العنوان شؤون عربية إسلامية: تونس.. ورياح التغيير
الكاتب المحرر المحلي
تاريخ النشر الثلاثاء 31-يناير-1978
مشاهدات 86
نشر في العدد 384
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 31-يناير-1978
شؤون عربية إسلامية
تونس.. ورياح التغيير
- من هو الوريث الشرعي للتركة الشعبية والسياسية التي خلفها بورقيبة وهو يقترب من النهاية؟
- ظلت تونس في سنواتها الأخيرة تعيش واقعًا سياسيًا قلقا بسبب الغياب النهائي المرتقب للرجل الذي ظل يحكم تونس منذ بداية الاستقلال.
أشبه ما تكون بالمنطقة الآمنة، تحوم حولها الأحداث ولا تترك عليها أثرًا.. هكذا كانت الجمهورية التونسية أمام النظرة العابرة، تصطرع حولها الأحداث في غربها، بين الجزائر من جهة، والمغرب وموريتانيا من جهة أخرى حتى توشك أن تتحول إلى اشتباك دموي وتستعر من شرقها العلاقات بين ليبيا ومصر، حتى وصلت خلال الأشهر الماضية إلى حد الإغارة والقصف بالطائرات بين البلدين، ولا تزال القطيعة بينهما على عمقها إلى اليوم، كل هذا وتونس بورقيبة تبدو كأنها ليست هناك، اتخذت من الصمت دثارًا، وتلفعت اللامبالاة، وأخذت ترنو إلى بعيد، تأكيدًا لطمأنينتها على وضعها الداخلي، واستقرارها السياسي الذي سحب ثوبه عليها طوال فترة حكم الحبيب بورقيبة. أو هكذا كان الأمر يبدو في ظل حزبها الواحد: حزب الدستور.
ولكن، هل صحيح أن تونس كان لديها من الأسباب والمقومات ما يجعلها تركن إلى هذه الطمأنينة؟ أم أنها كغيرها من دول المنطقة لا بُدَّ لها أن تتعرض للهزات وعدم الاستقرار وإلى التغيير آخر الأمر؟
لم يكن الانفجار السياسي المفاجئ الذي وقع في الأسابيع الأخيرة من شهر ديسمبر الماضي، والذي بدأ بالمعارضة الواضحة التي أعلنها وزير الداخلية التونسي الطاهر بلخوجة لسياسة الحكومة، وأعقبه إقصاء وزير الداخلية من منصبه إلا بداية لسلسلة من الحلقات، والأزمات السياسية التي سوف تتعرض لها تونس في مستقبلها السياسي القريب، الذي ربما ينتهي إلى تغيير جذري في نظامها الجمهوري.
وقد ظلت تونس في سنواتها الأخيرة تعيش واقعًا سياسيًا قلقًا، بسبب الغياب النهائي المرتقب للرجل الذي ظل يحكم تونس منذ بداية الاستقلال، وبسبب المشاكل الاجتماعية المختلفة التي ظلت تحيط بالشعب التونسي متمثلة في التضخم والبطالة وارتفاع تكاليف المعيشة، التي كادت أن تعصف بالوضع الحكومي القائم.
وخلال ذلك ظلت الإضرابات في صفوف الطلاب والعمال التونسيين لا تتوقف إلا لفترات قليلة تعبيرًا عن الواقع السيئ في البلاد، وقد جاء في الإحصاءات الرسمية أن أكثر من أربعين إضرابًا عماليًا قد وقع خلال الفترة من يناير إلى يونيو من العام الماضي.
ويجيء الانقسام الذي وقع في حزب الدستور الحاكم الذي انتهى بخروج ستة من الوزراء من الحكومة معلمًا واضحًا للقلق والاضطراب الذي يتعرض له الموقف السياسي في تونس، خاصة وأن الحبيب بورقيبة يتعرض لضغط المرض، ولا يمارس الحركة إلا وفقًا لمشورة الأطباء، ولم يعد من الناحية العملية، ذلك الرجل المقتدر الذي يمارس الحياة السياسية العملية بإرادة قادرة، على الرغم من أنه دستوريًا يجمع سلطة رئاسة الدولة، ورئاسة الحزب، وهو الذي يختار أعضاء المكتب السياسي للحزب الحاكم، ويعين الوزراء للحكومة، كما يعين الأمين العام الذي يصبح فيما بعد رئيسًا للوزراء، هذا الرجل الذي يجمع كل هذه السلطات لم يعد هو ذات الرجل الذي يمارسها بالقدرة الماضية التي جعلت منه ذلك الرجل الذي تتمثل فيه تونس بالصورة التي اختارها هو أن تكون.
ويأتي السؤال عن التركة الشعبية والسياسية التي خلفها الرجل وهو يقترب من النهاية: من هو الوريث الشرعي لها؟ ومن الذي يحدد طبيعة هذا الوريث؟ هل هو الدستور وحده؟ أم هو التعديل الوزاري الأخير الذي جعل من الحبيب بورقيبة الابن مستشارًا لوالده وبذلك دخل مجلس الوزراء؟ أم هي الإرادة الشعبية الرافضة المتطلعة للتغيير؟ أم هو الجيش؟ هذا هو السؤال الكبير الذي يقف الآن عاليًا فوق الأرض التونسية، يطل على شعبها وينتظر القادم نحوه ليجد على يديه الجواب الحاسم الذي يحدد معالم المستقبل في تونس الخضراء.
غير أن الإجابة على ذلك السؤال ليست معزولة عما يجرى الآن من تحديات ومواقف سياسية، سواء... كانت على الصعيد الحكومي الرسمي ثم على مستوى اتحاد العمال التونسي والمعارضة التي يمثلها الوزراء المستقبلون بدءا بوزير الداخلية الطاهر بلخوجة، فوزير الخارجية الحبيب الشطي، ووزير الاقتصاد عبد العزيز الأصرم. ووزير الصحة المنجي كعلي، والمنصف بلحاج عمر الوزير المطلق بالعلاقات مع البرلمان، والكاتب العام للحكومة أحمد بنور وزير الدولة للدفاع الوطني ومحمد الناصر وزير الشئون الاجتماعية.. فالحكومة التونسية رئاسية الهادي نويرة.
ترى إنها بهذا تعديل الوزاري الجديد، قد وضعت حدا للصحوة السياسية الجديدة التي تمت على يد الوزراء لمستقيلين، وإن المشكلة بنظرها قد انتهت، ولو من الناحية النظرية غير أن رئيس الوزراء الهادي نويرة يعود فيقرر حقيقة قائمة على صعيد المشكلة السياسية فيقول: إن معارضين معروفين لخط التنمية التونسي كما تراه الحكومة - أخذوا العمل النقابي نقطة ارتكاز لهم فاندسوا في صفوف الحركة النقابية أثاروا الاضطرابات -. وهذا التصريح بذاته يضع مؤشرا واضحا كان حكومة الهادي نويره نشير بإصبع لاتهام إلى عدد من المسئولين في الحكومة وفي الحزب معا، بأنهم وراء الاضطرابات الأخيرة في البلاد. ولكن لماذا هذه الهزه والاضطرابات لا فهذا ما لم تشأ الحكومة أن تشير إليه، ولكن المصالحة الوطنية التي أعلنها الحبيب بورقيبة في سبتمبر الماضي بين الحكومة واتحاد النقابات العمالية رئاسة الحبيب عاشور، تؤكد بأن الطريق أخذ في الانشطار حقيقة لا إنجازا وإن وراء التحرك العمالي طائفة من الوزراء ممن أخذوا على الحكومة معالجتها للإضرابات بالقوة دون معالجة القضية من أساسها الهدوء والحوار وتقصي الأسباب.. وهذا الطريق الأخير هو الذي اختاره - الطاهر بالخوجة وهو وزير للداخلية.
حين رفض أن يصدر أوامره للشرطة بقمع المتظاهرين بالقوة حتى ولو اقتضى إطلاق الرصاص عليهم، الأمر الذي انتهى بإسناد وزارة الداخلية إلى عبد الله فرحات الذي هو في ذات الوقت وزير الدفاع والذي عرف عنه استخدامه الجيش ضد المتظاهرين مرات عديدة، كما أسندت إدارة الأمن العام إلى عبد المجيد بو سلامة، بدلًا من العقيد زين العابدين بن علي، الذي أقيل في نفس الوقت من منصبه كمدير للأمن العام.
وهكذا يتبلور الصراع في الحقائق التالية:
- اتجاه قوي يدعو إلى أن تغير سياستها البالية لتتسم بشيء من المرونة والانفتاح والانعتاق من ربقة الأسر الجامد، ومعالجة المشاكل بروح ترتفع إلى درجة الوعي الشعبي العام في تونس. ويقود هذا الاتجاه الطاهر بلخوجة ومحمد المصمودي وزير الخارجية السابق، والحبيب عاشور الأمين العام لاتحاد نقابات العمال.
- اتجاه الحكومة المتشدد في الحفاظ على سياستها الراهنة، والتي ترفض التحرك والمرونة والانفتاح.
وكلا الاتجاهين مدعومان بإحدى القوى الوطنية، الأول تدعمه النقابات العمالية التي يقوم على طاقاتها معظم أوجه النشاط، والإنتاج الاقتصادي في البلاد، ويدعم الاتجاه الثاني الجيش والشرطة، وكلاهما بيد فرحات الذي يؤازر ويدعم الهادي نويرة ويؤيد سیاسته.
ولئن كان تدخل الجيش في قمع التظاهرات رهينًا بوقوع الاضطرابات أو إعلان حالة الاستعداد تحسبًا لوقوعها، إلا أن موقف العمال قد يتضح وإلى مدى طويل من السياسة التي أعلنها بيان اتحاد نقابات العمال التونسي، الذي صدر في أعقاب التعديل الوزاري في تونس والذي جاء فيه:- إن اتحاد العمال رغم تجنبه التدخل في شئون الحكومة، يرى أن تعيين وزير الدفاع وزيرًا بالنيابة للداخلية، وتعيين عقيد بالجيش على رأس الإدارة العامة للأمن يمثل منعرجًا في سياسة البلاد نحو التصلب، وأن اتحاد النقابات سيواصل عمله في الدفاع عن مصالح طبقة العمال بأكثر شجاعة ويقظة.
وعلى الرغم من أن حكومة تونس قد استجابت في ٢٩ ديسمبر الماضي لمطالب عمال الفوسفات الذين هددوا بالدخول في إضراب مفتوح، ولمطالب عمال السكة الحديد في اليوم التالي اللذين لو وقعا لكلفا الحكومة أكثر من مليون دولار في كل يوم، إلا أن الأمر فيما يبدو يسير في تونس بوجه عام نحو التغيير والتبديل، وكل ما يحدث على الساحة التونسية اليوم إنما هو إرهاصات ومقدمات لنتائج حدثت أشباهها في كثير من الدول العربية في صورة أو أخرى.
ولئن كان البعض يرى أن علاج الوضع القائم في تونس اليوم يكمن في تأليف جبهة قومية تجمع الزعماء التونسيين في بوتقة واحدة وطنية متماسكة، إلا أن هذا الحل لا يخرج في مضمونه عن حلول سابقة شبيهة في العالم العربي، لا تغير كثيرًا في النتائج التي تنتهي- غالبًا- آخر الأمر بوثوب الجيش للسلطة، فهل تُرى آذنت شمس النظام الذي استمر في تونس منذ استقلالها للمغيب؟ وهل كتب عليها أن تتعرض في حال غياب رئيسها الحالي للاضطرابات والهزات الداخلية؟ أم أن ما يجري على ساحتها اليوم إنما هو سحابة عابرة غامت فوق سمائها لا تلبث أن تزول؟
إن الغد وحده كفيل بإيضاح الرؤيا، ونأمل صادقين أن تتجاوز تونس كل الظروف العصبية التي كثيرًا ما تشارك في إذكاء نارها المؤثرات الدولية الخفية والظاهرة، حتى يبقى شعبها متمتعًا بالحرية والأمن والاستقرار.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل