العنوان سياسة شارون: تعزيز الاستيطان ووقف الانتفاضة
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر السبت 12-مايو-2001
مشاهدات 94
نشر في العدد 1450
نشر في الصفحة 38
السبت 12-مايو-2001
منذ اليوم الأول لانتخابه أصر شارون على أن يكون رده على الانتفاضة الفلسطينية من نوع مختلف يتناسب مع سمعته كأشرس عسكري صهيوني، وعلى الرغم من أن باراك لم يدخر وسعًا في منافسة صقور الليكود, وخصوصًا في أيامه الأخيرة، فإن شارون أراد أن يكون لحكمه طعم مختلف.
فأنصاف الحلول التي ربما قبلها باراك فيما يتعلق بتجميد الاستيطان اليهودي والانسحاب من أجزاء أخرى من الضفة الغربية إضافة إلى قبوله حلًا يعتبر من وجهة نظر الصهاينة مساومًا بخصوص القدس الشرقية، هذه السياسات لم تكن لتقنع البلدوزر شارون فاتبع سياسة الأرض المحروقة, وجرف المنازل أو هدمها على رؤوس أصحابها.
كما اختار تعزيز السياسة الاستيطانية اليهودية من خلال طرح مشروع لجلب أكثر من مليون ونصف مليون يهودي من أمريكا الجنوبية وروسيا وجنوب أفريقيا، وهو ما يعني الإمعان في مصادرة الأراضي في الضفة والقطاع بكل الأساليب الممكنة.
هذه السياسات لا تلقى تصديًّا من جانب السلطة يتناسب مع شراسة الفعل الصهيوني وإجرامه، بل إن العكس هو ما يجري على الأرض الفلسطينية، فالإرهاب الصهيوني يقابله استجداء من جانب السلطة للمجتمع الدولي وللإدارة الأمريكية؛ لحمل شارون على استئناف المفاوضات، كما تحاول السلطة جاهدة إثبات «حسن السلوك» من خلال محاولات إجهاض الانتفاضة التي دخلت شهرها الثامن.
شارون يكبح بيريز
تل أبيب أفشلت المبادرة الأردنية المصرية من خلال تمييع بنودها, وطرح تعديلات أساسية عليها تجعل منها وثيقة شكلية، ووفقًا لمصادر يهودية فقد منع شارون وزير خارجيته شيمون بيريز من بحث موضوع الاستيطان مع المسؤولين الأمريكيين، وطلب منه التركيز فقط على سبل وقف «العنف» في الأراضي المحتلة، وكشفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن شارون رفض، عمليًّا، التفاهمات السرية التي حققها بيريز في المحادثات التي أجراها الشهر الماضي مع اثنين من قادة السلطة الفلسطينية وهما أحمد قريع ومحمود عباس بخصوص وقف الانتفاضة واستئناف عملية التسوية.
ووفقًا للصحيفة العبرية فقد طرح بيريز هذه التفاهمات لدى لقائه الرئيس المصري في القاهرة أواخر الشهر الماضي, والتي في أعقابها أعلن مبارك قائلًا: «الجانبان اتفقا على وقف إطلاق النار.. وبعد وقف إطلاق النار بأربعة أسابيع تبدأ المفاوضات»، لكن بيريز ووزير الخارجية المصري عمرو موسى نفيا أن يكون قد تم التوصل إلى أي اتفاق أو هدنة، وأوضح موسى أن الفلسطينيين والصهاينة «ما زالوا يتكلمون في الموضوع»، وهو الموقف الذي أحرج الرئيس المصري، وتعلل بيريز بخطأ في الترجمة جعل الرئيس المصري يفهم ما فهمه!
بيريز يلمع صورة شارون: ولأن شارون يختلف تكتيكيًّا في موقفه مع بيريز بالنسبة لطريقة السلطة, ومع الرئيس الفلسطيني عرفات «شريكه في جائزة نوبل مع المقبور رابين»، فإن موقف شارون وسياساته هي التي تسود، ولذلك فإن بيريز الذي فشل في كل انتخابات خاضها حتى الآن، كان عليه أن يتصرف في حراكه الدبلوماسي بطريقة لا تخرج عما أراده له رئيسه شارون، وهو ما جعل المراقبين يقولون إن بيريز يتصرف كأنه وزير لإعلام شارون, وليس وزيرًا للخارجية!
ومن الخلافات التكتيكية بينهما موقفهما من الرئيس عرفات، فشارون يريده أداة لتحقيق الأمن الصهيوني، وبالتالي فهو يرى أن جدية عرفات في تحقيق التسوية ينبغي أن تحكمها النتيجة, وهي هنا وقف الانتفاضة، فيما يرى بيريز أن بذل الجهود من جانب عرفات، وهو جهد واضح في مجال وقف الانتفاضة، يكفي في حد ذاته دليلًا على نوايا عرفات، وبيريز هنا يدرك أن عرفات لم يشعل الانتفاضة حتى يطفئها، وأنه حاول ويحاول جهده فعل ذلك لكنه لا يستطيع.
والحقيقة أن الرئيس الفلسطيني أصدر أكثر من فرمان لتبريد أجواء الانتفاضة, على الرغم من أن هناك حتى في الصف الفلسطيني من يعتقد أن عرفات هو المستفيد الأول من تصعيدها بالطريقة التي تجري، وهو اعتقاد فيه شيء من المبالغة؛ لأن تأييد عرفات ودعمه للانتفاضة بالطريقة التي تتم الآن فيه نوع من الانتحار الشخصي له، فشارون لا يتساهل في هذا الجانب, وصواريخه لن تخطئ طريقها تجاه طائرة عرفات أو قصره حتى دون تقدير لتبعات مثل هذا العمل دوليًّا أو إقليميًّا، والحقيقة أن المسؤولين الصهاينة أرسلوا أكثر من إشارة تحذيرية إلى عرفات، وآخر تلك الإشارات والرسائل وصلت عبر واشنطن نفسها التي حذرت من أن عرفات لا يقوم بدوره في وقف «العنف» كما ينبغي، ومن الإشارات أيضًا أن عرفات لا يكافح الإرهاب بالشكل الذي يجب, وأنه كما يبدو يحن إلى العودة إلى تونس (!) كما ذكر في يديعوت أحرونوت.
وفي اللقاء الذي جمع شارون مع مسؤول الأمن والعلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا دافع شارون عن موقفه من المبادرة الأردنية- المصرية بالقول إنه لا يقبل تحديد فترة اختبار مدتها شهر لوقف «العنف» تستأنف بعدها المفاوضات السياسية قائلًا: «إنني أرفض تحديد جدول زمني لتحقيق الاتفاقات مع الفلسطينيين»، ووصف شارون الوضع في الأراضي المحتلة أنه لا يطاق، قائلًا إنه «لا توجد دولة في العالم يمكنها أن تحتمل إرهابًا يوميًّا وتكون مستعدة لدفع الثمن بدماء سكانها»(!)
وكان موقف شارون المتشدد هو ما أحبط المبادرة الأردنية المصرية, على الرغم من أنها حازت على قبول أوروبي, ومن الإدارة الأمريكية وفق ما كان معلنًا.
نصوص المبادرة
المبادرة كما بثتها وكالة الصحافة الفرنسية تنص على:
أولًا: إجراءات تهدف إلى وضع حد للأزمة:
- يقوم كل من الفريقين باتخاذ تدابير ملموسة؛ لوضع حد لأعمال العنف وإعادة الهدوء بعد أسبوع من الموافقة على هذه الخطة.
- وضع حد للحصار العسكري, والاقتصادي, والمالي المفروض على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، والسماح بحرية تنقل الأشخاص, والبضائع, والامتناع عن استخدام أسلحة محظورة دوليًّا.
- يتزامن ذلك مع قيام إسرائيل بسحب كل قواتها, ودباباتها, وآلياتها المدرعة من مواقعها في محيط المدن, والقرى, ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين إلى حدود المواقع التي كانت فيها في ٢٨ سبتمبر ۲۰۰۰م.
- الإفراج فورًا عن كل الأموال والمتأخرات المستحقة للسلطة الفلسطينية.
ثانيًا: الإجراءات الهادفة إلى بناء الثقة:
- التطبيق الفوري للقرارات المتخذة في قمة شرم الشيخ.
- التجميد الكامل والفوري لسياسة الاستيطان بما في ذلك في القدس.
- التطبيق المتبادل للاتفاقيات الأمنية الموقعة.
- توفير الحماية لجميع الأماكن المقدسة.
ثالثًا: استئناف المفاوضات:
- يتوجب على الطرفين اتخاذ قرار استئناف مفاوضاتهما؛ بهدف التوصل إلى تسوية نهائية بشأن المسائل الواردة في جدول أعمالهما مثل: القدس, واللاجئين الفلسطينيين, والحدود, والمستوطنات, والأمن, والمياه، واستكمال الخطوات التي تم إحرازها في فترات ماضية, بما في ذلك خلال فترة قمة كامب ديفيد الفاشلة في يوليو ۲۰۰۰م, ومباحثات طابا التي جرت في عهد حكومة الكيان الصهيوني العمالية السابقة برئاسة إيهود بارك.
لكن حكومة شارون أفشلت تلك المبادرة بطرحها تعديلات جوهرية عليها، وهذه التعديلات هي التي حملها بيريز معه إلى واشنطن بعد إعلان فشل مباحثاته مع المسؤولين المصريين والأردنيين, ومن أهم ما تضمنته هذه التعديلات.
- لا مفاوضات سياسية حتى تتوقف كل الأعمال «الإرهابية».
- فترة مهلة لفحص الوضع على الأرض؛ للتأكد إذا كان الفلسطينيون ينفذون الاتفاقات حول وقف العنف.
- التسوية الدائمة- فقط بعد التنفيذ الكامل للتسويات الموقعة, والتسويات الإضافية كما يتفق عليها الطرفان.
- الجداول الزمنية المقترحة في المبادرة الأردنية- المصرية غير مقبولة «المقصود هنا القول إن التسوية الدائمة ستوقع في غضون عام من استئناف المفاوضات».
- تعمل تل أبيب على التسهيل على حياة سكان المناطق «المحتلة» كسياسة بدون صلة بالإرهاب ولا كورقة مساومة.
- تل أبيب ملتزمة فقط بالاتفاقات الموقعة التي صادق عليها الكنيست، وهو رد صريح على الطلب الفلسطيني باستئناف المحادثات على أساس ما اتفق عليه في كامب ديفيد, وفي طابا عشية الانتخابات.
- في هذه المرحلة من الحوار لوقف العنف، لا مجال للبحث في مسألة الاستيطان.
السياسة الصهيونية الحالية واضحة إذًا, ولا لبس فيها وهي تهدف بشكل رئيس إلى التوسع في العمليات الاستيطانية في الضفة الغربية وقطاع غزة, وهو نسف كامل لاتفاق أوسلو وما تبعه من اتفاقات هشة، ومن الغريب أن يذهب بيريز إلى مصر؛ لتسويق هذه السياسة بادعائه أن ما يحدث من تسمين للمستوطنات اليهودية في الأراضي الفلسطينية المحتلة إنما هو «تمدد طبيعي» للمستوطنات(!) وهي لغة دبلوماسية جديدة تأخذ طريقها إلى التطبيق العملي، ويمثل حرص شارون على عقد اجتماع أمني للحكومة الأمنية المصغرة في إحدى المستوطنات اليهودية بالضفة الغربية, وهو ما حدث لأول مرة في تاريخ الحكومات الصهيونية يمثل ذلك تطبيقًا فعليًّا للسياسة الشارونية الجديدة.
خدمات مجانية تقدمها السلطة
وعلى الرغم من الإمعان الصهيوني في سياسات القمع والتوسع في الاستيطان, وجرف الأراضي وهدم المنازل بالجملة على رؤوس أصحابها، فإن قرارات السلطة باعتقال رموز المقاومة الفلسطينية كالدكتور عبد العزيز الرنتيسي، وحل ما يسمى بلجان المقاومة الشعبية، وهي التي أنشأتها حركة فتح خلال الانتفاضة لا يمكن اعتبارها إلا خدمات مجانية لسلطات الاحتلال لن يحصد مسؤولو السلطة منها إلا الحصرم.
والواقع أن مسؤولي السلطة يقبعون في واد غير الوادي الذي يعيش فيه أبناء الشعب الفلسطيني، فكيف تستمر الاجتماعات الأمنية بين مسؤولي أمن السلطة, وقادة الأمن اليهود في ظل الإرهاب الصهيوني الجديد «ونحن ندفن قتلى كل يوم», كما قال الرئيس الفلسطيني؟ وماذا يعني أن يكون إعادة فتح كازينو أريحا مطلبًا رئيسًا لمسؤولي أجهزة أمن السلطة خلال اجتماعاتهم التنسيقية مع قادة الأمن الصهيوني؟ وهل اختصرت القضية الفلسطينية في مصلحة حفنة من المقامرين المساهمين في الكازينو الذين لم تحركهم دماء أبناء شعبهم التي تهدر, ولا تجريف الدبابات الصهيونية لمخيمات اللاجئين في غزة والضفة, ولا الحصار المستمر على شعبهم ومدنهم؟
انحياز في تقرير ميتشل
وبعد انتظار طويل خرج تقرير لجنة ميتشل إلى النور, وهي اللجنة التي شكلت خلال قمة شرم الشيخ في أواخر أكتوبر الماضي؛ لتقصي الحقائق في الأراضي المحتلة, وتقصي أسباب الانتفاضة والمواجهات، وقد خيب التقرير آمال الفلسطينيين, والسلطة بالتحديد التي كانت تعلق آمالًا كبيرة عليه.
وخلص التقرير الذي سلمت نسخة منه للحكومة الصهيونية, وأخرى إلى السلطة الفلسطينية إلى أن زيارة شارون للحرم القدسي الشريف في أواخر سبتمبر الماضي لم تكن السبب المباشر في اندلاع انتفاضة الأقصى الحالية، وإنما كان السبب هو «الاستياء الفلسطيني من عدم إحراز تقدم في عملية السلام»! ولم توجه اللجنة برئاسة السيناتور الأمريكي السابق جورج ميتشل أية إدانة لأي من الطرفين، ودعت السلطة الفلسطينية إلى «بذل مزيد من الجهد لوقف إطلاق النار من المناطق الفلسطينية على أهداف إسرائيلية»، كما وصفت الرد الصهيوني على ذلك أنه «مفرط في استخدام القوة».
ولم يأت التقرير على ذكر الحماية الدولية التي طلبت السلطة الفلسطينية توفيرها للفلسطينيين في المناطق المحتلة، لكنه دعا تل أبيب إلى سحب قواتها إلى ما كانت عليه قبل يوم 28/9/2000م وهو تاریخ بدء الانتفاضة، كما دعت اللجنة الطرفين إلى تبني اتفاق شرم الشيخ الذي طالب بوقف ما أسماه بالعنف, وإلى استئناف المفاوضات. وانتقد التقرير بقوة السياسة الاستيطانية في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وسيكون مطلوبًا من الطرفين الفلسطيني واليهودي صياغة الردود على التقرير, وتسليمها إلى الرئيس الأمريكي جورج بوش قبل ١٥ مايو الحالي، وسيقوم بوش من جهته؛ بنشر التقرير رسميًّا في وقت لاحق من هذا الشهر بالتشاور مع الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل