; (من الحياة) سيد الأوفياء صلى الله عليه وسلم | مجلة المجتمع

العنوان (من الحياة) سيد الأوفياء صلى الله عليه وسلم

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 12-سبتمبر-2009

مشاهدات 83

نشر في العدد 1869

نشر في الصفحة 38

السبت 12-سبتمبر-2009


(*) أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية المساعد

الوفاء كلمة جميلة رقيقة راقية وهي كلمة جامعة لمعان عظيمة متعددة.

فالوفاء يعني الإخلاص والصدق وتجنب الخيانة والكذب.. والوفاء يعني البذل والعطاء، وتجنب الشح والبخل.. والوفاء يعني الحفاظ على العهد، وتجنب تضييعه ونسيانه.. والوفاء يعني الحب والمودة والبعد عن الكراهية والبغضاء...

 وليس مع الوفاء تربص ولا تصيد ولا إساءة ولا ظلم، ولا نكران ولا حجود ، ولا جرح ولا قدح. ورسولنا الكريم الحبيب صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في الوفاء، وهو سيد الأوفياء، والمتأمل في سيرته الزكية يستنتج أنه أقام الوفاء على أسس سليمة، وتلمح ثلاثة أسس بارزة في وفائه ﷺ: 

الأساس الأول- الحب: وهو أمر يجب أن يحكم علاقة الأوفياء مع بعضهم بعضا.

 والأساس الثاني- الإنسانية: وهي ضمان استمرار الحب بين الناس.

 والأساس الثالث- الإيمان: وهو الضابط للوفاء والمغذي له.

 فمن ادعى الوفاء لشخص ما، وكان الغرض أو المصلحة، ولم يكن وفاء بدافع الحب فليس هذا بوفاء، ولن يستمر.. ومن تزوج أمرأة لجمالها فقط، ذهب وفاؤه لها مع ذهاب جمالها.. ومن تزوج للمال فقط ضاع الوفاء مع فقدان المال.

لذا فقد وجه النبي ﷺ الشباب عند اختيار الزوجة بقوله ، فاظفر بذات الدين تربت يداك ( رواه البخاري)؛ ذلك أن الاختيار القائم على الدين معياره الإيمان، والإيمان هو الذي يضبط الوفاء ويزيده ويجعله دائما مستمرا، كما وجه النبي أهل العروس إلى اختيار صاحب الدين في قوله: إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ( رواه الترمذي وابن ماجه والطبراني).

إن الوفاء من الأخلاق الكريمة والصفات العظيمة، وهو من صفات الشرفاء الكرام، وأكرم هؤلاء وأشرفهم وأوفاهم محمد ﷺ ، فإلى جولة في حياته ننقب عن بعض صور الوفاء لديه ﷺ عسى أن نستلهم منها الدروس والعبر ونكتسب منه ﷺ هذه الصفة الكريمة الشريفة العظيمة.

● أولا- وفاؤه لربه عز وجل:

لقد كان محمد ﷺ سيد الأوفياء مع ربه فقد بلغ رسالته، وأدى أمانته وجاهد في الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين، وصبر على الإيذاء، ولم يغير، ولم يبدل، بل سار على النهج الذي رسمه له رب العزة وارتضاه سبحانه.

● ثانيا- وفاؤه مع خديجة:

أخرج الإمام البخاري بسنده عن السيدة عائشة رضي الله عنها، قالت: ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة وما رأيتها ، ولكن كان النبي ﷺ يكثر من ذكرها وربما ذبح الشاة، ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق - أي صديقات - خديجة، فربما قلت له : كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة !! فيقول: إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد (رواه البخاري).

هكذا كان ﷺ وفيا لخديجة بعد وفاتها فهو يذكر أعمالها وأخلاقها، وأيامها وعهدها رضي الله تعالى عنها ؛ لأنها كانت أول من صدقه وآمن معه، وهي التي خففت من ألمه وقوت من عزيمته، وكانت البلسم الشافي لآلامه، والدافع القوي لتحقيق آماله.

● ومن أبرز صور وفائه لخديجة ما يلي:

1- إكثاره ذكرها وذكر محاسنها وأعمالها الطيبة، فقد أثنى على إيمانها، والمبادرة بتصديقه وثباتها وتثبيتها، ودعمها له ﷺ وأدبها وعاداتها وأخلاقها، وحسن عشرتها، لذا فقد أوصى ﷺ أتباعه بذكر محاسن زوجاتهم والتجاوز عن الهنات والأخطاء، وعدم نشرها لأنه ما من أحد من البشر إلا وله أخطاء، كما قال الشاعر:

ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها *** كفى بالمرء نبلا أن تعد معايبه

ومن توجيهاته ﷺ للأزواج لا يفرك مؤمن مؤمنة - أي لا يبغض - إن كره منها خلقا رضي منها آخر (رواه مسلم من حديث أبي هريرة).

٢- حزنه الشديد على فراقها، حتى سمي عام وفاتها بـ عام الحزن، وقد سرى عنه ربه برحلة الإسراء والمعراج تخفيفا لحزنه وألمه على فراقها.

٣- تصريحه ﷺ بحبه لها حتى بعد وفاتها.

ففي حديث عائشة رضي الله عنها، قال رسول الله : إني رزقت حبها، يعني خديجة. (أخرجه ابن حبان).

٤- رفضه ﷺ أن يتحدث عنها أحد بمكروه.

فقد أخرج أحمد من حديث عائشة قالت: ذكر رسول الله ﷺ يوما خديجة، فأطنب في الثناء عليها، فأدركني ما يدرك النساء من الغيرة فقلت: لقد أعقبك الله يا رسول الله من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين. قالت: فتغير وجه رسول الله ﷺ تغيرا لم أره تغير عند شيء قط.. الحديث.

٥-  إكرامه ﷺ لصديقات خديجة، فقد روى أنس رضي الله عنه  قال: كان النبي ﷺ إذا أتي بشيء قال: اذهبوا به إلى فلانة، فإنها كانت صديقة الخديجة (أخرجه ابن حبان، وفي لفظ الحاكم اذهبوا به إلى فلانة، فإنها كانت تحب خديجة..

وهذا الصنيع منه ﷺ يؤكد وفاءه لخديجة رضى الله عنها، وبره بها، وحبه لها، وحرصه على استمرار اهتمامه بها وتذكره لها .

٦- إقباله ﷺ على صاحبات خديجة واهتمامه بهن بعد وفاتها رضي الله عنها تقول السيدة عائشة جاءت عجوز إلى النبي ﷺ، فقال لها: من أنت؟، فقالت: أنا جثامة المزنية. قال: كيف حالكم؟ كيف أنت بعدنا؟. قالت بخير، بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، فلما خرجت قلت يا رسول الله ﷺ، تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال ؟! فقال: إنها كانت تأتينا أيام خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان (أخرجه ابن عبد البر، وفي رواية أخرى هذه المرأة هي أم زفر ماشطة خديجة.

● ثالثا- وفاؤه ﷺ مع أصحابه:

شهدت له سيرته الزكية ﷺ بوفائه لأصحابه، حبا وإيثاراً، وعهداً ووعداً، وعطاء وصدقا، فكان النموذج الحقيقي للوفاء ﷺ .

●رابعا- وفاؤه ﷺ مع أهل الذمة:

المتصفح لسيرته ﷺ يدرك - بلا شك - أنه أوفى بعهده لليهود والنصارى، فما نقض عهداً ولا أخلف وعدا ، وما خان، وما كذب، فلما نقضوا هم معه العهود والمواثيق كان لزاما عليه أن يكون جازما حاسما معهم، حفاظا على دين ربه ونفسه وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين.

● خامسا- وفاؤه  مع الكفار:

لقد كان رسول الله ﷺ وفيا حتى مع الكفار فحين رجع من الطائف حزينا لإعراض أهلها عن دخول الإسلام، ودخل مكة في جوار المطعم بن عدي وهو مشرك، فجمع المطعم قبيلته وأخذوا سلاحهم، وأعلن المطعم أن محمداً في جواره، وبعد أن هاجر النبي ﷺ إلى المدينة. وهزم المشركون في غزوة بدر، ووقع في الأسر عدد لا بأس به من المشركين، فقال : لوكان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء لتركتهم له ( رواه البخاري)، وأبو البختري بن هشام هو أحد المشركين الذين نقضوا صحيفة المقاطعة الظالمة التي فرضها المشركون في الحصار على النبي وآله وصحبه، فلما كان يوم بدر قال ﷺ: من لقي أبا البختري بن هشام فلا يقتله .. فهل تذكرت أخي القارئ الكريم من أحسن إليك في حياتك ؟..

الرابط المختصر :