; سياسيون وباحثون اجتماعيون يحذرون: عنف فرنسا يمكن أن يتكرر في هولندا | مجلة المجتمع

العنوان سياسيون وباحثون اجتماعيون يحذرون: عنف فرنسا يمكن أن يتكرر في هولندا

الكاتب خميس قشة

تاريخ النشر السبت 03-ديسمبر-2005

مشاهدات 54

نشر في العدد 1679

نشر في الصفحة 40

السبت 03-ديسمبر-2005

  • يبدو أن فرنسا صاحبة التاريخ الاستعماري لا تزال أسيرة الغطرسة والاضطهاد للشعوب.

  • الهولنديون ينظرون باحتقار لما يسمونه بالأحياء السوداء.

لكل فعل رد فعل مساوٍ له، هذا ما يمكن أن نفسر به الأحداث الأخيرة التي شهدتها فرنسا، ذلك أن استفحال سياسة التهميش والحرمان تجاه المواطنين من أصول غير فرنسية دفعت بهم إلى السكن في الضواحي حيث ندرة فرص العمل وتفشي مظاهر الفقر والحرمان وسوء الرعاية الصحية.

ومع تناسي الحكومات الفرنسية المتعاقبة لأحزمة الفقر التي تطوق المدن الفرنسية جعل تلك الأحياء مجالاً خصبًا لنماء بذرة الغضب والشعور بالغربة عن المجتمع الفرنسي، وبدا أن لحظة التنفيس والتعبير عن تلكم الكوامن قد حانت وانطلقت في أشكال مختلفة من التمرد والتخريب والتدمير، وهو مظهر غير حضاري يعبث بأموال الناس والأملاك العامة.

ولكل ذلك جاءت ردة فعل أبناء الأحياء الفقيرة بباريس نارًا تحرق الأخضر واليابس أوقدها الثائرون الغاضبون الذين نفد صبرهم فخرجوا في حرب ليلية أحرقت المئات من السيارات والمدارس والنوادي الاجتماعية، وسرعان ما انتقلت أعمال الشغب إلى مناطق أخرى في عدة مدن فرنسية.

وقد أربكت هذه الأحداث الجميع وخلطت أوراق السياسيين الذين أذهلهم مشهد جموع اليائسين من الأقليات العرقية المحرومين من أدنى مقومات الحياة والحقوق، ووصل بهم الأمر إلى مرحلة اليأس من الوعود والبرامج الوهمية التي تُرفع عند كل حملة انتخابية وتنتهي أمام واقع مؤسف متواصل من الكذب والخداع والمغالطة.

ويبدو أن فرنسا صاحبة التاريخ الاستعماري لا تزال أسيرة سياسات وحسابات خاطئة من الغطرسة والاضطهاد للشعوب؛ إذ إن معالجتها لهذه الأحداث ليست إلا نسخة مقتبسة من أحد أنظمة العالم الثالث القمعية التي لم تتخل عن العقلية الأمنية، فتعاملت مع سكان الضواحي بامتهان حيث أرسلت لهم الشرطة والقنابل المسيلة للدموع، وكثفت من المداهمات الليلية لإمساك المشتبه بهم واعتقالهم وترحيلهم، وأصدرت قانون حظر التجوال وكأن البلد في حرب بل أمطرتهم بوابل من السب والشتم.

فهذه الحلول الاستئصالية قد تحد من الظاهرة، ولكن تترك النار تحت الرماد والمعالجة الحقيقية تتطلب إيقاف الظلم والقهر والحيف الذي يمارس واستئصال سياسة التمييز وتكريس العدالة الاجتماعية بين أبناء الشعب الواحد.

وتعني العدالة الاجتماعية إعطاء كل فرد ما يستحقه وتوزيع المنافع المادية في المجتمع بالعدل وتوفير متساوٍ للاحتياجات الأساسية والمساواة في فرص العمل للشباب العاطل والكف عن إهانة وعزل هذه الفئة من المجتمع الفرنسي.

ماذا نقول لهؤلاء اليائسين المحرومين؟ هل هم إرهابيون أيضًا أو هم كما وصفهم وزير الداخلية الفرنسي نيكولا ساركوزي «حثالة»؟! رغم أنه ينحدر في الأصل من هذه الشريحة؛ إذ إن أباه مجري انضم في وقت مبكر كمرتزق في الجيش الفرنسي، وهو الذي أوقد شرارة الغضب بسياساته الأمنية والسياسية. ألا يخشى الساسة الفرنسيون بهذا السلوك وبسياسة الهروب إلى الأمام من صناعة إرهاب أوسع وأخطر وتكثيرًا لأنصار الإرهاب الذي يقاومونه.

إن دول أوروبا ليست بمنأى عن أعمال العنف لما بها من بعض العناصر المتشابهة والمتقاربة من نبذ اجتماعي واقتصادي للمهاجرين، وتفاعل بعض هؤلاء الشباب بألمانيا وبلجيكا وهولندا مع الأحداث الأخيرة يجعل هذه الدول عرضة لأن تشهد أيضًا أعمال عنف مشابهة.

وقد قلل سياسيون وباحثون اجتماعيون من نشوب العنف في هولندا؛ لأن الوضع في الأحياء الفقيرة في هولندا أقل سوءًا من فرنسا، إلا أن الهولنديين يتجافون وينظرون باحتقار لما يسمونه بالأحياء السوداء، وهي الأحياء التي يتجاوز عدد السكان فيها من أصل غير هولندي أو أوروبي 50%، ومن ثم فالوضع في أوروبا متماثل أو يكاد.

ويظل التعاطي مع هذه الظاهرة بشيء من الجدية والمصداقية تجاه الأقليات بدمجها في الحياة السياسية والاقتصادية في وطن واحد متعدد ومتنوع الثقافات والأعراق، وإشاعة العدل ورفض الظلم بكل صوره وأشكاله هو صمام الأمان للعيش السلمي والتعايش بين مختلف الأديان والثقافات المتنوعة في أمن وأمان للأفراد والمجتمعات. لعل هذا الأسلوب هو الأنجع ويضمن تفاعل المواطنين الأوروبيين من أصول أجنبية لأنه يضمن التعامل الحضاري والكريم مع قضاياهم.

الرابط المختصر :