; سيراليون- التدخل الخارجي والبحث عن الألماس وراء استمرار الأزمة | مجلة المجتمع

العنوان سيراليون- التدخل الخارجي والبحث عن الألماس وراء استمرار الأزمة

الكاتب بدر حسن شافعي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-نوفمبر-1999

مشاهدات 74

نشر في العدد 1376

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 16-نوفمبر-1999

سيراليون إحدى دول غرب إفريقيا التي تمتاز بتوافر ثروات طبيعية هائلة بها، في مقدمتها الألماس الموجود في الجنوب، لكن هذه الثروة الطبيعية كانت سببًا في التطاحن الداخلي من ناحية والأطماع الخارجية من ناحية ثانية. وقد كان تعارض المصالح سببًا رئيسًا في استمرار الحرب الأهلية التي بدأت أوائل التسعينيات، وازدادت ضراوة عام 1996م، وتحديدًا بعد فوز أحمد تيجان كباح برئاسة البلاد في أول انتخابات ديموقراطية تشهدها البلاد.

ونظرًا لاتصال حلقات الأزمة بعضها ببعض، فإنه يتعين علينا بداية دراسة جذور الصراع، ثم مواقف الأطراف المختلفة: الداخلية، الإقليمية، الدولية، وصولًا إلى رؤية استشرافية لما يمكن أن تؤول إليه الأمور.

نشأة الأزمة والبعد الداخلي

بدأت الحرب الأهلية في سيراليون في مارس عام 1991م مع دخول قوات الجبهة الثورية المتحدة بقيادة خودي سنكوح أراضي سيرايون انطلاقًا من ليبيريا المجاورة، وشكلت الجبهة تهديدًا جسيمًا لنظام الحكم في فريتاون، رغم أنها تنظيم غير متماسك وليس لديها كوادر مدربة أو أيديولوجية واضحة، وقد اعتمدت القاعدة البشرية للجبهة على استقطاب الشباب المحبط والثائر من تردي الأوضاع في البلاد، وعدم حدوث تقدم كبير يذكر منذ الحصول على الاستقلال عن بريطانيا عام 1961م، واعتمدت الجبهة بدرجة كبيرة على الدعم والتدريب الليبيين.

وقد استفادت الجبهة الثورة المتحدة إلى حد كبير من علاقة الاعتماد المتبادل التي أقامها سنكوح من الزعيم الليبيري تشارلز تايلور منذ عام 1980م حينما كان الجانبان يتلقيان التدريب العسكري في ليبيا، حيث اتفقا منذ ذلك الحين على أن يسخدم تايلور أراضي شرق سيراليون التي تسيطر عليها الجبهة الثورية في التدريب والتحضير للهجوم على ليبيريا، وبعد أن استتب الوضع نسبيًّا لصالح تايلور في ليبيريا قام بإرسال الأسلحة والمقاتلين إلى الجبهة الثورية لشن الحرب ضد رئيس سيراليون- آنذاك- جوزيف موموه عام 1991م، إلا أن الأخي أطيح به في انقلاب عسكري قام به صغار ضباط الجيش في أبريل عام 1992م بقيادة الكابتن فالنتين ستراسر.

استغلت الجبهة الثورية تلك الظروف للهجوم على المواقع العزولة التابعة لجيش سيراليون والمناطق الريفية غير المسلحة، وفي أواخر عام 1994م وأوائل عام 1995م استولت على ثلاثة مصادر رئيسة للدخل الأجنبي هي: مناجم الألماس في مناطق كونو، ومنجم خام أكسيد التيتانيوم في جيانجبا توك، ومنجم البوكسيت في موكانجي، كما هددت العاصمة فريتاون ذاتها، ولذلك استعان الكابتن ستراسر بمرتزقة من جنوب إفريقيا لمهاجمة معاقل الجبهة الثورية، وبدأت الهزائم تتولى على قوات المعارضة، إلا أن نقص الإمدادات والمؤن، كان يضطر القوات الحكومية والمرتزقة إلى الانسحاب من المناطق التي استولوا عليها من الجبهة الثورية، مما كان يتيح لها استعادة تلك المناطق.

وفي يناير عام 1996م وقع انقلاب عسكري، قام به رئيس الأركان جوليوس ما دابيو، الذي أعلن التزامه بالديمقراطية، كما أمكن وقتذاك إلحاق هزائم بقوات الجبهة الثورية، وفي 15 من مارس عام 1996م أجريت الانتخابات التي كانت أول تجربة ديمقراطية حقيقية في البلاد، وخاضها الرئيس أحمد تيجان كباح ضد مرشح من حزب الشعب الوطني المتحد، وقد أسفرت الانتخابات عن فوز كباح الذي حصل على 59,9% من الأصوات، لكن المرشح المنافس رفض النتيجة، في الوقت الذي استمرت فيه هجمات الجبهة الثورية، وقد تعهد كباح بإحلال السلام في البلاد، وتم إبرام اتفاق لوقف إطلاق النار مع الجبهة في أبيدجان، لكن المعارضة وضعت شروطًا رفضها الحكومة، مما تسبب في انهيار إتفاق وقف إطلاق النار، وفي أعقاب ذلك شهد الصراع المسلح تحولًا حادًّا حينما قتل معظم قادة ومقاتلي الجبهة الثوية في كمين أعده المرتزقة العاملون مع القوات الحكومية في إطار ما عرف بعملية «زاجودا»، وهو ما كان بمثابة هزيمة عسكرية وسياسية ساحقة لسنكوح وجبهته المعارضة، مما دفعه إلى قبول التوقيع على اتفاق للسلام مع الرئيس كباح في ديسمبر عام 1996م.

الانقلاب ضد كباح

عقب استتباب الأوضاع في سيراليون أجريت انتخابات رئاسية أوائل عام 1997م، استجابة لطلب المعارضة، وأسفرت عن فوز كباح مرة أخرى، لكن يلاحظ أن الحرب الأهلية تجددت مرة أخرى، حيث تمكنت الجبهة الثورية من تجاوز هزيمتها السابقة، وتمكن سنكوح من التحالف مع بعض القادة العسكريين، مما أدى إلى الإطاحة بكباح في انقلاب عسكري في مايو عام 1997م، وفراره إلى نيجيريا، ورغم أن العسكريين أفلحوا بالفعل في الاستيلاء على السلطة إلا أن قوات منظمة غرب إفريقيا تدخلت عسكريًّا لإعادة كباح إلى السطة، واستمرت هذه المحاولات قرابة ثمانية أشهر، إلى أن نجحت بالفعل في القضاء على النظام العسكري في يناير عام 1998م، وعاد كباح مرة أخرى إلى السلطة.

لكن الأمور لم تستتب، فقد قام كباح باستثارة حفيظة المعارضة من خلال إصدار أحكام مشددة على قادة الانقلاب، ومن بينهم سنكوح الذي قبضت عليه القوات النيجيرية، وصدر حكم بإعدامه في أكتوبر عام 1998م، كما جرى التحفظ على أعداد كبيرة من الجنود التابعين للنظام العسكري المهزوم.

وعلى الرغم من أن حكومة الرئيس كباح كانت مدركة أن بعض فلول المتمردين بقيادة زعيمهم الجديد سام بوكاري قد أفلحوا في الهرب من قوات الإيكوموج إلا أن تقديرها المبدئي كان يشير إلى أن هؤلاء لا يمثلون تهديدًا أو خطرًا على الحكومة، ولذلك كان اندلاع الحرب الأهلية مجددًا أواخر شهر ديسمبر الماضي يمثل تطورًا مفاجئًا للغاية، حيث خالف المتمردون كافة التوقعات، وأفلحوا في تنظيم صفوفهم بسرعة، وقد ساعدهم في ذلك الحصول على مساعدات خارجية من كل من ليبيريا، بوركينا فاسو، وليبيا، وقد تمكنت قوات الجبهة من الوصول إلى مشارف العاصمة فريتاون، مما أجبر كباح على الإعلان عن وقف إطلاق النار من جانب واحد في الوقت الذي أكد فيه بوكاري أن قواته تمكنت من السيطرة على المواقع الحيوية بالعاصمة، وأنه أعطى أوامره بشن هجوم شامل ضد قوات الأيكوموج، معلنًا رفضه لفكرة وقف إطلاق النار، الأمر الذي دفع كباح إلى استخدام ورقة سنكوح كأداة للضغط، في الوقت الذي قامت فيه قوات الأيكوموج بشن هجوم جوي وبري شامل ضد مواقع الجبهة، وتمكنت بالفعل من استعادة السيطرة على العاصمة بحلول 19 يناير الماضي.

ومنذ ذلك الحين، والصراع يتخذ بعدًا جديدًا مع إقدام الجبهة على استخدام ورقة الرهائن لتغطية انسحابها من ناحية، وللضغط على كباح والأيكوموج من ناحية ثانية، فانتشرت ظاهرة اختطاف المبشرين ورجال الأعمال، وعدد من الصحفيين الأجانب.

لكن في المقابل نجد أن استمرار تدفق قوات الأيكوموج الأكثر تسليحًا، فضلًا عن تحرك كل من الولايات المتحدة وبريطانيا للضغط على تايلور وسنكوح، والدبلوماسية الإفريقية، هذا كله ساهم في توقيع اتفاق السابع من يوليو الماضي بين سنكوح وكباح، كان من أههم بنوده:

1- إصدار عفو عام عن سنكوح وإلغاء عقوبة الإعدام.

2- دمج قوات المتمردين في الجيش وتجريدهم من أسلحتهم.

3- تشكيل حكومة وطنية يحصل فيها سنكوح على عدد من المناصب الوزارية.

ومن أجل ضمان سلامة تنفيذ هذا الاتفاق طلب الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان من مجلس الأمن الموافقة على إرسال ستة آلاف جندي من قوات حفظ السلام إلى البلاد.

مواقف متشابكة

من الواضح أن الدور الإقليمي كان له أثر مباشر في إذكار الصراع بين الجانبين في سيراليون، فقد كانت هناك حالة من الانقسام في الموقف الإقليمي ما بين مؤيد لكباح وفي مقدمة الدول المؤيدة له نيجيريا ودول الأيكوموج بصفة عامة، وفي المقابل فإن ليبيا وليبيريا وبوركينافاسو ساندت المعارضة.

فبالنسبة لنيجريا يلاحظ أنها تشكل العمود الفقري لمنظمة «دول غرب إفريقية» المعروفة باسم «إيكواس»، ومن ثم فإنها تسعى إلى تأكيد هيمنتها في المنطقة كأكبر قوة إقليمية من ناحية، فضلًا عن مصالحها الاقتصادية مع سيراليون حيث مناجم الألماس من ناحية ثانية، علاوة على الموقف العدائي من ليبيريا بزعامة تايلور من ناحية ثالثة.

ومن هنا يلاحظ أن نيجيريا لعبت دورًا يتعدى المهام المتعارف عليها لقوات الإيكوموج، إذ إن التواجد العسكري النيجيري بدأ منذ عدة سنوات سابقة على الأزمة الأخيرة، حيث برز أثناء حكم ستراسر عام 1993م، ومنذ ذلك الوقت قدمت نيجيريا الحماية لعدة حكام تعاقبوا على حكم سيراليون، وبالرغم من قيام القوات النيجيرية بمساعدة النظام والمساهمة في تحقيق الشرعية إلا أن الشعب السيراليوني كان ينظر إليها نظرة أخرى، على اعتبار أنها قوات أجنبية، ومن هنا يمكن تفسير أسباب تزايد الخسائر في القوات النيجيرية «قدرت بـ 1200 شخص حتى مارس الماضي».

وإزاء هذه الخسائر الكبيرة التي تكلفتها القوات النيجيرية «مليون دولار يوميًّا» فإن الرئيس النيجيري الحالي أوباسانجو أعلن عن رغبته في سحب جانب كبير منها، وأعضاء الأولوية للشأن الداخلي.

أما بالنسبة لليبريا- الطرف المؤيد للمعارضة- فسنجد أن تشارلز تايلور يسعى في الأساس إلى استغلال مناجم الألماس جنوب سيراليون بالتعاون مع سنكوح، ويلاحظ أن العلاقات بين ليبريا وسيراليون قد ساءت عقب مشاركة قوات سيراليون ضمن قوات الأيكوموج لمواجهة تمرد تايلور، كما يلاحظ أن حركة التحرير المتحدة الليبرالية المعارضة لتايلور، كانت تستخدم أراضي سيراليون، الأمر الذي دفع تايلور إلى مساعدة سنكوح.

ويلاحظ أن دور تايلور تضاءل رسميًّا في الفترة الأخيرة بعد تعرضه لضغوط من واشنطن لوضع حد للأزمة الأخيرة، ولقد حاولت ليبريا تحسين صورتها- بعض الشيء- فأعلنت أنها ألقت القبض على رعايا أجانب يساندون سنكوح انطلاقًا من أراضيها.

الموقف الدولي

وأهم الأدوار هنا دور بريطانيا- باعتبار أنها الدولة المستعمرة الأم- والتي لم تنقطع صلاتها بالبلاد في ظل رابطة الكومنولث- ثم الموقف الإسرائيلي الذي يسعى لبسط يديه على مناجم الألماس في جنوب البلادز

لقد كانت بريطانيا حريصة منذ جلائها من سيراليون على الإبقاء على روابط قوية مع النظام الحاكم، والحفاظ على شرعيته، ومن ثم ضرورة تحقيق الاستقرار في البلاد، لضمان الحفاظ على مصالح الشركات البريطانية العاملة في مجال الألماس، ووفق هذا المنظور يمكن رصد الموقف البريطاني في عدة نقاط.

1- قطع المعونات الغقتصادية عن سيراليون في يناير عام 1993م، عندما أعدم نظام ستراسر العسكري عددًا من المعارضين، مما أجبر ستراسر على تبني برنامج للتحول إلى التعددية الحزبية.

2- تأييد بريطانيا لعودة كباح بعد الانقلاب الذي نفذه سنكوح في مايو عام 1997، وقامت بتجميد عضوية سيراليون برابطة الكومنولث أثناء حكم العسكريين.

3- قيام بريطانيا من خلال إحدى شركات العاملة في سيراليون بتزويج أنصار كباح بالمؤن والسلاح، منتهكة بذلك الحظر المفروض من الأمم المتحدة في هذا الشأن.

4- عند نشوب المعارك بين الجانبين في يناير الماضي، أعلنت بريطانيا- رسميًّا- تأييدها لكباح، ومساندتها لقوات الإيكوموج.

5- إعلان بريطانيا عن استعدادها لإرسال خبراء عسكريين لتدريب وإعداد الجيش في سيراليون.

أما بالنسبة لموقف إسرائيل، فقد حرصت تل أبيب، على القيام بدور غير معلن لتأمين مصالحها، ودعم قوات المعارضة، الأمر الذي اكتشفته القوات الحكومية في 15 يناير الماضي، حيث اعتقلت رجل الأعمال وضابط الاحتياط بالجيش الإسرائيلي يائير كلاين، ووجهت إليه اتهامًا بمساعدة قوات الجبهة، وتقديم أسلحة وخرائط لهم، ويلاحظ أن إسرائيل كانت تعمل على تأييد كلا الجانبين وفق مصالحها.

موقف الأمم المتحدة

كان موقف الأمم المتحدة باهتًا بالنسبة لأزمة سيراليون، وربما يرجع السبب في ذلك إلى أن عبء عودة الاستقرار يقع على عاتق منظمة الإيكواس، ولقد بذل مبعوث الأمم المتحدة إلى سيراليون جهودًا للتقريب بين وجهات نظر الحكومة والمعارضة بشأن بدء مباحثات مباشرة بين الجانبين، وقد نجح في فبراير الماضي في الحصول على موافقة الجبهة بالمشاركة في تلك المحادثات ودعوة بوركينافاسو وكوت ديفوار وتوجو إليها، إلا أن حكومة سيراليون أصرت على عدم مشاركة بوركينا فاسو لدورها في دعم المتردين.

وعقب توقيع اتفاق لومي الأخير، قدم عنان اقتراحه الأخير بشأن الاعتماد على قوات الإيكواس لنزع أسلحة قوات المتمردين، وبالرغم من ذلك فلا يجب أن نفهم أن الأزمة في طريقها إلى الحل، والسبب في ذلك أن هذه القوات سوف تواجه بعده عقبات لعل من أهمها: إمكان رفض نيجيريا المشاركة في الإيكواس لنزع أسلحة قوات المتمردين، وبالرغم من ذلك فلا يجب أن نفهم أن الأزمة في طريقها إلى الحل، والسبب في ذلك أن هذه القوات سوف تواجه بعدة عقبات لعل من أهمها: إمكان رفض نيجيريا المشاريكة في الإيكواس من أجل تقليل النفقات المادية والبشرية، كما أنه في حالة موافقة نيجيريا على المشاركة، فإنه من المحتمل حدوث مواجهات مع قوات سنكوح، لأن التجربة السابقة والميراث العدائي لا يزالان قائمين بين الجانبين.

الرابط المختصر :