العنوان سيرة «الطوارق». عشاق الصحراء والسلاح
الكاتب محمد ولد شينا
تاريخ النشر السبت 26-مايو-2012
مشاهدات 106
نشر في العدد 2004
نشر في الصفحة 30
السبت 26-مايو-2012
مركز الشيخ الكنتي الثقافي: الأمة الإسلامية والأفريقية تفقد بسبب الصراع وعدم الاهتمام إرثا إنسانيا من حضاراتها في « أزواد»
الوديع الشريف: الشعب الأزوادي شعب مسلم مسالم حارب كل أشكال الاستعمار ولم يسمح للمستعمر بتعلم لغته خوفا على دينهم
يعتبر «الطوارق» أبرز القبائل الصحراوية التي تسكن إقليم «أزواد» الواقع على امتداد ما يعرف بالمثلث الصحراوي على الحدود المشتركة بين جمهورية مالي والجزائر والنيجر وليبيا، كما يتواجدون أيضا في العديد من الدول الأفريقية الأخرى خصوصا بوركينا فاسو، بينما تتواجد غالبيتهم على امتداد صحراء جمهورية مالي المبهرة بلوحاتها الرملية الذهبية التي رسمتها الرياح في تلك البقعة من العالم. وقد تمكن رجال «الطوارق» الملثمون من قهر الطبيعة الصحراوية الحارقة في إقليم أزواد وخبروا مسالكها وفيافيها ومساراتها بدقة عالية، بعد أن جعلوا منها ميدانهم المفضل، وتأقلموا مع شظف العيش فيها وتوافر الخيام التي تصنع من الصوف وتشد إلى ركائز يتم تثبيتها في باطن الأرض، مأوى آمنا ضد أشعة الشمس الحارقة والتغيرات المناخية التي يعرفها إقليمهم من حين لآخر.
وتؤكد الدراسات التاريخية أن شعب «الطوارق» من أصول أمازيغية، ولغتهم الرئيسة هي الأمازيغية أو الطوارقية كما يحبون أن يسموها. ويرى بعض المؤرخين أن كلمة «طوارق» مشتقة في الأصل من كلمة «كل تماشق». والتي تعني «الإنسان الحر» ورغم اختلاف المؤرخين في أصل هذه التسمية فإن الراجح هو أنها نسبة للقائد الإسلامي المعروف «طارق بن زياد»، بيمنا يرى بعض المؤرخين أن مصدر هذه التسمية مدينة «واقع» في الشمال المالي تسمى «تاركة». ومن أهم مدنهم مدينة تمبكتو» الواقعة في المشال المالي، بالإضافة إلى «كيدال» و«أروان»، و«يلمند»، و«غاو»، وتشير بعض التقديرات إلى شعب «الطوارق» يناهز أربعة ملايين شخص ٦٠% منهم في إقليم أزواد بجمهورية مالي.
الطوارق والإسلام
من الراجح أن الإسلام وصل إلى الشريط الصحراوي الذي يسكنه «الطوارق»، تقريبا مطلع القرن السادس عشر، وذلك عن طريق قوافل المسلمين التي كانت تمر من تلك الصحراء، وتم ذلك دون مقاومة وعن طريق الاختيار الحر لسكان هذا الجزء من العالم حيث يدين «الطوارق» في الوقت الحالي بالإسلام، ويتبعون المذهب السني المالكي. ويرى الوديع الشريف أن الشعب الأزوادي شعب مسلم مسالم حارب كل أشكال الاستعمار حيث لم يسمح للمستعمر حتى بتعلم لغته لأنه أدرك منذ البداية أن التعليم يعني التبشير بدين غير دين محمدﷺ.
وأضاف الشريف: «الشعب الأزوادي هو الشعب الذي أحرق الكنيسة عندما بنيت بالقرب من بيت من بيوت الله، وطرد قساوستها بعد أن أساؤوا إلى حبيبنا عليه الصلاة والسلام، لأنه بكل بساطة شعب أقبل على الإسلام بقناعة جعلت من الفاتحين الأوائل عنصرا يمتزج بهذه الأمة ليبقى الدين هو الهوية، ولا شيء يعلو على قدسية الدين، لكنه اليوم في عالم كشر عن أنيابه وبدا وجهه القبيح وتنكر للمبادئ والقيم الإنسانية وجد هذا الشعب نفسه في صراع دائم من أجل البقاء. لا جار يؤمن بوائقه. ولا صديق يستنجد به كل من حوله قطيع من الذئاب».
يرفض سكان «الطوارق»-خاصة الماليين منهم- استخدام الأسلحة النارية. لاعتقادهم أنها أسلحة غدر كما يحظرون طعن العدو من الخلف
زينة «الطوارق». لثام وخلاخل
ويحافظ «الطوارق» منذ مئات السنين على زينتهم التقليدية، حيث تختلف زينة الفتاة قبل الزواج عنها بعد الزواج، فيحق للفتاة بعد الزواج، أن تلبس الخلاخل وأسوار الفضة والعقيق وعقود الخرز، بينما يسمح بقليل من الزينة للفتيات غير المتزوجات أما رجل «الطوارق» فيلبس فضفاضة «الدراعة» وهي لباس تقليدي معروف عند العديد من سكان الشمال الأفريقي، كما لا يفارقه سلاحه الخاص خصوصا الخنجر والعصا والسيف لكن الأهم من ذلك كله لدى رجل «الطوارق» هو اللثام، حيث يضع رجل الطوارق لثاما يبلغ طوله عشرة أمتار من القماش الأبيض أو الأسود يغطي به كامل وجهه ما عدا العينين، فهذا اللثام يقيه حر الشمس الحارقة، ويثبت انتماءه الحقيقي للوطن وتمسكه بتقاليد المجتمع التي لا يجوز الإخلال بها.
الزواج عند «الطوارق»
يمنح شعب «الطوارق» الفتاة حق اختيار شريك حياتها ، شرط أن يكون من فتيان حيها وأبناء عمومتها وقريبا من مستواها الطبقي فبعد تعرف الشاب على شريكة حياته وانتهاء الخطبة التي تعلن نتائجها حتما بحضور الوالدة إلى جانب الخطيبين، تبدأ مراسيم عرس مملوء بالطقوس والعادات التي تعكس ثقافة مجتمع بدوي محافظ، فعلى أهل العريس دفع صداق من سبعة جمال عند الطبقات الغنية وشاتين من الماعز عند الفقراء «الأتباع».
ويستمر الحفل ثلاثة أيام، تشهد العديد من المناوشات بين أصحاب العريس وأصحاب العروس في خيمة مخصصة لذلك، وتبلغ تلك المناوشات ذروتها عندما تكون هناك من محاولة من صويحبات العروس لإخفائها.
وخلال أيام العرس الثلاثة، تنظم سباقات للهجن، قد لا تخلو في بعض الأحيان من توتر بين المتسابقين، ويخصص أحد أصحاب العريس للقيام بإطلاق النار في الهواء كل خمسة دقائق على مدى أيام الحفل. وفي آخر أيام العرس، يأتي أصحاب العريس بشحم سنام الإبل، فإذا كانت العروس بكرًا، يحرمون أكله، بل يعطرونه فقط ويعيدونه للنساء، أما إذا كانت غير بكر فيأكلون منه ما شاء لهم.
من العادات التي يرها البعض غريبة لدى مجتمع «الطوارق»، هو الحفلات التي تقام بمناسبة طلاق المرأة، حيث يعتقدون أن تعدد الطلاق أمر يجب أن تفخر به النساء المطلقات فالمطلقة عندهم «تحررت من أي التزام للزوج وباتت حرة في اختيار زوج جديد مرغوب».
ويمتاز «الطوارق» بالصفات الخلقية النبيلة من عدم إخلال بالوعد وصلابة في الموقف وإخلاص في العمل، بالإضافة إلى تعلقهم بالفروسية وفنون القتال على الطريق التقليدية. ويرفض سكان «الطوارق»-خاصة الماليين منهم-استخدام الأسلحة النارية لاعتقادهم أنها أسلحة غدر، كما يحظرون طعن العدو من الخلف.
الموروث الثقافي ودائرة الصراع
وتعتبر المنطقة الواقعة جنوب الصحراء الكبرى وتحديدا منطقة «أزواد» مخزونا علميا كانت وما تزال تزخر بالتراث الإنساني من آثار ومخطوطات ومعالم تاريخية نابعة من نتاج حضارة إسلامية. وقد دقت بعض المنظمات المهتمة بالشأن الثقافي جرس الإنذار، محذرين من ضياع المخزون الثقافي المادي في منطقة أزواد، فقد اعتبر مركز الشيخ سيد المختار الكنتي الثقافي أن هذا الموروث الثقافي التاريخي الموجود بمنطقة «أزواد» يعتبر من الروافد الحضارية الأساسية لأفريقيا والعالم الإسلامي وخصوصا دول أفريقيا الغربية والمغرب العربي، الشيء الذي جعل «اليونسكو» تعتبره تراثا عالميا، واليوم بات مهددا أكثر من أي وقت مضى.
ومنذ بعض الوقت تعيش المنطقة نزاعًا مسلحا في أكثر من صعيد في جبهات متعددة وبشكل يكاد يعم منطقة «أزواد» بأكملها ؛ مما سينجم عنه انعدام للأمن في الأرياف والقرى والمدن الواقعة ضمن النشاطات العسكرية الأمر الذي سيوفر الجو المناسب لضياع ما تبقى من الكنوز الثقافية التاريخية على يد عصابات النهب والتهريب والمتاجرة بالآثار التي تتنامى في ظروف الفوضى وميادين الحروب. وخلص بيان لمجمع الشيخ سيد المختار الكنتي الثقافي الإسلامي إلى القول: «إنه وأمام هذا الواقع المأساوي الأليم الذي يعاني منه جانب كبير من تراث الأمة لندق ناقوس الخطر، مبدين قلقنا أمام الهيئات الدولية وأمام الغيورين من أبناء المنطقة والمهتمين بتراثها وآثارها وأمجادها، ملتمسين منها الوقوف صفا واحدا من أجل الحفاظ على المدن التاريخية الأزوادية، والآثار والمعالم والأضرحة والمخطوطات والعلماء والمدارس الدينية الموجودة بها، وفي الوقت ذاته نناشد أطراف النزاع المسلح حماية هذا الموروث وتجنيبه دائرة الصراع».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل