العنوان شاب مسلم مقيم في فرنسا: كفار ولكن.. تسببوا في هـدايتي!
الكاتب سمية رمضان
تاريخ النشر السبت 31-يوليو-2010
مشاهدات 68
نشر في العدد 1913
نشر في الصفحة 50
السبت 31-يوليو-2010
سافر محمد مع والده إلى فرنسا ومكث فيها أربعة عشر عاما حتى أصبح فتى يافعًا، وبالطبع تلونت عاداته وأفكاره بمن ترعرع معهم من شباب مختلفي العقيدة والأسماء، ولكن يجمعهم التقوقع مع الذات، والتلهي بلذات الدنيا من غير حساب ولا ضبط ولا حدود، فكان تشبههم أساسًا بالمغنيين والفنانين والفساق.
وظل كذلك حتى تقابل مع فتاة استوقفته بسؤال آثار انتباهه قائلة: هل أنت مسلم؟ فرد بالإيجاب، فتهلل وجهها وهي تقول: أخيرًا سأجد إجابة على أسئلتي عن الإسلام من أحد المسلمين نظر إليها باندهاش شديد وهو يستوضح ما عم عليه: ولكن كيف عرفت أنني مسلم؟ قالت نيفين: اللحية تذكر أنه قد أطلقها من أجل التشبه بأحد المغنيين وقتها, ولكن لا بأس، ماذا تريد مني هذه الفتاة؟ هكذا حاورته نفسه، وجاء صوتها وقد أعدت قائمة من الأسئلة وهو يجفف عرقه، فهو لا يدري عن ماذا تتكلم، ولا يفقه أي شيء فيما تقول عاش في فرنسا كأهلها لا يدري عن الإسلام شيئًا، تعجبت الفتاة ونكست رأسها وغادرته وهي تشعر بالحسرة أنه لم يقدم لها العون الذي طلبته.
البحث عن إجابة
ظل هو في مكانه وكأنه يبحث عن إجابات لأسئلتها ليعين نفسه قبل إعانتها، ولامته فطرة الإيمان في نفسه وسألته بدورها ما هذا الذي تفعله في نفسك؟ ولماذا كان خلقك؟ وما دورك في الحياة؟ غادر مكانه وهو يتحسس لحيته، يا الله إنها بالفعل تشبه لحية المسلمين وقد أطلقتها ولم يعترض أحد ولم أشعر معها بحرج! فلماذا كنت أتجنب كل مظهر من المظاهر الإسلامية من قبل؟ كانت يد الله الحانية ترعاه وتيسر أمر رجوعه إلى الإسلام، فقد أطل عليهم شهر رمضان، وكانت العادة في هذا الشهر الكريم أن يذهب جميع الشباب الذين ينتمون لأسر إسلامية بما فيهم محمد إلى المساجد لأداء صلاة التراويح، فقد كان هؤلاء الشباب يعتبرونها نزهة من النزهات، وكان محمد لديه العديد من الأصدقاء الفرنسيين وغيرهم من النصارى واليهود الذين قد تعاهدوا جميعًا علي الخروج بعد صلاة التراويح، إلا أن محمدًا فوجئ بهؤلاء الشباب وقد حضروا قبل بداية الصلاة وخلعوا أحذيتهم ودخلوا مع أصدقائهم المسلمين لتقليد الصلاة، فكأن ملائكة الرحمة كانت في انتظار من أراد سبحانه أن يلبسه ثوب الإيمان منهم.
تغيير تدريجي: بدأ محمد يتغير تدريجيًا، وبدأ يحس بحلاوة الإيمان وسلامة الصدر والبعد عن القلق الذي كان يصاحبه خاصة وقد بدأ يقوم بتطبيق كل ما تصل إلى مسامعه من آيات وتوجيهات.
كان يعمل بائعًا في محل تجاري، ووقفت أمامه امرأة يهودية عجوز لدفع مشترواتها، وهذه الفئة العمرية معروفة بتعصبها الشديد وكراهيتها الشديدة للإسلام، بينما كانت تقف خلفها فرنسية مسيحية، سألت اليهودية محمدًا: هل أنت مسلم؟ فتردد في الإجابة، ولكنه غلف إجابته بابتسامة عذبة قائلًا: نعم والحمد لله، فقالت له: هل أنت متزوج؟ لم تفارق الابتسامة شفتيه وهو يجيب بالإيجاب فعالجته بضربة من لسانها حيث قالت: وهل تتحملك زوجتك بمنظرك المقزز مع تلك اللحية؟ أراد أن يرد ولكنه تذكر بسمة الدعوة فقال لها: إن زوجتي تنتظر رجوعي بفارغ الصبر حتى تثبت لي حبها وغرامها، ولم تكتف المرأة بل قالت: ولكن هذا لا يقلل من اشمئزازي من لحيتك، فابتسم راضيًا، وهنا تدخلت من غير طلب منه ولا رجاء، الفرنسية المسيحية التي تقف وراءها مباشرة ونهتها بقوة أن تسترسل في حديثها السخيف هذا، وأشادت برد فعله وابتسامته التي لم تغادر شفتيه أمام ما تفعله هي من حمق وعار، فعلم محمد أهمية وسر الابتسامة بشكل عملي فزاد تمسكه بإسلامه وزاد اعتزازه به، وخرج من هذا الموقف وهو يبحث عن كل مصدر أصيل يعلمه هذا الدين القويم.
أعز الأصدقاء
أصبح صديقه اليهودي الذي أسلم من أعز أصدقائه، وقد كان في أول الأمر يخفي على أهله إسلامه، ولكن ما شعر به من فرحة واطمئنان جعلته يحاول أن يفرح بهذا الإيمان أهله، فبدأ بأمه، حيث كان يصلي أمامها ويشرح لها لماذا يفعل ذلك، ومن يناجي في صلاته، وهكذا حتى شرح الله صدرها للإسلام، فأمنت ولم تنته خمس سنوات حتى أسلم أبوه.
كانت هذه الأخبار الرائعة تجعل محمدًا يعيش في جو روحاني طالما تمناه وكم أحبه، فقد أخذت الصلاة بلب صديقه اليهودي الذي عكف على دراسة الإسلام حتى أسلم، وبعد أن أسلم تسبب في هداية صديقهما المسيحي الفرنسي، وبدأ الجميع مع الشاب المسلم يتعلمون الإسلام من نبعه الصافي، لقد كانت مفاجأة محمد المذهلة أن بدأ يتعلم على أيديهما الصلاة الصحيحة، وبدأ في تغيير اتجاهاته إلى قبلته المستقيمة.
داعية للإسلام
حسن إسلام الفرنسي المسيحي الذي أصبح داعية لهذا الدين الحنيف، وقد كان من أساليبه لجذب الشباب أن يعلن عن رحلة للشباب للتزحلق على الجليد أو لعب كرة القدم أو غير ذلك من الأنشطة التي يقبل عليها الشباب، ثم يتحدث معهم عن الله ودينه الذي اختاره واصطفاه، وقد جعله الله سببًا في إسلام الكثير من الشباب من غير المسلمين وهداية الكثير من الشباب المسلمين منهم أخونا محمد الذي بدأ يشعر بعزة الانتساب إلى الإسلام.
ثوب أبيض: أراد محمد في يوم أن يرتدي الثوب الأبيض ويذهب به إلى صلاة الجمعة وهناك تقابل مع صديقه الفرنسي المسلم، حيث طلب منه أن يتحدث قليلًا في «الشانزلزيه»، فاستأذن منه أن يرجع إلى منزله حتى يبدل ثيابه، فقال له الفرنسي بثقة: ولماذا نبدل ثيابنا فنحن لا نفعل أي خطأ ولم نتعد حدودنا ولم نتعد على حرية أحد سنذهب سويًا كما نحن، فخرج محمد معه بالفعل كما هو ولم يشعر بحرج كما كان يتصور، وتعلم درسًا أن التفكير في الله يكون قبل الناس والعادات والتقاليد، وهذا الموقف زاد من ثقته في نفسه وجعلته يردد: بالفعل ما المشكلة؟ ليس هناك مشكلة على الإطلاق وتعجب ممن حوله لماذا هذا التعقيد في حياتنا؟ تعلم مما مر به دروسًا كثيرة وزادت ثقته بنفسه، بل زادت ثقته بالله وحبه له وهو يعجب أشد العجب أن الله تعالى قد قيض له من غير المسلمين من تسبب في تغيير مسيرته الأولى، بل ومن علمه أن يأخذ هذا الدين بقوة ولا يخشى في الله لومة لائم، وكانت التجربة التي مر بها بعد ذلك أكثر من ناجحة ومطمئنة.
حالة طوارئ
في صبيحة أحد الأيام، قام بعض الأفراد بعدة تفجيرات في ولاية من الولايات الفرنسية، فأعلنت على الفور حالة الطوارئ، وبعد لحظات وصلت الحالة لأقصاها وهو اللون الأحمر، وعند ذلك ينزل الجيش إلى الشوارع وتصبح الحالة ملتهبة والمشاعر متفجرة، يقول محمد : لقد أحاطت بي النصائح من كل صوب وجهة، وسلط الناصحون الضوء على لحيتي، فلابد من حلقها حتى لا أدخل نفسي إلى دائرة الشبهات، ولكنني لم أقتنع بما قالوا، وأصررت على أن أكون كما أنا برغباتي وطموحاتي طالما أنني لم أتسبب في إيذاء أحد، وخرجت كما أنا وجلست بالمترو فذهلت من حالة الاستعداد القصوى، ولاحظت حالة معدية من انفلات الأعصاب تنتشر كالنار في الهشيم، وفي هذه الأجواء أخرجت مصحفي وبدأت أتلو آيات الرحمن، كما اعتدت دوما وتوقفت عند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ, فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (آل عمران: 173- ١٧٤) تسمرت عيناي وجوارحي وردد لساني هذا القول الكريم ليطمئن قلبي وتهدأ نفسي خاصة وأني تحسست بطاقة هويتي فلم أجدها في جيبي، فقد أبدلت البنطال وأنساني الشيطان وضع حاجياتي المهمة في البنطال الجديد، سقط الأمر من يدي وقد توقف المترو، ولا بد من النزول حيث رأيت وكأن ثكنة عسكرية تنتظر كل من ينزل من القطار للتدقيق على هويته، وبالطبع عندما يكون أحدهم مثل حالي وأيضًا ملتحيًا «وقد تعاونت أبالسة الجن والإنس لتشويه أي شيء يدل على الانتماء إلى الإسلام»، فمعنى ذلك توقيفي على الفور، والله أعلم بالعاقبة بعد ذلك في مثل هذه الظروف فربما يتم ترحيلي، والله أعلم.
إيمان ويقين: سار الوقت بثقل شديد وأنا أسير في طريقي إلى الحاجز العسكري، فتصادفت مع قول الله الذي تعرفت به في المترو وأخذت أكرره وأكرره وكأنني لم أقرأ من كلمات الله سواه، وأخذت أرجو المولى أن يهبني الثبات والطمأنينة، وقد حدث في هذه الأثناء أمر غاية في الغرابة ففجأة لم أعد أرى أفراد الجيش بعيني بعد أن مررت من الحاجز وأنا لم أشعر به، ولم يوقفني أحد، وبت على ثقة ويقين أنهم لم يروني كما لم أرهم، ولذا لم يوقفني أحدهم، وبعد عدة خطوات أخرى التفت ورائي فرأيت مجموعة كبيرة من الشباب المسلم والعربي وقد أوقفوهم بينما مررت أنا لا أدري حتى الآن كيف؟ أخذت أحمد الله وأشكره على ما تفضل به علي، وأخذت أفكر لماذا لم ترهم عيني؟ فقلت: لعل ذلك حتى يطمئن قلبي فلا يتسبب ارتباكي في توقيفي، وعندها علمت بقين أن الله قادر -إن أراد- على ما يدهش العقول ويحير الألباب، وتيقنت أن الله أكبر وأقوى من الأسباب، فهو سبحانه خالقها.