; شؤون عالمية.. في انتظار الهجوم الكبير الذي قَد لا يقَع | مجلة المجتمع

العنوان شؤون عالمية.. في انتظار الهجوم الكبير الذي قَد لا يقَع

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الخميس 01-يونيو-1978

مشاهدات 84

نشر في العدد 398

نشر في الصفحة 12

الخميس 01-يونيو-1978

▪    المطلوب تصفية الثورة الإرترية بالحرب الأهلية أو بانقلاب عسكري في أديس أبابا!

في السابع والعشرين من الشهر الماضي أعلن الثوار الإرتريون أن هجوم قوات النظام الأثيوبي الأخير على المواقع المحررة حول العاصمة استمر اثني عشر يومًا قد فشل فشلًا ذريعًا.

وجاء هذا الفشل ليؤكد التوقعات السابقة والتي استبعدت قيام الأثيوبيين بهجوم واسع النطاق- بمساعدة كوبية وسوفيتية- على المواقع الإرترية لتصفية الثورة التي مضى عليها سبعة عشر عامًا، كما كانت قد فعلت في وقت سابق في إقليم أوغادين.

وكان لهذا الرأي ما يبرره، فهناك صعوبات عسكرية حقيقية تواجهها القوات الغازية تجعل اجتياح إريتريا أصعب بكثير من اجتياح أوغادين، حيث تواجه هذه القوات مقاتلين متمرسين على القتال وبخاصة حرب العصابات، التي لهم خبرة قديمة بها، في أرض وعرة لا تساعد أحوالها الجغرافية والطبيعية على خوض حرب تقليدية سهلة.

وهناك صعوبات سياسية تقف بوجه الغزاة، وبخاصة الروس والكوبيون، حيث سيكون من الصعب عليهم إقناع الرأي العام بأن ثورة إريتريا مجرد مجموعات من المتمردين الانفصاليين الرجعيين، بعدما كانوا يعتبرون، ولفترة طويلة مضت، ثوارًا وطنيين.

وكما قالت صحيفة الغارديان البريطانية فإن مقاتلة كوبا للمواطنين الإرتريين ستعني وضع حد لهيئة كوبا ومطالبتها بتزعم حركة عدم الانحياز في العالم الثالث.

وواجه الاتحاد السوفييتي، هو الآخر، موقفًا سياسيًا صعبًا، فقد تدخل عدد من الدول العربية لدى موسكو مطالبين بالإحجام عن دفع أديس أبابا لشن هجومها الكبير.

وهدد العراق بقطع العلاقات الدبلوماسية مع الاتحاد السوفييتي لو اجتاحت القوات الحبشية إريتريا.

وإزاء هذه المعطيات الجديدة كان من المتوقع جدًا أن يتبع محور موسكو- هافانا- أديس أبابا أسلوبًا جديدًا للقضاء على الثورة الإرترية، ليس من بينها اتباع أسلوب أوغادين.. وهذا الاحتمال لا يتناقض- بطبيعة الحال- مع تعاظم الحشود العسكرية الحبشية- الكوبية في إريتريا، بل ستكون هذه الحشود احتياطيًا جاهزًا للاستخدام في حالة فشل الأسلوب الآخر، أو على الأقل، تكون ورقة للضغط على الثوار وإرغامهم على القبول بالحلول الجديدة.

وفي هذا الاتجاه، فلا عبرة لتأكيدات الصحافة الغربية حول احتمال قيام الحبشة وكوبا بغزو إريتريا، لإعادة فرض السيطرة الحبشية على الـ٩٥ بالمائة من أرض «الإقليم» الشمالي التي حررتها قوات الثورة لأننا نعرف- أن المصادر الغربية إنما تعزف نغمًا ليس هو بالتأكيد نغم نصرة الشعب الإرتري والاعتراف بحقه في تقرير مصيره بما في ذلك الاستقلال عن الحبشة وإقامة دولته، وأساسًا، فإن الاهتمام الغربي بقضية إريتريا إنما هو أمر مستجد، ولعله عارض، سببه انحياز الحبشة إلى الاتحاد السوفييتي، وما يشكله ذلك من خلخلة للتوازنات الدولية في هذه المنطقة.

ولعل الغرب يتعاطف مع إريتريا على أساس قاعدة: عدو عدوي صديقي! ومن المحتمل أنه سوف يسجل هذا التعاطف- أو على الأقل ألا يمضي به لمدى أبعد مما هو عليه الآن- إذا حصل تنسيق أو اتفاق وراء الكواليس بين الأطراف الدولية المتصارعة في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي لتحقيق مصالحها وأغراضها في المنطقة.

وكنا قد ذكرنا في عدد سابق أن ثمة دعوة إلى حل المشكلة الإرترية سلميًا.

والواقع أن هذه الدعوة ليست جديدة أصلاً، فمنذ زمان كانت تصدر بعض الأصوات التي تدعو إلى تسوية سلمية للقضية، وغالبًا ما تكون هذه الأصوات أصداء لتفكير القيادة السوفيتية، وخاصة بعد إعلان النظام العسكري الماركسي في أدبس أبابا، ولم يخف بعض الكتاب المتعاطفين مع هذا النظام رفضهم الإصرار على مبدأ انفصال إريتريا عن الحبشة.

(اقرأ مقال «نحو حل سياسي لقضية إريتريا»  بقلم عبد الملك عودة في مجلة السياسة الدولية المصرية عدد ٤٠ الصادر في أبريل عام ۱٩٧٥).

وقد أعلنت الأحزاب الشيوعية العربية تأييدها أن لبيان الحكومة العسكرية في أدبس أبابا الصادر في ديسمبر 1974، والذي دعا إلى تسوية المشكلات الإقليمية في أثيوبيا في إطار الحفاظ على وحدتها الحالية، واعتبرته حلًا نموذجيًا!

ويتبنى الاتحاد السوفييتي، كما ذكرت أنباء صحفية نشرت في باريس مؤخرًا، فكرة التسوية السلمية للمشكلة وتقول هذه الأنباء إن الجزائر نقلت وجهة النظر السوفيتية إلى القادة الإرتريين، في محاولة لإقناعهم بقبولها.

ليس سرًا أن الحل السلمي المطروح يستبعد أية إمكانية لاستقلال إريتريا الكامل عن الحبشة، وإنهاء الضم القسري الذي فرضه هيلاسيلاسي في ١٤ نوفمبر عام ١٩٦٢، بعد إلغائه للاتحاد الفدرالي بين الطرفين والذي قررته الأمم المتحدة عام ١٩٥٠، بناء على اقتراح أميركي، بل ويمضي الحل السلمي لأبعد من هذا ويقترح إقامة اتحاد كونفدرالي بين الحبشة وإريتريا واليمن الجنوبي والصومال، حسب المخطط السوفييتي لإحكام السيطرة السوفيتية على البحر الأحمر.

ويرى دعاة الحل السلمي أن الاستقلال ليس غاية بحد ذاته، فإذا أمكن تحقيق بعض أغراضه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، فمن الممكن التخلي عنه كهدف سياسي معلن للثورة الإرترية، وبهذا تتحول الثورة بنظر هؤلاء، من حركة تحرر وطني إلى حركة انفصالية، فقط، وبهذا يتجاوز الحل السلمي مبررات الثورة الإرترية وإنجازاتها على ساحة كفاحها، بل ويصادرها تمامًا ولا يكون إذن، إلا أسلوبًا مهذبًا لتصفية الثورة وإقرار شرعية الاستعمار الأثيوبي لإريتريا.

ولعل هذا التوجه يمنحنا الفرصة أن نتساءل عن المانع الذي يحول دون قبول اقتراح مناحيم بيغن القاضي بمنح الضفة الغربية نوعًا من الحكم الذاتي في ظل السيادة اليهودية على المنطقة؟!

التطور الخطير في مسيرة العمل السلمي الآن أن أطرافًا عربية أخذت تنشط في إقراره، إضافة إلى احتمال قبول الفكرة من قبل بعض فصائل الثورة، مما يعني إسقاطها عمليًا لشعار الاستقلال.

ومشكلة الدول العربية المتعاطفة مع الحل السلمي أنها تجري حساباتها وتحدد مواقفها على أساس ارتباطاتها ومصالحها هي وليس على أساس معطيات الوضع التاريخي والديني والثقافي في إريتريا وأهداف الشعب الإرتري.

فعلى سبيل المثال نجد أن السر في موقف الجزائر المؤيد لسياسة أديس أبابا ولفكرة التسوية السلمية هو تأييد الحكومة الحبشية للجزائر في خلافها مع المغرب وموريتانيا بخصوص الصحراء المتنازع عليها بين الدول الثلاث، والتي تطالب جبهة البوليساريو بإعلانها جمهورية مستقلة، وإلا فما الفرق بين الصحراء وإريتريا فيما يتعلق بالمطالبة بالاستقلال، الذي تراه الجزائر حقًا مشروعًا لشعب الصحراء الذي لا يتجاوز تعداده بضعة آلاف؟؟

من جهة أخرى استدار الموقف السوداني، الذي ذاق من قبل مرارة الحركة الانفصالية في الجنوب، دورة كاملة حول نفسه، فقد أصدر مجلس الدفاع الوطني السوداني بيانًا دعا فيه إلى وضع حل سلمي للمسألة الإرترية، ضمن نطاق منظمة الوحدة الأفريقية، وأكد موقف السودان الثابت ضد الأعمال العسكرية.

والمعروف أن منظمة الوحدة الأفريقية ترفض أي تغيير، لأي سبب كان، في الحدود السياسية الحالية في أفريقيا، وبالتالي فهي لا تعترف بشرعية أي من الحركات «الانفصالية» الداعية إلى الاستقلال!

وقد أكدت أنباء صحفية تضاؤل الدعم السوداني التقليدي لثوار إريتريا، والرغبة بدعم استقلالها، وقد لخصت صحيفة نيويورك تايمز في مقال لها نشر مؤخرًا أسباب تبدل الموقف السوداني كما يلي:

1- إن السودان يشعر بالضيق بسبب عدم استطاعة الثوار توحيد صفوفهم، مما ينذر بتحول إريتريا المستقلة إلى أنغولا ثانية.

٢- إن النميري ليس متحمسًا لمعاداة أثيوبيا، ويتخوف السودان من احتمال قيام الحبشة بدعم وإثارة المشاعر الانفصالية في جنوب السودان غير المسلم، وكان اتفاق أديس أبابا الذي عقد بمباركة من إمبراطور الحبشة قد وضع حدًا لتمرد الجنوبيين على الحكومة المركزية في الخرطوم.

ونعيد إلى الأذهان ما قلنا سابقًا من أن محور القاهرة- الرياض- الخرطوم يشعر بخيبة أمل بسبب مواجهته لمحور موسكو- هافانا- أديس أبابا في البحر الأحمر وأفريقيا، والتي أدت إلى إلحاق الهزيمة المرة بالقوات الصومالية في أوغادين.

كل هذه المعطيات أدت إلى تأخير- أو ربما إلغاء- التدخل السوفيتي الكوبي الواسع النطاق في تصفية الثورة الإرترية.

وقد أكدت صحيفة درشبيغل الألمانية أن القوات الكوبية ما زالت تتلكأ في توجيه الضربة القاضية للثوار الإرتريين، وقالت: «ويبدو أن الأمر سيبقى على ما هو عليه الأمر».

ولكن هل يستمر الأمر على ما هو عليه إلى ما لا نهاية، وماذا سيحصل لو أن الثوار الإرتريين رفضوا الموافقة على الحل السلمي؟ وماذا سيحصل لو أن منغستو مريام أصر على الاجتياح الواسع لمواقع الثوار؟

بعض المراقبين يضعون احتمالين للمستقبل: إما قيام السوفييت- بالتعاون مع الكوبيين- بتغيير القيادة الأثيوبية «المتطرفة» والتي يرأسها منغستو مريام، والإتيان بقيادة أخرى أكثر اعتدالًا، ترضى بالحل السلمي.

وثمة أنباء تقول بوجود خلافات بين الكوبيين والقيادة الأثيوبية، وثمة أنباء أخرى تقول إن الكوبيين بالتعاون مع اليمنيين الجنوبيين حاولوا قلب نظام الحكم في أديس أبابا، إلا أن محاولتهم فشلت مما أدى إلى طرد دبلوماسيين يمثلون الدولتين لدى العاصمة الحبشية.

الاحتمال الثاني هو التحريض على قيام حرب أهلية في إريتريا على غرار الحرب الأهلية التي قامت في أنغولا والتي أدت إلى التدخل الكوبي لصالح إحدى جبهات التحرير.

ويقول هؤلاء المراقبون إن الحرب الأهلية بين جبهات التحرير الإرترية الثلاث ليس بالأمر الصعب نظرًا لوجود الخلافات العقائدية والسياسية وحتى الدينية والعرقية بين الثوار، ولا يحتاج الأمر إلا إلى مخرج ماهر وسيناريو معد بعناية.

وعند قيام الحرب الأهلية- لو قامت- لن تجد موسكو وهافانا صعوبة في إقناع العالم بمشروعية تدخلهما السافر والواسع في أريتريا، لصالح هذه الحركة أو تلك.

والخلاصة، أنه على مشارف إريتريا تقف الطائرات والمدافع من جهة، وحمامات السلام الحمراء من جهة ثانية، على أهبة الاستعداد لتصفية الثورة الإرترية، فأيهما- يا ترى- سيكون الأسبق في الاجتياح القريب والوصول إلى الطرف الثاني من إريتريا، على سواحل البحر الأحمر؟؟

ولسنا ندري هل سيشارك العرب هذه المرة بإنضاج الطبخة السلمية لاغتيال الثورة في إريتريا، بعد أن اكتفوا بالوقوف متفرجين فقط- عدا عدن- في الطبخة العسكرية التي أدت إلى إعادة احتلال أوغادين في المرة السابقة؟؟
 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

170

الثلاثاء 07-أبريل-1970

أحداث السودان

نشر في العدد 8

145

الثلاثاء 05-مايو-1970

صحافة - العدد 8