; سيناريو جديد لتقسيم العراق | مجلة المجتمع

العنوان سيناريو جديد لتقسيم العراق

الكاتب محمد العباسي

تاريخ النشر الثلاثاء 19-سبتمبر-1995

مشاهدات 85

نشر في العدد 1167

نشر في الصفحة 23

الثلاثاء 19-سبتمبر-1995

* %5 من البترول كركوك والموصل ووصاية غير مضمونة لتركيا مقابل الصمت تجاه تقسيم العراق.

تبدو تركيا وكأنها على حافة الوقوع في الفخ الأمريكي المنصوب لها في شمال العراق بهدف إعادة رسم حدود المنطقة، بعد إغرائها بمنحها حصة من بترول كركوك والموصل تبلغ 5٪ من إجمالي ما سيتم إنتاجه في نطاق الدولة الكردية المزمع إعلانها هناك، مقابل دعمها لخطة الاستخبارات الأمريكية التي تقضي بإقامة فيدرالية ديمقراطية في العراق، تضم عدة دول عرقية، كردية في الشمال، تركمانية في كركوك والموصل، عربية سنية في الوسط، شيعية في الجنوب، على أن يتم اقتسام عائد الثروة النفطية بين تلك الدول بالتساوي، بشرط بقائها جميعًا في إطار الفيدرالية، وعدم الإخلال بالحدود الحالية للدولة العراقية، والبدء بإعلان الدولة الكردية في الشمال وفقًا للاتفاق السري المبرم بين الفرقاء الأكراد الذي تم التوصل إليه في اجتماعات دبلن، وسيتم توقيعه نهاية هذا الشهر في حديقة البيت الأبيض بواشنطن في حضور الرئيس الأمريكي بيل كلينتون شخصيًا، والذي يرى أن تلك هي البداية الفعلية لإسقاط نظام صدام حسين وإقامة الفيدرالية الديمقراطية التي يؤكد البنتاجون الأمريكي أنها الحل الأنسب لمستقبل العراق.

ويتضح انسياق أنقرة وراء المخطط الأمريكي بصورة جلية في عدد من المواقف والتصريحات التي يمكن رصدها، فقد صرح السفير نور الدين توركان المتحدث الرسمي باسم الخارجية التركية أن ما تم الاتفاق عليه في دبلن كان إيجابيًّا، بينما قال أونور أويمن- مستشار الخارجية التركية- في تصريحات صحفية: «إن السياسة التركية تجاه بغداد لم تتغير، وأنه يجب إنهاء الصراع الدائر في الشمال العراقي بين الفرقاء الأكراد، وأن أنقرة قد لعبت دورًا هامًا في اتفاقية دبلن، مؤكدًا أنالتركمان سيشاركون في إدارة شمال العراق الذي يجب السعي لملء فراغ السلطة الموجود به، ولذلك اضطررنا إلى إقامة اتصالات مع المجلس الوطني العراقي؛ ليس لأننا نرجحهم، ولكن ليمكننا حماية أمننا».

انتهى كلام السفيرالذي يبدو للوهلة الأولى كلامًا عاديًا، إلا أنه يحمل في طياته الكثير من الأمور الخفية التي تدبر في الظلام، والتي تنفيها أنقرة نفسهاعلانية، فمستشار الخارجية التركية أكد أن أنقرة لعبت دورًا هامًا في تجميع الفرقاء الأكراد على مائدة المفاوضات في دبلن، وأنها سعتإلى أن يتوصلا لحل لخلافاتهما معًا، كما أوضح– للمرة الأولى– وجود مكان للتركمان في إدارة شمال العراق الجديدة، وهي مقدمة لتأهيلهم لإدارة شؤون الدولة التركمانية المزمع إقامتها– وفق السيناريو الأمريكي المعد– لاحقًا، وهي المرة الأولى التي يظهر فيها للتركمان وجود على الساحة السياسية بهذه الصورة المباشرة، بالإضافة إلى قيام أنقرة بإجراء اتصالات مع المعارضة العراقية ممثلة في المجلس الوطني العراقي، واستقبالها لأحمد شلبي- رئيسه- في زياراته السرية التي قام بها، ولقائه مع عدد من التكنوقراط الأتراك، وهو ما أوضحه مستشار الخارجية في تصريحاته المعلنة، التي أكدت بما لا يدع مجالًا للشك أن هناك مخططًا يتم إعداد الساحة السياسية والإقليمية والدولية لتقبله، تقوم فيه أنقرة بدور معصوب العينين الذي يسير وراء صوت الجرس دون النظر إلى ما تحت قدميه من شراك.

ملامح خطة التقسيم

فالخطة الأمريكية الجديدة التي تدعمها أنقرة، وتعمل على تنفيذ مراحلها دون وعي، طمعًا في الحصول على جزء من بترول كركوك والموصل، تحمل في طياتها الكثير من المخاطر الأمنية الكبرى على أمن الدولة التركية ذاتها، فرغم وضعية الدولة الكردية المقترح إقامتها، وكونها تخضع للوصاية التركية، إلا أن عدم إقامة فيدرالية كردية- تركمانية في شمال العراق، وربطها مع تركيا، والاكتفاء حاليًا بدولة كردية تضم التركمان دون أن يكون لهم هوية سياسية، يعني إضعاف العنصر التركي في الدولة المقترحة، بالإضافة إلى أنه مقابل الوصاية التركية ستتنازل تركيا عن بعض المناطق الكردية في جنوبها الشرقي لصالح الدولة الجديدة، وهو نفس ما سيحدث مستقبلًا مع إيران وسوريا، الأمر الذي يعني في النهاية ازدیاد قوة الأكراد البشرية بما يجعلهم في وضع يسمح لهم بالثورة على الوصاية التركية لنيل الاستقلال مستقبلًا، أي أن الفيدرالية نفسها ستكون بمثابة القنبلة الموقوتة التي سيمكنها تفتيت وحدة أراضي الدولة التركية ذاتها عن طريق باقي أفراد الشعب الكردي الذي سيظل تحت سطوة الدولة القوية في تركيا، والذي سيكون بمثابة الفتيل الذي سيفجر تلك القنبلة في وجه تركيا.

وثورة الأكراد تلك ستكون مسألة هينة؛ لأن نافذة الدولة الكردية على العالم الخارجي لن تكون تركيا وحدها، بل إن سوريا ستكون هي الخيار الأفضل دائمًا من وجهة نظر الأكراد للقيام بهذا الدور، نظرًا لعدم وجود أي أحقاد أو ثأر تاريخي بينهم وبين سوريا، مثلما هو حادث مع تركيا وإيران والعراق، إذ أن دمشق كانت دائمًا هي الملاذ الآمن للأكراد المضطهدين في تلك الدول، إضافة إلى أن استمرار أنقرة في القيام بدور الوسيط والراعي لتطبيق المخطط الأمريكي في المنطقة من شأنه أن يؤدي إلى إفساد علاقاتها السياسية مع دول الجوار خاصة إيران وسوريا، إضافة إلى العراق، مما يعني خسارتها لعلاقاتها الاقتصادية والتجارية مع تلك الدول، والتي وصل حجم تعاملها معهم في الأحوال العادية إلى عدة مليارات من الدولارات سنويًا.

ويبدو أن ذلك هو ما دعا الرئيس التركي سليمان ديميريل إلى الإعلان عن قلقه ومشاركته للأحزاب التركية في عدم ارتياحها للتطورات التي تحدث في الشمال العراقي أثناء استقباله لمسعود يلماظ- زعيم حزب الوطن الأم- خلال الأسبوع الماضي، والذي قال لديميريل أنه قلق للغاية بشأن التحركات الحالية وتطور الأوضاع في شمال العراق، والتي تشارك فيها الحكومة بدون وعي، والتي ستنتهي حتمًا إلى إقامة دولة كردية هناك، وهو ما سيضر بالأمن القومي التركي.

وكان ديميريل قد استقبل رؤساء الأحزاب التركية، وأجرى معهم مناقشات حول السياسة الخارجية للدولة،مشيرًا إلى أن المنطقة تعيش تطورات خطيرة، قد تؤدي إلى حدوث تغييرات جغرافية وتاريخية هامة.

وأوضح ديميريل في حديثه مع مسعود يلماظ إلى أنه يخشى أن يكون الحل الأمريكي لفيدرالية البوسنة مقدمة لاحتمال تطبيقه مع المشكلة الكردية، خاصة وأن هولبروك– مساعد وزير الخارجية الأمريكي– قد قال للرئيس التركي أنه من الصعب جداً إسقاط نظام صدام حسين، وحتى إذا تم ذلك فمن الصعب إقامة نظام ديمقراطي، وبالتالي فالأفضل ربما يكون في التوصل إلى حل فيدرالي، إلا أن ديميريل أبلغه ضرورة احترام وحدة الأراضي العراقية.

في حين أعلن بولنت أجاويد- زعيم حزب اليسار الديمقراطي- أنه لا يمكن إعطاء أمن الحدود التركية للبشمرجة، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى لإقامة دولة كردية في شمال العراق تحت حمايتها، وقال: إنه لا يصدق الذين يقولون عدم تقسيم العراق؛ لأنها دولة منقسمة بالفعل، ففي الشمال خطة لإقامة دولة كردية، وأكد أن هناك خطة أمريكية لتحقيق ذلك الأمر على ثلاث مراحل:

الأولى: إقامة دولة كردية في شمال العراق.

الثانية: ربطها بعلاقات فيدرالية مع تركيا.

الثالثة: إعلان استقلالها التام عن تركيا.

مشيرًا إلى أن السيناريوهات التي تدور حاليًا ويتم تداولها على الساحة الإقليمية ضد تقسيم العراق لا تأتي مصادفة أبدًا، وإنما هي سيناريوهات مخطط لها من قبل ويتم تنفيذها الآن.

محاولات صدام للخروج من المأزق

ورغم ما يعانيه صدام حسين من أزمة داخلية بسبب الصراع الداخلي في عائلته، والذي بدأ جليًا في هروب حسين كامل، وصدام كامل مع زوجتيهما ابنتي الرئيس العراقي إلى الأردن، وحصولهم على حق اللجوء السياسي هناك، فإن تلك التطورات التي تشهدها الساحة السياسية في شمال العراق جعلت بغداد تسعى لتقويض خطة التقسيم، حيث تم إعادة التيار الكهربائي إلى الشمالي وربطه مع الشبكة العراقية ثانية، بعد أن كان قد تم قطعه منذ عامين في إطار سياسة الضغط العراقية على الزعامات الكردية التي أعلنت فيدرالية في شمال العراق، وهو الأمر الذي استغلته أنقرة لفرض سيطرتها على المنطقة، إذ قامت بربط الشمال العراقي بشبكة الكهرباء التركية، مما مهد لها السبيل لمزيد من التعاون مع أكراد العراق... كما قامت بغداد بإغلاق قنصليتها في اسطنبول، وتخفيض عدد أعضاء بعثتها الدبلوماسية في أنقرة لأسبابقالت: إنها اقتصادية، وأبلغت المسؤولين الأتراك بضرورة إغلاق القنصلية التركية في الموصل قبل نهاية شهر سبتمبر الحالي، وكذلك تخفيض عدد أعضاء بعثتها الدبلوماسية في بغداد من ١٧ شخصا إلى ۱۱ على أساس المعاملة بالمثل، وذلك ردًا على جهود أنقرة غير الرسمية لتوحيد القوى التركمانية في جبهة واحدة بزعامة طورهان كتانة، والتي أعلنت أن هدفها الإطاحة بنظام صدام حسين، وكذلك لتأييدها المعلن للاتفاقية الكردية التي تم التوصل إليها في اجتماعات دبلن بين الفرقاء الأكراد.

حشود عراقية

في حين أكدت المعلومات التي حصلت عليها وزارة الخارجية التركية، أن قوات الحرس الجمهوري العراقي تحاصر منطقة التركمان في كركوك، والموصل، وتالعز، وطور حرمتي، وخانقين، ومندلي، والمقدادية، وأن المنطقة تشهد وجودًا مكثفًا لعناصر الاستخبارات العراقية حيث يخشى صدام حسين أن تكون تلك المنطقة هي الخطوة الأولى التي يبدأ منها تقسيم العراق، خاصة بعدما سعت أنقرة لإيجاد مكان للتركمان في التسوية الدائرة الآن.

وهي التحركات التي رأت فيها أنقرة رفضًا عراقيًا لسياستها تجاه الشمال العراقي، وهو ما دعاها إلى التعامل بحذر، خاصة بعدما صرح عبدالله أوجلان- زعيم حزب العمال الكرديـ والذي يسعى للانفصال بشرق وجنوب شرق تركيا لإقامة دولة كردية- بأنه ضد تقارب الطالباني والبارزاني مع أنقرة، وأنه سيواجه ذلك بالقوة، وهو بالتالي يلتقي مع بغداد في تلك النقطة، مما يعني إمكانية حدوث تقارب وتعاون بينهما معًا ضد أنقرة، في الوقت الذي أبلغت فيه واشنطن المسؤولين الأتراك بضرورة الجلوس مع حزب العمل على مائدة المفاوضات، حيث طالب جون دوتشة رئيس «السي أي إيه» الأمريكي الأتراك- أثناء زيارته الأخيرة لأنقرة- بضرورة السعي لإيجاد حل للمشكلة الكردية بالجلوس مع نواب حزب العمل الديمقراطي «كردي» السابقين للتوصل إلى حل للمشكلة الكردية في تركيا، في حين قام جلال الطالباني الذي يطالب بدخول حزب العمال الكردي إلى مجال المساومة الجارية، وأن يأخذ الحزب مكانه في الفيدرالية الكردية المقترح إقامتها في شمال العراق بإعطاء مقاتلي حزب العمال معسكرًا تدريبيًا في السليمانية، طبقًا لما ذكرته صحيفة إقشامالتركية.

فهل تعي أنقرة أن المخطط الذي تسعى جاهدة لتنفيذه- وفق الرؤية الأمريكية- هو مقدمة لتفتيت وحدتها الترابية؟ أم تظل تلعب دور الوسيط طمعًا في مكافأة وهمية، ستثبت لها الأيام بأحداثها أنها كانت مجرد فخ نصب لها، ووقعت فيه دون تفكير، ولكن بعد فوات الأوان؟ وهل ستكون هذه الخطة هي بداية العد التنازلي الفعلي لتقسيم العراق؟

الرابط المختصر :