العنوان شؤون دولية (1349)
الكاتب أحمد الأديب
تاريخ النشر الثلاثاء 11-مايو-1999
مشاهدات 96
نشر في العدد 1349
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 11-مايو-1999
الأطلسي الجديد.. منظمة إقليمية تتحرك عالميًا
الهيمنة الأمريكية على الناتو أصبحت مفروضة بعد أن كانت مطلوبة
والمقاومة الأوروبية للجموح الأمريكي لا تزال دون مستوى التأثير
قد تختلف دول حلف الناتو في تفسير بعض نصوص ميثاقه ولكن عند اتخاذ القرار فإن الجميع يلتزم بالتفسير المتشدد للنصوص
يثير محتوى التحليلات والمتابعات في وسائل الإعلام العربية حول قمة واشنطن الأطلسية الدهشة عند التأمل في تراوحها بين نقيضين، أحدهما يقول ببداية العد التنازلي لوجود حلف شمال الأطلسي نفسه، والآخر يقول إنه تهيأ لدور شرطي دولي متمرد على أي ضوابط من خارج دائرة صناعة القرار فيه، ذات الصبغة الأمريكية في الدرجة الأولى، فأين الحقيقة بين هذا وذاك، أو ما التصور الأقرب للواقع بين هذين التصورين؟
لا ينبغي التسرع والجزم برأي لا يوجد دليل قاطع على صحته، ولكن يمكن الانطلاق من سلسلة من الوقائع الثابتة، التي لا يخضع محتواها لتكهنات واستنتاجات فهي من قبيل المعلومات الأولية الضرورية قبل أي تحليل. ومن ذلك ما ورد في الصياغة الجديدة لمهام الأطلسي المستقبلية، والتي تقررت بإجماع الدول الأعضاء التسع عشرة فيه. وقد حافظت الوثيقة الجديدة على عدد من المهام السابقة دون تعديل، وأضافت المزيد إليها.. فمن القديم الموروث من حقبة الحرب الباردة ثلاثة محاور جرى التأكيد عليها مجددًا وهي: حفظ الاستقرار في المنطقة الجغرافية الأطلسية، والتعاون الجماعي على ضمان الأمن في كل دولة، وسياسة الردع دفاعًا عن النفس، ويتبع للمحور الثالث محافظة الصياغة الجديدة على بند ثابت منذ الستينيات الميلادية، أي فترة وصول سباق التسلح النووي إلى ذروة خطيرة وقد انطلق آنذاك من تفوق المعسكر الشرقي بأسلحته التقليدية عددًا وعدة، فقرر الحلف الغربي لنفسه حق توجيه الضربة النووية الأولى عند الحاجة. والمفروض أن هذه «الحاجة»، لم يعد لها وجود ولا أثر في الوقت الحاضر، ولكن البند المذكور بقي ثابتًا نتيجة الإصرار الأمريكي- مع دعم بريطاني تقليدي- يمكن ربط مدلول هذا الإصرار بما سبق أن قررته القوات المسلحة الأمريكية من أنظمة تدريبية إضافية لجنودها منذ عام ١٩٩٦م. تنطوي على إمكان استخدام السلاح النووي ضد «جهات إرهابية».
أما الجديد في وثيقة واشنطن عن المهام المستقبلية، فيمكن في مجالين رئيسين، الأول: تحسين مستوى الأمن والاستقرار في «المنطقة الأوروبية - الأطلسية»، وهذا تعبير أوسع مدلولًا من المنطقة الجغرافية للدول الأعضاء، والمجال الثاني: هو استعداد الحلف للتصرف- أي عسكريًا- للحيلولة دون اندلاع الأزمات، أو لإخمادها إذا نشبت.
لا تكفي العناوين وحدها لبيان المضامين أو الكشف عن النوايا المستقبلية، ولكن الوثيقة تضمنت مزيدًا من التفاصيل التي تتطلب التأمل فيها، لا سيما ما يعدده زعماء الحلف كمخاطر محتملة تتطلب التحرك العسكري، ومن ذلك النزاعات الإقليمية أو الصدامات المسلحة على مقربة من حدود الحلف، وهنا يؤكد النص أن المقصود بها الأزمات الناشبة عن أسباب اقتصادية، أو اجتماعية، أو عرقية، أو دينية، أو من جراء صراع على الأرض، أو نتيجة إخفاق في تحقيق إصلاحات اقتصادية «والإصلاحات تعبير يستخدم كناية عن الأخذ بالنظام الرأسمالي» أو بسبب خرق حقوق الإنسان، أو العمل على نشر أسلحة نووية أو كيماوية أو حيوية!
ودرءًا للظن أن ما سبق ينحصر في منطقة تابعة جغرافيًا لحلف شمال الأطلسي، أو على مقربة منه بمعنى الجوار، توضح الصياغة أن «الحفاظ على أمن الحلف يجب أن ينطلق من وجوده ضمن بنية عالمية شاملة». ثم تذكر قائمة أخرى من المخاطر التي يعتبرها زعماء الحلف أسبابًا تستدعي تحركه العسكري عالميًا، ومنها الأعمال الإرهابية.. والجرائم التخريبية والمنظمة.. وقطع الإمدادات بالمواد الحيوية كالنفط والخامات، وتفاقم تيارات الهجرة والتشريد.
هيمنة مفروضة
هذه الصياغة وجدت موافقة جماعية، وإن رافقتها تفسيرات متباينة.. إنما لا يكفي هذا التباين لتبرير استنتاجات تقول مثلًا: إن الحلف بدا يتصدع، أو أن واشنطن لن تستخدمه كذراع عسكرية، أو أن دوره كشرطي دولي سينهار قبل أن يظهر للعيان، وما شابه ذلك من أقوال تبدو كأنها تريد نشر الاطمئنان فحسب.. أو تدعو إلى انتظار المستقبل دون حراك!.. إن التباين بين الدول الأعضاء في تفسير النصوص والصياغات المختلفة كان موجودًا على الدوام، وكثيرًا ما كان يرجع كل طرف إلى رأيه لعرض علاقة دولته بالحلف أما عندما يحين اتخاذ قرار حاسم على مستوى الحلف فلم يكن يصدر القرار تبعًا لتفسيرات تهون من شأن الصياغة وخطورة النصوص، بل كان يصدر دومًا من التفسير «المتشدد» إذا صح التعبير، أو التفسير الأقرب إلى استخدام القوة وتجاوز الاعتبارات القانونية الدولية وسواها.
هذا ما ينبغي أخذه بعين الاعتبار عند تفسير الصياغة الأخيرة، ولا سيما مع وجود شواهد عديدة عليه، قديمة وجديدة، ومن الأمثلة على آخر تلك الشواهد، عندما بدأ القصف الجوي الأطلسي في البلقان تحت عنوان الدفاع عن حقوق الإنسان في كوسوفا، لم يكن أحد يتصور أن قرار الحرب سيصدر بإجماع سائر دول الحلف، لا سيما ألمانيا فعلاوة على ماضيها التاريخي، تزامن القرار مع تبدل الحكم فيها وانتقاله إلى ائتلاف يضم حزبين معروفين عبر عشرات السنين بسياسة تتراوح بين المطالبة بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي، وبين رفض المشاركة في مهام قتالية دولية ولو تحت راية الأمم المتحدة.. ولكن سرعان ما بدأت الحرب بمشاركة ألمانية كاملة في العمليات القتالية هي الأولى من نوعها منذ الحرب العالمية الثانية.
ومثال آخر على شواهد قديمة نسبيًا ما بدأ عام ۱۹۹۰م في ندوة ميونيخ الأمنية الغربية، عندما طرح الوفد الأمريكي صيغة «الإسلام عدو بديل»، فوجد معارضة أوروبية اعتبرت هذه «المبالغة» الأمريكية ضارة بالمصالح الأوروبية نفسها، وعولت على ذلك أقلام إعلامية عربية عديدة بدأت تميز بين تاريخ العلاقات مع الحلفاء الغربيين، ولكن لم يمض سوى عام واحد حتى انتقلت الصيغة المرفوضة إلى محور صياغة المهام المعدلة للحلف أثناء قمة روما الأطلسية، ثم انتقلت إلى صياغة إجراءات عملية في قمة بروكسل الأطلسية عام ١٩٩٤م، بما شمل تعديل البنية الهيكلية والتشكيلات العسكرية، ولا سيما ما يتعلق بفرق التدخل السريع إن الخط المميز لتطور حلف شمال الأطلسي عبر ٥٠ عامًا مضت، هو خط «التشدد» الذي يحمل البصمات الأمريكية، وهو ما اتخذ على الدوام صورة الهيمنة الأمريكية على الحلف، وقد بدأ ظهورها للعيان مع نشأته الأولى، وعبر عن ذلك الأمين العام الأول للحلف «أسماي» البريطاني بقوله: إن الحلف قام من أجل «إبقاء الأمريكيين في الساحة، وإخراج السوفييت منها، والحفاظ على بقاء الألمان في الحضيض». والمقصود هو الساحة الأوروبية، وليس صحيحًا ما يُقال أحيانًا عن انحسار تلك الهيمنة الأمريكية أطلسيًا لصالح الأوروبيين، إنما كانت في حقبة الحرب الباردة «مطلوبة» أوروبيًا إذ فرضها دمار الحرب واستشراء خطر الشيوعية في الشرق، أما وقد زال الدمار وانحسر الخطر وتقارب الأوروبيون، فقد سقطت الحاجة إلى «سيادة» واشنطن على أمن أوروبا، ولا تريد واشنطن أن يتحقق ذلك. فالهيمنة الحالية على الحلف أصبحت بذلك هيمنة مفروضة بعد أن كانت مطلوبة.
ويمكن رؤية الأسلوب الأمريكي على هذا الصعيد عبر التسعينيات الميلادية الموشكة على الرحيل، وقد بدأ بتجديد المخاوف الأوروبية من الجار الروسي، فاعتمد سلسلة من الخطوات، أولاها الاتفاقيتان بين واشنطن وموسكو في عامي ۱۹۹۰م و١٩٩٤م، على نزع الأسلحة النووية البعيدة المدى وقد انعقدنا على النقيض من سائر ما سبقهما بمعزل عن الأوروبيين، واقترنتا بقرار إلغاء برمجة الصواريخ النووية ضد أهداف روسية وأمريكية. دون أن يشمل ذلك الأهداف الأوروبية، فبقيت في برمجة الصواريخ الروسية حتى عام ۱۹۹۷م، عندما أقدم بوريس يلتسين على هذه الخطوة «دون مقابل» على هامش اتفاقية باريس للزمالة بين موسكو والحلف. ويمكن ذكر بعض الخطوات الأخرى للغرض نفسه، مثل الجهود الأمريكية لحصر الإرث النووي السوفييتي بموسكو، وعدم تجديد الهيمنة الروسية آسيويًا، والتركيز على مراعاة موسكو في تبرير التأخير الأمريكي المتعمد لمدة ثلاث سنوات لتوسعة الحلف شرقًا، فضلًا عن السياسة الأمنية الأوروبية من جديد!
وإلى جانب العمل على إيجاد أرضية جديدة للهيمنة الأمريكية أطلسيًا، كانت هناك ممارسات استعراضية أمريكية لتثبيت ذلك في الساحة الأوروبية، ومن ذلك ما اقترن باستعراض التخلي عن أبسط الاعتبارات الديبلوماسية تجاه الأوروبيين، كما كان في حسم الخلافات حول توزيع القيادات العسكرية في أوروبا، أو حول اختيار الدول المرشحة للانضمام إلى الحلف أو حول تعيين فيلي كلاس ثم خافيير سولانا في منصب الأمانة العامة. وفي الجعبة مزيد من الأمثلة.
إن «العولمة الأمنية» على الطريقة الأمريكية أصبحت نهجًا يشمل فيما يشمل صناعة القرار الأطلسي وفرضه على الحلفاء وعالميًا. وهذا ما لا ينبغي إسقاطه من عين الاعتبار عند النظر في نتائج قمة كقمة واشنطن الأطلسية، صحيح أن هذا السلوك الأمريكي يجد- كالأهداف الأمريكية من ورائه- مقاومة أوروبية متصاعدة، ولكنها لم تزل دون مستوى تبديل دور الأطلسي في المستقبل المنظور، ولئن ظهرت في صياغة المهام الأطلسية الجديدة ثغرات من حيث «عولمة» الأطلسي أو «أمركة»، دوره وأهدافه، فلن تجد تلك الثغرات من يعلوها من الأوروبيين، إلا بعد أن تقطع مسيرتهم الراهنة شوطًا كافيًا يجعل الجناح الأوروبي في الحلف قادرًا على التأثير الفعال في صناعة القرار الأطلسي.. هذا مع ملاحظة أنه لا ينبغي تعليق مثل تلك «الآمال المستقبلية العريضة»، على حرص أوروبا الآني على تجنب المغامرات العسكرية الدولية وفق التصورات الأمريكية، فالمدرسة الأوروبية قائمة أيضًا على فكر الصراع تاريخيًا والمصالح المادية واقعيًا!
القمع العالمي
ومن خلفيات الموقف الأوروبي الراهن حقيقة أن صورة الأطلسي كأداة قمع عسكرية على المستوى العالمي صورة مرفوضة من جانب الرأي العام الأوروبي، وهذا ما يعتبر في مقدمة دوافع التصريحات الصادرة عن بعض الزعماء الأوروبيين أثناء قمة واشطن وعلى هامشها، مثل تأكيد الرئيس الفرنسي جاك شيراك أن قرار الأطلسي سيرتبط بالشرعية الدولية، أو تأكيد المستشار الألماني جيرهارد شرودر أن تحركات الحلف ستبقى في حدود إقليمية.. وكلاهما يستند إلى عبارات واردة في صياغة وثيقة واشنطن، كالقول بناء على طلب فرنسي إن تحرك الحلف عالميًا يجب أن يقترن بالسعي لاستصدار قرار من الأمم المتحدة، وتلى ذلك كلمة «ما أمكن!» وهي حاسمة فيما تعنيه عند التطبيق العملي، وذاك ما يشير إليه تصريح الرئيس الأمريكي الذي اعتبر قرار الحرب حول كوسوفا «نموذجًا تطبيقيًا»، لما قررته المهام الأطلسية الجديدة أي التحرك العسكري دون الرجوع إلى مجلس الأمن الدولي ولا سواه. وذاك أيضًا ما يوضحه الأمين العام للحلف خافيير سولانا توضيحًا قاطعًا وبكلمة واحدة، وهي قوله «لا»، جوابًا على سؤاله مباشرة عما إذا كان التحرك العسكري الأطلسي عالميًا يستدعي قرارًا من جانب الأمم المتحدة. ولا عبرة بعد ذلك لقول سولانا نفسه إن الحلف منظمة إقليمية، وليس منظمة عالمية، فالعبارة لا تعني ضمن الإطار الموضوع لها سوى أنه منظمة إقليمية تتحرك عالميًا دون مراجعة جهة عالمية أخرى!
ومن أراد معرفة «متى» يحتمل أن يتحرك الحلف عسكريًا، وهل سيكون لذلك أثره على هذه المنطقة أو تلك، وهذه القضية أو تلك، من مناطق أرضنا الإسلامية وقضاياها، فيمكنه أن يتبين ذلك على ضوء ما سبق، ومن خلال التأمل في سلسلة أخرى من دواعي التحرك العسكري، كما تعددها وثيقة واشنطن تحت عنوان «المخاطر العالمية» المحتملة ومن ذلك أن الحلف ودوله عرضة للخطر إذا انقطعت الإمدادات بمواد حيوية «كالنفط الخام»، أو إذا وقعت أعمال إرهابية انطلاقًا من بلد ما، أو إذا نشأت حركة تشريد وهجرة في منطقة من المناطق، أو إذا بلغ انتهاك حقوق الإنسان حدًا معينًا، أو إذا استفحل أمر الجرائم المنظمة كتهريب المخدرات، أو إذا ظهر احتمال لانتشار أسلحة الدمار الشامل إلى بلد لا يراد أن تصل تلك الأسلحة إليه!
القائمة طويلة، وأبواب التفسير والتأويل واسعة. ولكن الأهم من ذلك تقدير ما تعنيه تلك المصطلحات على ضوء أن تحديد مضمونها على أرض الواقع لا يتولاه طرف حيادي أو جهة عليا دولية، بل هو متروك للموازين والمقاييس الأطلسية. وبالتالي الأمريكية التي سبق وأعطت ما يكفي من الشواهد على نوعيتها، بدءًا باعتقال رئيس دولة قريبة بتهمة التجارة بالمخدرات، مرورًا بعقوبة الغارات الجوية على ليبيا بتهمة دعم الإرهاب وانتهاء بالتحريض العلني مع الدعم المالي والعسكري لتقويض الحكم في دولة مستقلة كالسودان بتهمة انتهاك حقوق الإنسان.
جميع ما سبق- ويوجد المزيد- يجعل من حلف شمال الأطلسي أولًا، أداة قمع عسكري على مستوى عالمي، جنبًا إلى جنب مع استخدامه أداة لمنع توفير أي قوة ذاتية رادعة لدى دولة مستهدفة الآن أو مستهدفة في المستقبل، كيلا تكون تلك القوة سببًا في تردد الحلف عن التحرك عسكريًا ضد تلك الدولة... عندما يرى ذلك لنفسه!
وجميع ما سبق- ويوجد المزيد- يجعل من الحلف «ثانيًا»، ما يشبه «الجهاز التشريعي للقانون الدولي» لا من حيث استباحة استخدام القوة دون ضوابط دولية فحسب، بل ومن حيث تبديل مفاهيم دولية ثابتة أيضًا، وفي مقدمتها مفهوم الأمن، وكان في قاموس حلف شمال الأطلسي نفسه يمثل «الأمن العسكري» مقابل خطر عسكري يمثله حلف آخر، أما الصياغة الجديدة للمهام الأطلسية فجعلت المقصود بأمن الدول الأعضاء، شاملًا لمختلف الميادين الاقتصادية والتجارية والمالية، علاوة على العسكرية، بل ويشمل جوانب اجتماعية وفكرية بصريح العبارة كما يؤخذ من تكليف الحلف نفسه مواجهة أزمات قد تحركها نزاعات «اجتماعية أو دينية أو عرقية». ثم يبلغ الأمر مداه عند ربط مفهوم الأمن الأطلسي بأزمات يحركها إخفاق دولة ما في تنفيذ إصلاحات اقتصادية، بمعنى الأخذ بالنهج الرأسمالي!
إن الصياغة الجديدة لمهام حلف شمال الأطلسي في قمة واشنطن، حولته إلى وسيلة عسكرية لفرض العولمة بمختلف أشكالها، بالإكراه، وفق رغبات أصحاب المصالح في بلدان المنشأ لظاهرة العولمة الحديثة المنتفعين من نشرها عالميًا، ليأخذ الحلف دورة العسكري إلى جانب وسائل «العولمة» الأخرى التي تعتمد على استخدام القوة المالية والاقتصادية عبر المصارف والشركات العملاقة، أو القوة الإعلامية عبر وسائل الاتصال الحديثة!
مراهقة عسكرية
إن هذه التوجهات الأطلسية بزعامتها الأمريكية في الدرجة الأولى لا تكتفي بأن تعود بالسياسة الدولية وبالبشرية إلى ما ساد من ضياع قبيل الحربين العالميتين بل تعود بالسياسة الدولية وبالبشرية إلى أوضاع أشد خطورة، من مثل ما ساد في العهود الاستعمارية المظلمة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، ومن أخطر ضروب السذاجة السياسية والإعلامية أن تحاول بعض التحليلات في بلادنا نشر شعور «الاطمئنان» إلى المسيرة الراهنة على الصعيد الدولي، بما فيها الانحراف بمسيرة «عولمة» العلاقات الإنسانية والحضارية، لتتخذ طابع الهيمنة في المرحلة الراهنة أو صيغة «الأمركة»، الشاملة لحلف شمال الأطلسي على وجه التخصيص، ومن أساليب نشر شعور مخادع بالاطمئنان- أو هو التخدير واقعيًا- ما يقال من أن الزعامة الأمريكية، سواء وصلت مبتغاها وباتت انفرادية فعلًا على الصعيد العالمي أم لا- وسواء كانت مهيمنة على الأطلسي أو كانت محدودة الأثر- فهي لا خطر منها، إذ إنها- وفق تلك المزاعم زعامة «راشدة»، باعتبارها وليدة القيم الحضارية الحديثة، وباعتبارها منضبطة بضوابط الديمقراطية. ثم إن قضايا حقوق الإنسان تفرض نفسها عالميًا. ولن تستطيع أي دولة مهيمنة أن تتجاوزها. فعلام القلق؟
خطورة هذه التصورات وأمثالها أنها لا تصدر فقط عن تجاهل معطيات واضحة الدلالة كما في القمة الأطلسية الأخيرة فحسب، بل تصدر أيضًا عن تجاهل للتجارب المرصودة في أقرب فصول التاريخ المعاصر، فقليل من مراجعة التاريخ القريب يكشف عن أن الدولة الأمريكية، لم تقم على أشلاء الهنود الحمر فحسب، ولا على كواهل «الرقيق» المستورد فقط بل بقيت منذ ذلك الحين تتمسك بمسلك لا يتبدل منطلقة ومحوره ومنتهاه القوة المحضة التي اعتمدتها الدولة الأمريكية منذ البداية. فيما خاضته من حروب متواصلة لعشرات السنين لتحقيق أول أهدافها «العالمية»، بتطويع أمريكا الوسطى والجنوبية لإرادتها السياسية قبل مطلع القرن الميلادي العشرين، ثم في مشاركتها في حربين عالميتين على أساس تقديم المساعدة للدول الأوروبية ضحية الحرب، ثم ما انتهت الحربان إلا وتحقق الهدف الأمريكي العالمي الثاني بالاستيلاء على إرث الدول الاستعمارية مع سائر ما فيه من استغلال ونفوذ وعدوانية على الشعوب الأخرى في أنحاء العالم.
ثم إن الولايات المتحدة ذات المكانة الديمقراطية الراشدة المزعومة- هي الدولة الأولى والوحيدة التي استخدمت القنابل النووية ضد «البشر» عندما كانت مطمئنة إلى عجز الطرف الآخر عن رد رادع أو انتقامي، وهي التي بلغت تجاربها النووية عددًا وحجمًا يناهز سائر التجارب النووية التي أقدم عليها سائر الدول الأخرى معًا، كما استخدمت الدولة الأمريكية الأسلحة الكيماوية والقنابل الحارقة وما شابهها من أسلحة محظورة دوليًا، حتى أصبح من المثير للغضب أن تزعم واشنطن لنفسها حق العمل على حظرها في كل مكان من العالم، باستثناءات تحددها هي! والولايات المتحدة هي الدولة التي لم تصنع سلاحًا تقليديًا فتاكًا، إلا وأجرت عليه التجارب العملية في البلدان الأخرى. وعلى حساب البشر من قتلى وجرحى، من خلال المشاركة الأمريكية في نحو ١٣٠ حربًا ونزاعًا مسلحًا أثناء الحرب الباردة وبعدها، فضلًا عن القصف الجوي والصاروخي عن بعد. دون أي غطاء من شرعية دولية حقيقية أو مزيفة، كما كان في العدوان على أفغانستان والسودان مؤخرًا!
ومن يدعو إلى الاطمئنان، ويزعم للدولة الأمريكية الرشاد الحضاري القائم على واقع ديمقراطي، قد يقصد فيما يقصد المطالبة بالتركيز على الرأي العام الأمريكي، ولكن من الواقعية الإقرار بأن انتشار الوعي السياسي بين الأمريكيين بقضايا العالم وما فيه هدف بعيد المنال، لا يتحقق في المستقبل المنظور، وبالتالي فمع عدم التهوين من شأن مساعي الساعين للتأثير على الرأي العام الأمريكي يبقى أن من الواقعية أيضًا التعامل مع الدولة الأمريكية كما هي الآن تستبيح العنف لنفسها وتريد تقنينه إن استطاعت إلى ذلك سبيلًا. وتحتكر القوة ما أمكنها ذلك، ولا تتورع عن استخدامها، وتوظف ما لديها وما تستطيع الوصول إليه مما هو لدى سواها لخدمة أغراضها الذاتية باسم «المصالح».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل