; شؤون عالمية(411) | مجلة المجتمع

العنوان شؤون عالمية(411)

الكاتب عبد القادر طاش التركستاني

تاريخ النشر الأحد 10-سبتمبر-1978

مشاهدات 32

نشر في العدد 411

نشر في الصفحة 20

الأحد 10-سبتمبر-1978

 

شاهد جديد على

سقوط الحضارة الغربية

  • ليس- سولجنتسين- الروائي الروسي- هو أول من شهد على تدهور الحضارة الغربية، فقد سبقته إلى إطلاق هذا النذير مجموعة من المفكرين والروائيين كالمفكر الألماني- سبنجلر- والمفكر البريطاني- كولن ولسن- الذي ألف كتاب- سقوط الحضارة- ولكن ما قصة سولجنتستين-؟ ولماذا تهتم الصحافة- هنا وهناك به وبأفكاره وآرائه في السياسة والحضارة؟ ولماذا صدرت افتتاحيتا مجلتين عربيتين- وهما العربي والدوحة- وهما تحللان وتنقلان خطاب - سولجنتسين- في جامعة هارفارد-؟

من هو- سولجنتسين-؟

ننقل ما ذكرته مجلة العربي في التعريف به في العدد ٢٣٧ أغسطس ۱۹۷۸م: وحياة سولجنتسين حياة غريبة، فقد شب في أول دولة شيوعية في العالم وهي روسيا... وقد عاش أسوا وأصعب مراحل الثورة. رأى عصر المجاعات وعصر ستالين بإجراءاته البالغة العنف لتغيير حياه مئتي مليون نسمة وقلبها رأسًا على عقب. 

وتمرد ككاتب وفنان ومواطن على الدولة، وعرف حياة السجون والمنافي ومستشفيات الأمراض العقلية. 

اشتهر كروائي مبدع وأعطاه الغربجائزة نوبل، وقد قررت السلطة طرده نهائيًّا من البلاد، وفي الغرب قوبل مقابلة الأبطال الغرب، وقد استقر به المقام أخيرًا في أمريكا، ولأول مرة قبل درجة الدكتوراه الفخرية من جامعة هارفارد.

كلمة في جامعة هارفارد: - حين وقف- سولجنتسين- ليتسلم الدكتوراه من هارفارد ألقى كلمة فاجأ بها الحاضرين جميعًا فقد انتقد فيها المجتمع الغربي الرأسمالي دون أن يعدل عن موقفه في إدانة المجتمع الشيوعي في الاتحاد السوفيتي وترجمت هذه الكلمة- إلى كل اللغات وأثارت جدلًا واسعًا في الغرب، فهذه الروح القلقة التي جاءت إلى جنة الغرب، يعلن صاحبها أنه لم يجد الجنة التي توقعها- كما تقول العربي- وأهمية كلمة. سولجنتسين- تأتي من أنه انتقد المجتمع الشيوعي، ثم هو ينتقد المجتمع الغربي بنفس الروح، وهو الذي عاش في المجتمعين معاناة وعذابًا. 

وهم التفوق.

و- سولجنتسين- يدرك المرض الذي تعاني منه حضارة الغرب ثم يشخص هذا المرض، أو على الأقل يدرك جوانب كثيرة من ذلك التشخيص إنه يتحدث عن روح الغرب التي تتركز في وهم التفوق، فهم يعتقدون ويركنون أساسًا إلى أن أي دولة في العالم سوف يكتب لها التقدم، لن يتحقق لها ذلك إلا بانتهاج النظم الغربية- أي البرلمانية وتعدد الأحزاب وما إلى ذلك...

لن أختار النموذج الغربي: -

ومثلما يئس سولجنتسين من قدرة النظرية الشيوعية لحل مشكلات

بلاده، فهو يائس بنفس القدر من قدرة النظرية الغربية أيضًا.

 إنه يقول: لو سألني أي إنسان ما إذا كنت سأختار الغرب كما هو في حالته الراهنة كنموذج لما أريد أن تكون عليه بلدي فلا بد أن أجيب بالنفي... إن معاناة أجيال من العنف، والقهر تجعل الروح الإنسانية تتطلع إلى أشياء عليه مليئة بالدفء، والنقاء أكثر مما يمكن أن تيسره أساليب الحياة الغوغائية المنحلة التي تقتات على غزو جحافل الإعلان المقزز المنفر وتخدير التلفزيون وهدير الموسيقى الصاخبة التي لا تحتمل-. 

- البحث عن العدالة الموضوعية: - 

وانتقاد سولجنتسين للقانون الوضعي في المجتمع الغربي صورة أخرى وشاهد آخر للتدهور الغربي وهو بهذا يضع أصبعه على مكمن من مكامن المرض الغربي.. إنه يقول: لقد عشت طول عمری تحت ظل نظام حكم يفتقر إلى مقاييس العدالة الموضوعية، وأعرف كم هو فظيع ذلك ولكن المجتمع الذي لا يملك أي معايير أو مقاييس أخرى غير القانون الوضعي، ولا يردعه عن الشر سوى يد القانون الباطشة وحدها، هو أيضًا وبنفس القدر مجتمع تحتقر فيه قيمة الإنسان.

 إن يد القانون مهما كانت طائلة هي يد باردة، ذات طابع رسمي جامد لا يمكن أن يكون لها أي تأثير حقيقي في مناهضة الجريمة والشر، ومتى كانت علاقات الناس نسجًا لا تربطه إلا خيوط قانونية، تولد جو من الإنحطاط الأدبي والخلقي يشل أنبل ما في الإنسان.

المادية.. روح الداء:

ليس غريبًا أن يرجع سولجنتسين حالة الغرب المنكود إلى طغيان الروح المادية في مختلف جوانب الحياة والجرى وراء الرفاهية المادية في كل شيء إذ المادية هي الأساس التي قامت عليه حضارة الغرب ومن ثم انطبع هذا الأساس على كل شيء.

وليس التفكير المادي المطلق مقصورًا على الغرب، بل الغرب والشرق يلتقيان فيه- كما يقول سولجنستين- فإذا كان الشرق- في رأيه- ماديًّا وملحدًا رسميًّا وبحكم فلسفة الدولة، فالغرب يصل الى نفس النتيجة عن طريق آخر طريق الانغماس في المصلحة والمادة وحب الاقتناء والاستهلاك

ويواصل الروائي الروسي تحليله لهذا الأساس المادى الذي تقوم عليه الحضارات المادية فيقول: وحضارة شأنها البحث عن اللذة والاستمتاع والمزيد من الرخاء لا يمكن إلا أن تكون حضارة شائخة خائفة تهاب الموت، وتكره التضحية فهي تتنازل أمام خصومها خطوة بعد خطوة طلبًا للسلامة.. وهذه الكلمات مدعاة للتأمل الطويل والتفكير الفاحص.

صحافة الفساد والفضائح: 

ولا يهمل سولنجنتسين الحديث عن الصحافة باعتبارها مظهرًا بارزًا من مظاهر الحضارة- أية حضارة- إذ هي صورة من صور المجتمع الذي تمثله.. ولا شك أن الأساس المادي أو الروح المادي يسيطر على هذه الصحافة، ولذلك فهي تبحث عن الإثارة في الدرجة الأولى.. تبحث عن السرقة والجرائم والصحافة الجنسية والحوادث والفضائح. 

ويرى سولجنتسين أنه إذا كان للإنسان حق في أن يعرف فإن له الحق أيضًا في ألا يعرف- فهو- شخصيًّا- لا يريد أن يعرف معظم الفضائح والحوادث التي تطارده عبر كل وسائل الإعلام دون رحمة. 

إنها تشتت ذهنه، تمزق روحه، ويضيف سولجنتسين القول بأن التسرع والتفاهة هما أعتى أمراض الحياة الغربية المعاصرة في القرن العشرين.

وأكثر ما تتمثل في الصحافة الغربية فالتحليل الموضوعي الجاد والعميق للأحداث شيء تعرفه الصحافة ولا تعيره أهتمامًا.. إن هنالك ميلًا خطيرًا لتحويل كل البشر وفي كل مكان إلى قطيع متشابه وخنق كل محاولة لتنمية التفكير الفردي المستقل الاصيل

والحل...؟

يری سولجنتسين أن الحل يكمن في تصحيح تاريخي في إطار الحرية الفردية المطلقة السائدة الآن؛ لأنها حرية لا تقيدها أية مسؤولية أخلاقية أو دينية أو وطنية. 

إنما يريد أن ينقص مبدأ الديمقراطية الغربية كفكرة وممارسة، ويوضح سولجنتسين رأيه بالقول:- أن الطريقة الوحيدة نحو تصحيح المسار المادي المنحرف للإنسان الغربي المعاصر هي عودة الإنسان إلى الإيمان بقوة مهيمنة على مصير الإنسان هي التي تحدد له قيمه ومسؤولياته الأخلاقية والأجتماعية، وكذلك الإيمان- بوجود قيم أخلاقية عالمية وموضوعية- شاملة لكل البشر وهي تعلو على كل اعتبارات الحرية الفردية التي لا تحددها حدود. 

ويرى أن تحقيق هذه القيم الإنسانية الأخلاقية على هذه الأرض يحتم وجود نظام مستبد عادل يقوم على أسس أخلاقية، وهو الذي يفرض قيم الخير ويقوم كل إعوجاج.

تلك لمحات فحسب من كلمة سولجنتسين في جامعة هارفاد كبرى الجامعات الأميركية.. وتلك بعض الصيحات المنذرة التي أطلقها الروائي الروسي في عقر الحضارة المادية المتدهورة.. ولعل نظرته إلى الحل الصحيح لذلك التدهور هي أخطر ما قاله في كلمته ولكن ترى.. ما هو هذا الإيمان الذي يدعو إليه الروائي الروسي وقبله مفكرون آخرون؟. ما هو النظام البديل الذي يتطلع إليه سولجنتسين وكثير من الحيارى أمثاله؟ وسؤال أخير: -

ترى هل اطلع سولجنتسين على الإسلام، بعد أن سبرغور المعسكرين الشرقي والغربي؟ ثم ماذا تراه قائلًا وفاعلًا لو اطلع على الإسلام؟

عبد القادر طاش- الطائف

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 470

77

الثلاثاء 19-فبراير-1980

سقوط الحضارة الغربية