; سيرة(411) | مجلة المجتمع

العنوان سيرة(411)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الأحد 10-سبتمبر-1978

مشاهدات 25

نشر في العدد 411

نشر في الصفحة 16

الأحد 10-سبتمبر-1978

 

حدث في هذا الشهر

غزوة أحد 

بين النصر والمحنة..

طاعة القائد المسلم ضرورة عسكرية في إحراز النصر

  • إصابة الرسول والتمثيل بالشهداء يوم أحد درس وعبرة لكل داعية إلى الله
  • الاهتداء بمغازي الرسول ضرورة ماسة لأمتنا:

سوف يظل المسلمون في متاهات السلوك والقرارات والمبادئ.... وسوف يظلون في وديان التخبط عاثرين هنا وهناك: ما لم تكن سنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- هي رائدهم في هذه الحياه، وسوف يزداد نهش الأمم المتكالبة على أمتنا مستمرًا، وستزداد جراحنا التي تعبث بها ضلالات الفكر الوافد عمقًا وتقرحًا ما لم نتخذ الهدى الحي الواقي من هدى المصطفى- عليه الصلاة والسلام- وأحرى بهذه الأمة أن تعود الآن إلى قائدها محمد بن عبدالله رسول الله وهادي البشرية، فهي أحوج ما تكون إلى قبس النبوة لحل أزماتها ومشكلاتها مع العالم أجمع، وأمتنا التي ما زالت نهب الحروب مع أعداء الإسلام- أيًا كانوا– بحاجة ماسة إلى أجوبة إلى المنهل الإسلامي الخالد الذي نظم علاقات الدولة الإسلامية بأعدائها تنظيمًا شهد بعظمته كبار مخططي العلاقات الدولية في العالم ومنذ أيام أعطى كاتب أمريكي جديد المرتبة الأولى في التأثير بالبشرية والقيادة الحكيمة لرسول هذا الدين محمد- صلى الله عليه وسلم-، فهل من صحوة..؟، وهل من أوبة إلى ما بين يدنا من كنوز..؟

ولعلنا واجدون في سيرة رسول الله وغزواته أبدع الدروس وأنسبها للنهوض بهذه الأمة، وقد وقفنا في الأعداد الماضية.. أعداد شهر رمضان، تحت ظلال غزوة بدر، وفتح مكة المكرمة وهما من انتصارات الأوائل في رمضان، أما شوال الذي نعيش فيه هذه الأيام، فقد ذخر أيضًا بأحداث الدعوة الإسلامية الأولى مغازيها، ومن ذلك غزوه أحد سوف نتناول خطوطها الأساسية، ثم نعرج على ظلالها وعبرها نستوحي منها درسنا العصري، فقد ذخرت هذه الغزوة بالأحداث المشعة المفيدة التي لا يمكن لنا أن نغفلها، فأمتنا لهذا اليوم- وهي على مفترق طرق كثيرة- محتاجة إلى إسلامها، ... محتاجة إلى القائد الذي يتخذ أسوته ... حسنة في القيادة من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ولكم في رسول الله أسوة حسنة...

خطوط أساسية في المعركة

عندما قهر الإسلام العنفوان القرشي المشرك في بدر، وقتل من قتل من زعماء المشركين، اجتمع رأى بقية زعماء قريش على الثأر لقتلاهم، ورد الاعتبار لكيانهم الذي هوت سمعته في الجزيرة العربية، وقرروا إعداد العدة والعتاد اللازم لمعركة فاصلة يقضون فيها على الدعوة وأصحابها الذين تناموا في المدينة المنورة، ثم خرجوا من مكة وقد بلغوا ثلاثة آلاف مقاتل، ومعهم عدد كبير من النسوة ليمنعن الرجال من الفرار إذا حدق بهم المسلمون ولما سمع الرسول- صلى الله عليه وسلم- بالخبر بدأ مشورة أصحابه الكرام، وخيرهم بين الخروج من المدينة أو ملاقاة المشركين فيها، فكان رأى بعض الشيوخ المسنين البقاء داخل أسوار المدينة، ومن أنصار هذا الرأي، عبد الله بن أبي سلول، إلا أن أصحابة الذين لم يشاركوا يوم بدر، رغبوا في الخروج لملاقاة المشركين خارج المدينة، فوافقهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، وخرج في جمع من صحابته، وذلك يوم السبت سبع ليال خلون من شوال، على ... اثنين وثلاثين شهرًا من هجرته عليه الصلاة والسلام-

 وفي الطريق انخذل عبدالله بن أبي سلول بثلث الجيش، وفر راجعًا إلى المدينة معهم

وهو يقول:

 

عصاني وأطاع الولدان ومن لا رأي له، وما ندرى علام نقتل أنفسنا ولما أراد بعض المسلمين إرجاع بن أبي سلول وجماعته إلى نصرة الجيش الإسلامي نزل قوله تعالى ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ (النساء:88)؟ وقد رفض الرسول- صلى الله عليه وسلم- اقتراح بعض الصحابة الاستعانة باليهود بناء على ما بينهم وبين المسلمين من ميثاق التناصر، وقال:- «لا تنتصر بأهل الكفر على أهل الشرك».

وبقي الرسول- صلى الله عليه وسلم- مع سبعمئة من جنوده المسلمين وعسكروا في الشعب من أحد، وانتقى خمسين راميًا وجعلهم على الجبل يحمون ظهر المسلمين، وقال لهم: «فإن رأيتمونا قد انتصرنا فلا تشركونا، وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا»، وقد اشترك في هذه المعركة صبيان فقد ألح كل من رافع بن خديج، وسمرة بن جندب أن يشتركا مع النبي- صلى الله عليه وسلم- وهما ابنا خمس عشرة سنة، فردهما النبي- صلى الله عليه وسلم- لصغر سنهما، فقيل له: يا رسول الله، إن رافعًا رام، فأجازه، فجاء سمرة بن جندب يقول: فأنا والله أصرع رافعًا، فأجازه أيضًا.

وقد روي عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه أمسك يوم أحد سيفًا ثم قال: «من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فأحجم القوم، فقال أبو دجانة: أنا آخذه بحقه، فأخذه، ففلق به هام المشركين، وكان أبو دجانة رجلاً شجاعًا يختال عند الحرب، فراح يتبختر بين الصفوف، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن، وعندما حمي الوطيس كان أبو دجانة مع الحمزة بن عبد المطلب من أشجع المقاتلين، وقد أثارت مراحل القتال الأولى الغرابة، وكأن ثلاثة آلاف مشرك يواجهون ثلاثين ألف مسلم، لا بضع مئات قلائل، وقد ظهر المسلمون في أعلى صور الشجاعة واليقين ومن أخبار ذلك اليوم، روي أن حنظلة بن أبي عامر، خرج من بيته حين سمع هواتف الحرب، وكان حديث عهد بعرس، فانخلع من أحضان زوجته، وهرع إلى ساحة الوغى حتى لا يفوته الجهاد،

واستشهد يومها وهو جنب. وتابع المسلمون انقضاضهم على قوى الشرك والعدوان، وأنزل الله نصره، فانكشف المشركون وانهزموا لا يلوون على شيء، وراحت نساؤهم تدعو بالويل، وتبعهم المسلمون يقتلون ويغنمون، وحسبوا أن المعركة قد انتهت بانتهاء هذه المرحلة بالنصر على أعدائهم.

 

مخالفة الرماة واختلاف موازين القوة في المعركة:

عندما انهزم المشركون من ساحة القتال خاسئين خاسرين، وتبعهم المسلمون يقتلونهم، ويسلبون غنائم قريش، إلا أن مزلقًا خطيرًا برز وسط هذا النصر المؤزر، ذلك أن الخروج على النظام، ونسيان أمر الرسول- صلى الله عليه وسلم- كاد أن يحول النصر إلى كارثة، فقد تكلم الرماة المرابطون على الجبل يحمون ظهر المسلمين، وأراد بعضهم المغادرة ومشاركة إخوانهم في الغنائم وهنا اختلفوا فيما بينهم، فنزل كثير منهم ظانين بأن الحرب قد انتهت، وراحوا يأخذون مع أصحابهم الغنائم، وقد ثبت على الجبل منهم عدد قليل بينهم عبدالله بن جبير أميرهم آنذاك قائلًا: لا أجاوز أمر رسول الله.

غزوة أحد من النصر والمحنة: 

وهنا نظر خالد بن الوليد إلى خلاء الجبل وقلة أهله، وشاهد انكشاف مؤخرة الجيش الإسلامي، حيث بقيت دونما حراسة كافية، فكر راجعًا بالخيل وتبعه عكرمة بن أبي جهل، وعاد المشركون للالتفاف حول لوائهم الذي رفع من جديد، وحملوا على من بقى من الرماة فقتلوهم مع أميرهم، وبدأوا يهجمون على المسلمين من الخلف، وبهذا تغير الموقف تغيرًا كاملًا، وتحول مجرى الحرب لصالح المشركين. وحينئذ انكشف المسلمون وداخلهم الرعب، فقد ضاعت عليهم معالم الخطة الحكيمة التي رسمها رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، فصاروا يقاتلون دونما تماسك، وبدوا كأنهم يخوضون معركة جديدة، يقاتلون فيها بشكل مفاجئ دون تعبئة سابقة وقيادة موحدة، وصار كل واحد من المسلمين يرسم الخطة لنفسه يحاول بموجبها الإفلات من الحزام الذي وجد نفسه داخله على حين غرة وبهذا أوجع المشركون في المسلمين قتالًا ذريعًا، حتى خلص إلى الرسول- صلى الله عليه وسلم-، فرمي بالحجارة حتى رمي لشقة، وأصيبت رباعيته وشجه في وجهه الشريف، وجعل الدم يسيل على وجهه فيمسحه وهو يقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم؟- وجاءت فاطمة- رضى الله عنها- تغسل الدماء عن أبيها، فلما رأت أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة حصير فأحرقتها حتى صارت رمادًا، فألصقته بالجرح فاستمسك. وفي هذه المرحلة أشيع في الناس أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قد قتل، فدخل الرعب في قلوب بعض المسلمين وذهبوا يولون الأدبار، إلا أن النبي- عليه الصلاة والسلام-، جعل يصيح بالمؤمنين: إلى عباد الله، فاجتمع إليه نحو ثلاثين رجلًا، وتجلى في هذه الأثناء مظهر رائع للتضحية والفداء ممن التف حول رسول الله، حيث راحوا يقدمون أرواحهم رخيصة دون رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتى قُتل معظمهم، وأقبل أبي بن خلف الجمحي على النبي- عليه الصلاة والسلام-، وكان قد حلف أن يقتله، وحمل على الرسول بسيفه، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: بل أنا قاتله إن شاء الله، وطعنه في جيب درعه طعنة وقع منها يخور خوار الثور فلم يلبث إلا يومًا أو بعض يوم حتى مات.

ولم تتوان قريش في مهاجمة الرسول ومن انحاز إليه من أصحابه بغية الإجهاز عليه وعليهم، ومرت ساعة عصيبة من أحرج الساعات في تاريخ الدنيا، وفرسان المشركين ورماتهم يحملون بعناد وإلحاح لتحقيق أمنيتهم. فقتل بين يدي النبي- عليه الصلاة والسلام- خلق كثير ينافحون دونه، وتركت استماتة المسلمين ودفاعهم عن رسول الله أثرًا كبيرًا في نهاية المعركة، حيث فترت قريش في محاولة قتل الرسول، ثم هدأت الحرب بين الطرفين، وانحسر المشركون منصرفين، وقد زهوا بالنصر الذي حققوه. وقد تأثر المسلمون لقتلاهم، وكان فيهم أسد الله ورسوله– الحمزة بن عبد المطلب وأنس بن النضر ومصعب بن عمير وعدد كبير غيرهم، وقد تأثر النبي- صلى الله عليه وسلم- لمقتل عمه الحمزة تأثرًا كبيرًا، حيث مُثِل به، وبُقرت بطنه، وجدع أنفه وأذناه، وأخذ النبي- صلى الله عليه وسلم- يجمع بين الرجلين من القتلى في ثوب واحد ثم يقول: أيهم أكثر أخذًا للقرآن؟ فإذا أشير له إلى أحدهم قدمه في اللحد. وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة، وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصل عليهم، ولم يغسلوا، وكان عدد شهداء المسلمين ثمانية وستين شهيدًا، أما قتلى المشركين فبلغ في أحد اثنين وعشرين قتيلًا.

 

الرسول والتدبير الوقائي الأخير:

عندما انصرف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من أحد مساء السبت، بات تلك الليلة في المدينة المنورة هو وأصحابه، وبات المسلمون يداوون جراحاتهم، وظن المنافقون واليهود في المدينة أن الخسارة التي وقعت بالجيش الإسلامي كانت ضربة قاصمة للدعوة، وبدأوا بإظهار شماتتهم بالمسلمين، لذلك كان لا بد للمسلمين أن ينتبهوا لخصومهم من اليهود والمنافقين والأعراب المجاورين للمدينة بأنهم يخطئون في ظنهم، وإن ما حدث في أحد لم يكن له أثر على معنوياتهم، وأن لديهم من القوه ما يجعل كلمتهم هي العليا، فضلًا عما أراده الرسول- صلى الله عليه وسلم- من إقامة الدليل للقرشيين أن الجيش المسلم ما زال قويًّا مستعدًا لدحر الشرك وضرب أصحابه، وأن الجيش الذي أحرز النصر هو أضعف من أن يثبت أمام المسلمين في معركة جديدة...

لذلك قرر الرسول- صلى الله عليه وسلم- أمرًا، فلما صلى الصبح يوم الأحد- اليوم التالي للمعركة– أمر بلالًا أن ينادي: أن رسول الله يأمركم بطلب العدو، ولا يخرج معنا إلا من شهد القتال بالأمس، ودعا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بلوائه وهو معقود لم يحل بعد، فدفعه إلى علي بن أبي طالب- رضي الله عنه-، وخرج المسلمون جنودًا مستعدين وفيهم المجروح والموهون، حتى عسكروا بحمراء الأسد على بعد عشرة أميال من المدينة فأوقد المسلمون هناك نيرانًا عظيمة، حتى ترى من المكان البعيد وتوهم كثرة أصحابها وفي هذه الأثناء، مر بالجيش المسلم أحد مشركي خزاعة وهو معبد بن معبد الخزاعي، ثم تجاوزهم فمر على المشركين ولهم زجل ومرح وزهو بالنصر الذي لاقوه في أحد، وهم يأتمرون بالرجوع إلى المدينة للقضاء على المسلمين، وصفوان بن أمية ينهاهم، فلما رأى أبو سفيان معبدًا قال: ما وراءك يا معبد؟ فقال: ويحكم إن محمدًا قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط فأدخل الله بذلك رعبًا عظيمًا في قلوب المشركين، وهبوا مسرعين عائدين إلى مكة، وأقام النبي- صلى الله عليه سلم- في حمراء الأسد: الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة.

النتائج بين المخالفة التنظيمية والطمع المادي:

عندما أحرز المسلمون النصر على المشركين في الشطر الأول من المعركة أخذوا ينطلقون خلف المشركين ليجهزوا عليهم، وليأخذوا الغنائم، فرغب حينئذ بعض الرماة الذين يعسكرون فوق الجبل يحمون ظهر إخوانهم بالمشاركة في الغنائم، فغادروا أماكنهم ظنًا بأن المعركة انتهت، ولم يراعوا أمر الرسول لهم في أول المعركة كما ذكرناه، على أن لهذه المخالفة أكبر الأثر في انقلاب ميزان القوة يومها، لو أن هؤلاء الرماة ثبتوا في أماكنهم كما أمرهم الرسول- صلى الله عليه سلم-، لما استطاع خالد بن الوليد معه كتيبة الشرك من أن يلتفوا ... حولهم، ويقلبوا هزيمتهم أول المعركة إلى نصر في آخرها، وكذلك ... العصيان في ضياع الغرض وانتصر الأعداء، هذا وقد أنذر الله سبحانه المؤمنين بالعذاب إن خالفوا الإصلاح عن صدق وإخلاص، فعندما غادر الرماة أماكنهم طلبًا للغنائم، انقلب الرعب الذي داهم أفئدة المشركين إلى استبسال جديد، وجاء الرعب هذه المرة ليغزوا أفئدة المسلمين كما رأينا، وقد علق القرآن الكريم على هذا الموقف من المعركة فقال: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ (آل عمران:152).

إن خطأ هؤلاء القلائل أتى بالوبال على النصر الأول، بحيث لم ينجو حتى رسول الله من الجراج مع أنه أحب الخلق إلى ربه.

 

الدرس في إصابة الرسول بالجراح ووحشية الأعداء:

خاض الرسول معركة أحد قائدًا عامًا لها، لم يكن يومها مختبئًا وراء أسوار المدينة ينتظر أخبارها عبر البريد والرسائل والبرقيات... إنما كان هو المخطط وهو المنفذ بآن واحد أمر رسولهم، فقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور:63)

ومن البديهي أن نقول: إن الطمع المادي في المغانم وغيرها- في كل عصر– يؤدي إلى الفشل ثم الخسارة والهزيمة، ولولا ثبات رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مع من حوله من المؤمنين الصادقين لكان للأمر شأن آخر، وهنا يعقب الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله قائلًا: وكذلك الدعوات، يفسدها ويفسد أثرها في النفوس طمع الداعين إليها في مغانم الدنيا واستكثارهم من مالها وعقارها وأراضيها، أن ذلك يحمل الناس على الشك في صدق الداعية فيما يدعو إليه، وإلى اتهامه بأنه لا يقصد من دعوته وجه الله- عز وجل- إنما يقصد جمع حطام الدنيا باسم الدين والإصلاح، ومثل هذا الاعتقاد في أذهان الناس صد عن دين الله، وإساءة إلى كل من يدعو إلى... وقد أصيب بالجراح في ذلك اليوم وفي إصابته- صلى الله عليه وسلم- عزاء عظيم لكل قائد مخلص، ولكل داعية مؤمن صادق، إنه عزاء فيما يصيب الداعين إلى سبيل الله ومنهجه القويم، وقدوة عليا فيما ينالهم اليوم من تعذيب في سبيل الله من أذى في أجسامهم، أو اضطهاد لحرياتهم بالسجن والاعتقال، أو قضاء على حياتهم بالإعدام أو الاغتيال، وقد قال الله تعالى في محكم آياته: ﴿الٓمٓ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ وَلَقَدۡ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡكَٰذِبِينَ (العنكبوت:١-٣).

 

أما فيما فعله المشركون يوم المعركة بقتلى المسلمين المجاهدين الشهداء من التمثيل وبقر البطون وتقطيع الأعضاء، وبخاصة ما فعلوه بالحمزة بن عبد المطلب عم الرسول- صلى الله عليه وسلم-، ففي ذلك دليل واضح على خلو أعداء الإسلام من كل إنسانية وضمير، وذلك يشملهم جميعًا في كل عصر، فالتمثيل بالقتيل لا يؤلم القتيل نفسه؛ لأن الشاة المذبوحة لا يؤلمها السلخ، ولكنه دليل على الحقد الاسود القاتل، الذي تمتلئ به قلوبهم ونفوسهم، فيتجلى

ذلك في الأعمال الوحشية التي يتألم. منها كل ذي وجدان حي وضمير. إنساني هذا التمثيل الوحشي الذي شاهدناه يوم أحد، ما زلنا نراه حتى اليوم يفعله بعض الطغاة بالمسلمين ودعاتهم، ونراه أيضًا على يد اليهود

قاتلهم الله، إنهم يفعلون في أبناء المسلمين منذ أن احتلوا فلسطين أبشع الأفاعيل، وكل من هؤلاء المتوحشين، يصدر بأفعاله عن ورد واحد نابع من حنايا نفوسهم التي لا تؤمن بالله واليوم الآخر، وذلك الحقد على المستقيمين في هذه الحياة من المؤمنين إيمانًا صحيحًا صادقًا بالله ورسله واليوم الآخر، والحمد لله رب العالمين.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 8

218

الثلاثاء 05-مايو-1970

عبر من موقعة أحد

نشر في العدد 13

133

الثلاثاء 09-يونيو-1970

عبر من موقعة أحد (2)