة الصهاينة الذين
سيتسلمون الأمر من بعده لن يستطيع أن يحرز نصرًا على فصائل المقاومة فشل في إحرازه
شارون، ولذا فإنه يقف أمام خيارين إما أن يستمر في المواجهة والمواجهة لها
استحقاقاتها المؤلمة فاستنزاف المقاومة للكيان الصهيوني اقتصاديًا ومعنويًا ونفسيًا
وبشريًا لم يعد خافيًا عليه.
وأما أن يبحث عن مخرج يحقق فيه
نصرًا سياسيًا يقود إلى تحقيق التفاف على المقاومة، وهذا الخيار أيضًا له
استحقاقاته ولكن لدى شارون أمل كبير في أن يحقق الالتفاف على المقاومة دون أن يدفع
الثمن، فإن فشل فيكون على أقل تقدير قد كسب بعض الوقت لالتقاط الأنفاس.
اعتمد
شارون الخيار الثاني وما كان له أن يعتمد غيره حد ذاته يعتبر نصرًا لفصائل
المقاومة الفلسطينية. ولكن ما يسعى إليه شارون هو الهروب من الهزيمة إلى نصر يختم
به حياته السياسية، وهو في واقع الأمر لن يكتفي في هذه المرة بتسجيل انتصار على
المقاومة ولكنه يريد سحقها تمامًا، والعنوان الذي على سلم الأولويات في عملية
السحق هو حركة «حماس»، ففضلًا عن أن «حماس» -بناء على الإحصاءات الرسمية لخسائر
العدو- كان لها نصيب الأسد في ذلك، فإن لها حضورها في قلوب الجماهير الفلسطينية
وكذلك العربية والإسلامية وهي بما تحمل من فكر إسلامي معتدل لها تقديرها من أبناء
المسلمين كافة وعلى رأسهم علماء الأمة، كما أنها أثبتت أنها لا تساوم على الحقوق
المشروعة مما يشكل تهديدًا لمستقبل وجود هذا الكيان الذي يقوم على اغتصاب جزء عزيز
من أرض المسلمين والأهم من ذلك أن خلق توتر بين السلطة الفلسطينية وحماس قد يفضي
إلى اقتتال داخلي كما يأمل الصهاينة.
فرأس
حماس إذن هو المطلوب أولًا.. ولكن لن يقف الأمر عند حدودها، فكل
من «فتح» و الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية و الجبهة الديمقراطية -وجميعها فصائل
شاركت في المقاومة- لن تنجو من الملاحقة والاستهداف ومن هنا بدأ شارون بالتحضير
لخريطة الطريق، فهو يرى فيها الطريق الوحيد لتحقيق مخططه في ضرب المقاومة وفي
الوقت نفسه التملص من أي استحقاق، وأعلن مرارًا عن استعداده لما أسماه تنازلات
مؤلمة، ولكن هذه الإعلانات لا تخرج عن إطار التسويق المخادع لخريطة الطريق، أو
التدليس على الشعوب بإيهامها أن ضرب المقاومة له مقابل يمكن وصفه بأنه إنجاز
سياسي، ولكن شارون يعلم أنه لا يمكن أن ينجح في تحقيق هدفه إلا بوجود شريك فلسطيني
لديه الاستعداد لأن يقوم بالدور الذي يريده شارون فكما قلنا أدرك شارون أن جيشه لم
يعد قادرًا على تحقيق النصر على المقاومة، وهو يرى في هذه المرحلة على الأقل أن
الحكومة الفلسطينية الجديدة جديرة بأن تعطى فرصة لتحقيق هذا الهدف.
ولكن المطلوب من شارون أن يقدم العون
لهذه الحكومة حتى تستطيع أن تلعب دورها دون أن تخسر الشارع الفلسطيني، وهذا يعني
أن تكون هناك إنجازات عملية على أرض الواقع يلمسها الشعب الفلسطيني فيقع في شرك
الاقتناع بجدوى ما يسمى بالعملية السلمية من جديد بعد أن كفر بها، وبالتالي يغض
الطرف عما يمكن أن تقوم به من تصد للمقاومة قد يفضي إلى اقتتال فلسطيني فلسطيني وهنا
لا بد لشارون من تقديم شيء يشعر به الشارع الفلسطيني كإنجاز مهم وفي الوقت نفسه لا
يتناقض مع المشروع الصهيوني الرامي إلى تصفية القضية الفلسطينية والوجود
الفلسطيني، وعليه فلا غرابة أن يلجأ شارون للمناورة المحسوبة، وإطلاق التصريحات
الفارغة من أي مضمون تمامًا كما فعل في إعلانه بقبول خريطة الطريق، فهو قبول شكلي
ولم يكن بسبب الضغوط الأمريكية كما يحلو للبعض أن يصور الأمر، ولكن سيناريو التآمر
يتطلب هذا القبول المسرحي الذي يأتي بعد التعزز فيبدو رغم ما اكتنفه من تحفظات -لم
تبق ولم تذر- أنه انتصار للدبلوماسية الفلسطينية.
شارون يعلم أن
الطريق لتنفيذ المرحلة الأولى والتي ستكون الأخيرة ولكن بعد تنفيذها يبدأ من بوابة
قبول خريطة الطريق، والتي بتنفيذ مرحلتها الأولى يتوقع شارون أن يعلن النصر على
المقاومة الفلسطينية التي أقضت مضجعه وسلبته بريقه كمنقذ للكيان الصهيوني. وأما
الحكومة الفلسطينية فأنا على ثقة أنها لن تخدعها مناورات شارون، وأعني بذلك أنها
تعلم جيدًا أن ما يقوم به مجرد مناورات ليس لها رصيد على صعيد الفعل السياسي الذي
يمكن أن يفضي إلى إنجاز فلسطيني، وهذا يعني أن دخول السلطة في تنفيذ المخطط لن
يكون لأنها خدعت، ولكن يعني بكل وضوح أنها قبلت بتمرير المؤامرة الصهيونية عن علم
مع سبق الإصرار، ولا أشك أنها تدرك تمامًا أن شارون يريد أن يبيع الوهم لتحقيق
انتصار أخفق في تحقيقه في ميدان المواجهة، وستكتشف السلطة بعد حين أنها أمام
خيارين إما أن تصبح لحدية كمليشيا أنطوان لحد في جنوب لبنان، أو تعود إلى خيار
الشعب فتحافظ على وجهها الوطني.
بقي أن أذكر أن انتصار شارون إن
قدر له أن يتحقق -لا قدر الله- فلن يسجله التاريخ على أنه انتصار على المقاومة بل
سيسجله انتصارًا على من قبل شراء الوهم، وأذكر أيضًا أن المقاومة قادرة بإذن الله
على تجاوز المرحلة مهما فعل شارون الذي سيسجل له التاريخ أنه قد دق أول مسمار في
نعش الكيان الصهيوني.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل