العنوان الإسلام ونظرية الدومينو في السـياسة الأمريكية
الكاتب د. عبدالله الشيخ
تاريخ النشر الثلاثاء 15-يوليو-1997
مشاهدات 84
نشر في العدد 1258
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 15-يوليو-1997
تعتبر منطقة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي بصورة عامة من أهم المناطق في العالم وأكثرها بروزًا في السياسة الخارجية الأمريكية، وتشكل منطقة الشرق الأوسط خصوصًا نقطة ارتكاز في الاستراتيجية السياسية للولايات المتحدة، ويعود ذلك أولًا لوجود المصادر الرئيسة للنفط في العالم وهي مادة حيوية تشكل عنصرًا رئيسًا في التبادل التجاري الدولي، وتحدد كمياتها المنتجة ومستوى أسعارها النشاط الاقتصادي في العالم الصناعي..
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى توجد إسرائيل، والتي يمثل أمنها وسلامتها مرتكزًا أساسيًا في السياسة الخارجية الأمريكية، هذا إلى جانب أهمية اسواق الشرق الأوسط بصورة عامة لتصريف المنتجات الأمريكية وهي سوق تتسع بزيادة السكان الكبيرة، وكذلك بارتفاع دخل الفرد لدى الدول المنتجة للنفط.
هذه الأهمية الكبيرة لمنطقة الشرق الأوسط تأخذ أبعادًا خطيرة عند صُنَّاع القرار الأمريكي إذا نظرنا إلى تطور الأيدولوجية السياسية وتكيف أوضاع المنطقة وخاصة خلال الحقب الأخيرة من هذا القرن والتي تميزت ببروز الحركات الإسلامية وسيطرتها على الساحة السياسية في المنطقة، ونتيجة لصعود التيار الإسلامي ووصوله إلى الحكم في أكثر من دولة، لم تعد دعوة الإسلاميين إلى أن الإسلام دين ودولة دعوة نظرية يمكن التشكيك في صلاحيتها كما أن للتطبيق العملي، كما طريقًا واحدًا، بل الحكم لم يكن الوصول إلى سلك مناهج مختلفة من الثورة الشعبية إيران إلى الانقلاب العسكري السودان إلى صناديق الاقتراع «الجزائر»، وهي التجربة التي أجهضت وهو أمر أسترعى انتباه صناع القرار في الولايات المتحدة إلى محاولات التنظير وطرح السبل المختلفة لمواجهة التيار الإسلامي، وقد توالى طرح الأطر النظرية والتحليلات السياسية والاجتماعية المحاولة فهم أسباب نجاح التيار الإسلامي وكيفية الحد من «الخطر» القائم والواعد بالوصول إلى الحكم في أكثر من دولة في الشرق الأوسط، ومن النظريات التي طرحت في هذا الخصوص نظرية الدومينو The Domino Theory كإطار نظري وتقول هذه النظرية بسقوط الوحدات المتشابهة تبعاً السقوط الوحدة الأولى أو باكتسابها خصائص الوحدة الأولى.
الموقف الأمريكي من الظاهرة الإسلامية
منذ برزت الحركات الإسلامية كتيار سياسي قوي ومكتسح للأيدولوجيات المنافسة في منطقة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي عامة حددت الولايات المتحدة موقفها من هذا التيار وناصبته العداء، وكانت البداية مع الثورة الإيرانية، ونظرًا لفشل السياسة الأمريكية في احتواء الثورة، فقد أسقطت الثورة الإيرانية نظامًا كان يشكل حجر الزاوية في السياسة الغربية عامة والسياسة الأمريكية خاصة في منطقة الشرق الأوسط، فنظام الشاه كان يسير على خطى النظام التركي ويرتبط بالغرب وثقافته وعلمانيته أكثر مما يعمل على حفظ الثقافة الإسلامية وتراث الشعب الإيراني، ولذلك كانت صدمة الثورة الإيرانية بالغة الأثر في أروقة واشنطن وغيرها من العواصم الغربية، كما أن الزخم الذي أعطته الثورة في العالم الإسلامي دفع الغرب إلى العمل السريع لمواجهة «الخطر» الإسلامي والتخطيط الطويل المدى للسيطرة على هذه الظاهرة. وقد أستعمل الغرب حجة الدفاع عن مصالحه في منطقة ذات موقع استراتيجي مهم وذات موارد نفطية بالغة الأهمية بالنسبة للدول الصناعية.
في الولايات المتحدة تمحور التحليل السياسي حول نظرية الدومينو؛ إذ إن تحول دولة واحدة إلى النظام الإسلامي، تقول النظرية سوف يتبعه سقوط دول أخرى والمسألة مسألة وقت، خاصة مع نشاط التيار الإسلامي في كل دول العالم الإسلامي.
ففي عام ١٩٧٩م كانت الثورة الإيرانية، وفي عام ۱۹۸۹م رفعت السودان شعار الدولة الإسلامية، وكادت الجزائر أن تكون الدولة الثالثة بعد انتخابات عام ۱۹۹۱م التي فازت فيها جبهة الإنقاذ بأغلبية الأصوات وكان من المتوقع أن تؤكد سيطرتها خلال الانتخابات التكميلية، وكان أخطر هذه التطورات في نظر السياسة الغربية هو انتصار جبهة الإنقاذ في الجزائر، فالإسلام هنا يصل إلى الحكم بالطريق الديمقراطي الغربي والنتيجة التي قفزت إليها الولايات المتحدة هي أن نظرية الدومينو تؤكد مصداقيتها وسوف يستمر سقوط عدد آخر من البلاد التي تعتبر ركائز أساسية في السياسة الأمريكية الخارجية في منطقة الشرق الأوسط.
الحركات الإسلامية والأنظمة القطرية
ما الذي يجمع بين الدول الإسلامية؛ بحيث تتأثر بما يقع في إحداها، فيتوالى وقع الحدث في دول أخرى عاشت معظم البلاد الإسلامية تحت النظام القطري منذ سقوط الخلافة في تركيا عام ١٩٢٤م «أي حوالي ٧٣ سنة»، في ظل أنظمة لا تحكم بالإسلام، بل تفصله فصلًا تامًا، عن الحياة السياسية، وأدى استمرار هذه الأنظمة القطرية إلى تعقيدات محلية في غاية الأهمية على المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فعلى المستوى السياسي مثلًا أختفى نموذج الدولة الواحدة ممثلة بالخلافة الإسلامية في تركيا، ومع الدولة الواحدة المفقودة، فقدت الصلات والاتصالات بين شعوب العالم الإسلامي، وتوقفت حرية التنقل والاتصال، وحصل انفصام في الثقافة ونظم التعليم وسبل الحياة والتبادل التجاري والفني والمهني بين الشعوب الإسلامية، وفي كل دولة قطرية ظهرت الجيوش النظامية. كما ظهرت الأنظمة الإدارية والسياسية المتباينة، وهكذا نقدت وحدة العالم الإسلامي وفرضت الدولة الغربية المسيطرة كل نظامها وتقاليدها على ما تسيطر عليه من البلاد الإسلامية.
وما تسعى إليه الحركات الإسلامية هي عودة هذه الدول القطرية إلى الإسلام مرة أخرى دون أن يعني ذلك قصم العلاقات مع العالم الخارجي فالمصالح المشتركة قائمة وضرورية لكل الأطراف ولا يعني وصول الإسلاميين إلى الحكم توقف التبادل التجاري ولا إهدار المصالح المشتركة مع العالم الغربي، ولا يعني تسارع الوتيرة التي تتحول بها البلاد الإسلامية إلى: نظام الحكم الإسلامي أن نظرية الدومينو يتم : تطبيقها عمليًا، كما أن النظرية الخاطئة لدى الغرب والولايات المتحدة بخاصة على أن الحكم الإسلامي «خطر»، يجب محاربته لا يعكس فهمًا دقيقًا لنظام الحكم الإسلامي ولا الطبيعة الحركات الإسلامية ومقاصدها.
إن الأوضاع في البلاد الإسلامية ليست متشابهة فلكل بلد ظروفه ولكل معطياته، ففي السودان هناك أقلية مسيحية في ا الجنوب تحتاج إلى بحث أوضاعها، وتوجد في مصر كذلك أقلية مسيحية قبطية لا يمكن تجاهلها، مما يستدعي ضمان المعايشة السلمية والاجتماعية، وعلى ذلك فإن إسقاط نظرية الدومينو على العالم الإسلامي فيه كثير من خلط الأوراق وربما التعمية المقصودة.
الحكم الإسلامي والمصالح الغربية
أما عن موضوع «الخطر» الإسلامي على الغرب فإن وصول الإسلام إلى الحكم في أي بلد إسلامي لا يشكل خطرًا على العلاقات المتوازنة مع الغرب ويمكن أن يستمر تبادل المصالح على ما هو عليه في المنطقة، ولقد أثبتت تجربة الحكم في إيران ذلك فلم تقم إيران بقطع علاقاتها الدبلوماسية ولا تبادلها التجاري مع الدول الغربية، كما أن لا انسياب البترول ولا أسعاره قد طرأ عليها تغيير أو تبديل.
وفي السودان كانت السوق الأوروبية المشتركة هي الشريك التجاري الأهم للسودان في السابق ومازال الحال كذلك، كما أن السودان لم يقطع علاقاته مع أحد من الدول الغربية، بل يعمل على تأكيد مشاركته في النظام الدولي ملتزمًا بالقرارات والأعراف الدولية القائمة، بل العكس هو الصحيح فقد سعت الدول إلى عزل السودان عن المحيط الدولي ونظمت حملة دعائية كبرى لكيل الاتهامات لها.
إن أغلب بلاد العالم الإسلامي بلاد فقيرة تعاني من التخلف الاقتصادي والسياسي، ولا تملك مصادر القوة التي تشكل بها خطرًا على أحد، إن البلاد الإسلامية تحاول تثبيت أوضاعها الاقتصادية لتنطلق جادة في تنمية مواردها واللحاق بالعالم الصناعي المتطور، وهي في جهودها التنموية سوف تحتاج إلى التبادل الدولي على كل المستويات الثقافية والسياسية والاقتصادية. فهي في حاجة إلى الثقافة لتنمية بناها الاقتصادية والاجتماعية، وهي في حاجة للسيطرة على مقدراتها الاقتصادية والبشرية لدعم السياسات التنموية، ولتحقيق ذلك فهي تحتاج إلى السلام والاستقرار الاجتماعي والسياسي، لتحسين أوضاعها والمشاركة الجادة في التطور العلمي والأخلاقي لهذا الكون، وهي على ذلك ليست في حاجة إلى الحروب المحلية والدولية ولا للهزات الاجتماعية والسياسية.
الخلافات الأمريكية- الفرنسية تلحق الضرر بالناتو
الأمريكيون: فرنسا مجرد بلد «وقح» استحوذ علية هاجس المكانة!!
ترجمة عمر ديوب عن مجلة الإيكونومست (5/7/1997م).
ظلت العلاقات بين فرنسا والولايات المتحدة تقسم بتحالف حميم منذ قيام الثورتين الفرنسية والأمريكية وذلك عندما تضامن البلدان لمواجهة بريطانيا المناوئة لثورتيهما، بيد أن علاقات البلدين تشهد اليوم تدهورًا لم يسبقه مثيل في تاريخهما، وقد أدى الانتصار الذي أحرزه رولان كابيلا الناطق باللغة الإنجليزية في جمهورية الكونغو الديمقراطية «زائير سابقًا» إلى توهم بعض الفرنسيين بقيام الولايات المتحدة بتدبير حملة لتطهير القارة الإفريقية من النفوذ الفرنسي، وقد أثارت فرنسا حفيظة الولايات المتحدة لمحاولاتها المستميتة لطرح نفسها - من خلال الوحدة الأوروبية - كبديل للدبلوماسية الأمريكية في مسألة الشرق الأوسط بل إن عدم وجود ثقة متبادلة بين فرنسا والولايات المتحدة القى بظلاله على قمة الناتو الأخيرة في مدريد والتي تم خلالها بحث موضوع انضمام بعض دول أوروبا الشرقية إلى حظيرة الحلف.
وكان من المتوقع أن ترحب هذه القمة بعودة فرنسا إلى الجناح العسكري لحلف الناتو كما كان الرئيس جاك شيراك مهيئًا لكي يخل بسياسة الجنرال ديجول الذي انسحب من هذا الجناح في عام ١٩٦٦م، لكن شيراك تصرف بطريقة لا تنم عن الذكاء عندما طالب بمكافأة لن تقبل أمريكا تقديمها ألا وهي أن تتولى شخصية أوروبية زعامة القيادة الجنوبية لحلف الناتو في نابولي، وتعتبر فرنسا مثل هذا التغيير كرمز لإعادة التوازن بين مسؤوليات كل من أوروبا وأمريكا داخل الحلف. إن رفض أمريكا تقديم أي تنازل حول موضوع قيادة الجناح العسكري للحلف ورفضها أيضاً لصفقات أخرى لا تحرمها أساس زعامتها في قضايا مثل: الشرق الأوسط والبوسنة والأسطول السادس يعني أن فرنسا لن تنضم إلى البنية العسكرية لحلف الناتو، فضلاً عن أن وصول الاشتراكيين بزعامة ليونيل جوسبين إلى السلطة وهم أكثر تشككًا من شيراك حول الناتو لن يغير كثيرًا من الموقف الفرنسي.
وقد أغضبت أمريكا فرنسا أيضًا حول موضوع انضمام الأعضاء الجدد في الناتو وذلك عندما أعلنت بأنها لن تسمح إلا بانضمام بولندا والمجر وجمهورية التشيك فقط إلى الحلف ولن حين ترغب فرنسا تتراجع عن موقفها هذا، في. وتسع دول أوروبية أخرى في انضمام رومانيا وسلوفينيا إلى الحلف.
وربما يكون تحول أمريكا إلى القوة العظمي الوحيدة في العالم هو المبرر لها لكي تتعامل بصلف مع المنظمات الدولية، فبعد أن تلاشي الخطر الروسي، لم تعد الولايات المتحدة بحاجة ماسة إلى العمل عن كتب مع شركائها لضمان تحالف متماسك وبما أن إحلال السلام في البوسنة قد تطلب التدخل الأمريكي فقد زاد اعتقاد كثير من الأمريكيين بأن أوروبا تحتاج أمريكا أكثر مما يحتاجون هم إلى أوروبا.
أما بالنسبة لفرنسا، فإنها ظلت منذ عهد الرئيس ديجول تعامل «أوروبا»، التي تريد زعامتها - على أنها وسيلة تمكنها من المحافظة على دورها ومكانتها في العالم، كما أن الرئيس جاك شيراك يرى أن التقارب مع «ناتو» أكثر ميلًا إلى أوروبا هو وسيلة لبسط نفوذ فرنسا وعندما تطلب فرنسا من أمريكا بأن تقدم هذه الأخيرة بعض التنازلات فيما يخص الوظائف القيادية في الحلف، فإنها تعتبر نفسها ناطقة باسم أوروبا. وبالتالي فإنها تعتبر نفسها بطريقة أو بأخرى - ندًّا لأمريكا، بيد أن الأمريكيين لا يعتبرون فرنسا إلا مجرد بلد «وقح» - استحوذ عليه هاجس المكانة والمسميات بدلًا من الاهتمام بالمسائل الجوهرية -داخل أوروبا مشتتة وغير فعالة.
إن وجود هذه الضغائن له ما يبرره، ذلك أن وجود بنية عسكرية بدون مشاركة فرنسية ستظل هزيلة، كما أن وجود حلف مليء بالخلافات سيظل غير فعال في معالجة مشاكل مثل كيفية التعامل مع روسيا ومستقبل البوسنة ومسألة توسيع عضوية الحلف وعلى فرنسا أن تكون مستعدة للتنازل بعض الشيء عن كبريائها حرصًا على مصلحتها ومصلحة الدول الأعضاء في الحلف خاصة وأن جيشها يرغب المشاركة في قوات حلف الناتو حتى يعمل معها على نحو أكثر كفاءة، كما أنه من الناحية السياسية فإن بقاء فرنسا شبه منعزلة لن يفيدها، كما أن على فرنسا أن تحاول إضفاء «الهوية الأوروبية» على حلف الناتو وتجعل هذا الأمر ملموسًا إلى جانب العمل في البنية العسكرية للحلف قبل أن تطالب بإعادة توازن الوظائف القيادية في الحلف.
أما بالنسبة لأمريكا، فإن عليها أن تعود نفسها على استشارة حلفائها، كما أن عليها أن تتذكر بأن فرنسا قوة عسكرية جبارة أثبتت إبان حربي الخليج والبوسنة أنها تساند الأمريكيين في وقت الشدة، وقد كانت بريطانيا الدولة الحليفة الوحيدة التي تقدم مثل هذه المساندة لأمريكا وقد تكون فرنسا صعبة المراس ولكن ثمة أوقات قد تكون فيها أمريكا بحاجة إلى حلفاء ولو كانوا شديدي المراس وأن قليلًا من احترام أمريكا لحساسية بلاد الغال قد تعطي ثمارها في يوم من الأيام.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل