العنوان سياسة «بلع الأمواس»!
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 24-مارس-2007
مشاهدات 73
نشر في العدد 1744
نشر في الصفحة 39
السبت 24-مارس-2007
من قديم كان بعض اليائسين من النجاح أو فلاح يقومون ببلع بعض الأمواس ليتخلصوا من حياتهم بسبب فشلهم وإخفاقهم، وكان هذا يمثل ثقافة أو مخرجا أو عادة للقانطين العاجزين عن حلّ مشكلاتهم.
واليوم انتقلت هذه الثقافة السامة إلى الساسة والسلطات، وصارت قياداتها إذا عجزت عن مواجهة واقعها الأليم ومشكلاتها المزمنة عمدت في يأس قاتل إلى بلع الأمواس التي تمثل في اقتراف الكثير من الأخطاء، وزيادة العديد من المشكلات إلى الرصيد الضخم على الكوارث المستقرة في جعبتها، والتي تكاد تقضي عليها:
وإن ما تقوم به السياسة المصرية هذه الأيام من اعتقالات ومصادرات للأموال وهدم للشركات وتخريب للبيوت، وتقديم المذنبين للمحاكم العسكرية، هو بلع للأمواس.
واعتقال الشرفاء والأبرياء، وقادة الأمة من أساتذة للجامعات وكبار المثقفين المفكرين والمخلصين الذين يمثلون عصب الأمة بغير ذنب أو جريرة، هو بلع للأمواس.
واعتقال الطلاب وإضاعة مستقبلهم بمنعهم من مواصلة الدراسة الجامعية وإغضاب القطاع الطلابي العريض هو بلع مواس. ويحدث هذا رغم الإدانة الواسعة لهذه الأعمال المستهجنة، يقول ماكيلان سكوت نائب رئيس البرلمان الأوروبي لشؤون الديمقراطية وحقوق الإنسان وعضو لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان الأوروبي، إن استمرار النظام المصري في سياسة الاعتقالات الناشطين السياسيين المصريين فضيحة دولية لاعتقال المئات من جماعة الإخوان من الناشطين السياسيين والمرشحين لانتخابات مجلس الشورى القادم هو بمثابة كارثة أخلاقية وسياسية.
الإصرار على التعديلات الدستورية التي تعيد البلد إلى الوراء عشرات السنين وتكرس الدكتاتورية، وتلغي الإشراف القضائي على عملية الاقتراع بالمادة ٨٨ وهي لب العملية الانتخابية، كما أن النص المقترح للمادة ۱۷۹ يوقف الضمانات الدستورية للحريات الشخصية والحريات العامة المنصوص عليها في المواد: 45،44،41 ويفتح الطريق على مصراعيه للدولة البوليسية تفعل بالناس ما تشاء، كما أن الفقرة الثانية من هذه المادة، والتي تجيز لرئيس الجمهورية إحالة القضايا إلى أي جهة قضائية منصوص عليها في الدستور أو القانون، تمثل اعتداء على حق المواطن في المثول أمام قاضيه الطبيعي، وبهذا تفرغ المادة استقلال القضاء من مضمونه، وتتعارض كليًا مع مبادئ حقوق الإنسان. هذا وغيره من المواد التي لا تحدد مدد الرياسة... إلخ، ألا يمثل بلعًا للأمواس.
كما أن إلغاء رأيِّ الشعب المُجْمَعُ على إنكار هذه التعديلات الهزلية ومعارضة جميع الأحزاب المعترف بها وغير المعترف بها ومصادمة الرأيِّ العام الجماهيريِّ الإسلاميِّ المتمثل في الإخوان المسلمين، وإجماعهم على الوقوف ضد هذه التعديلات الجائرة، وكان آخرها المؤتمر الصحفيِّ يوم الثلاثاء ١٣ مارس ٢٠٠٧م، واستطلاعات الرأيِّ المُجْمِعَةُ على رفضها، وعدم استجابة الدولة، ذلك كله بلع للأمواس.
ترك الفساد وعدم الاكتراث به في كل قطاعات الدولة المختلفة رغم كشف الجهاز المركزي للمحاسبات عن المخالفات المالية والإدارية الجسيمة في قطاع الإسكان والتأمينات، وقطاع التعليم. وقد كشف تقرير لجنة تقصي الحقائق بمجلس الشعب عن مهازل حقيقية بمشروع تطوير المدارس الثانوية الصناعية بين مصر وصندوق الأوبك للتنمية الذي كشف في صفقة واحدة ضياع ۱۰۰ مليون جنيه، هذا عدا الفساد في قطاع الثقافة، والإعلام، وقطاع الزراعة، والريِّ. وقطاع السياحة، وقطاع الصحة، وقطاع الصناعة والطاقة والبترول... إلخ، وهذا كله تحت سمع وبصر حكومتنا الرشيدة التي تشغل نفسها بضرب العاملين المخلصين، أليس هذا بلعًا للأمواس؟!
تخبط الدولة الذي يتمثل في عدم وجود خطط أو برامج إصلاحية، واللجوء إلى القسوة والإرهاب للمطالبين بالإصلاح كتحويل العلماء ورجال التدريس في الجامعات والطبقة المثقفة في الأمة إلى المحاكم العسكرية بتهم ملفقة، وأكاذيب فجة تعرف الأمة كلها براءتهم منها، أليس هذا بلعًا للأمواس؟!
عدم استطاعة الدولة اختراق الإخوان المسلمين، أو شراء أيٍّ منهم، أو شق صفوفها كما فعلت بالأحزاب أصابها بالإحباط والهوس وعدم الاتزان، فأقنعت نفسها بأنها سترجع عجلة التاريخ وتوقفت عقارب الزمن، وهذا بلا شكّ، بلع للأمواس.
عدم اهتمام الإخوان أو خوفهم من الثمن الباهظ الذي يدفعونه مقابل الوقوف في وجه الظلم والبغيِّ جعلهم مضرب الأمثال ومحط الأنظار، وعدم مقابلتهم الإساءة بالإساءة قطع ألسنة المتربصين والساكبين للزيت على النار، وأصاب الحكومة بالإحباط وكشف الظلم والعدوان، أليس هذا بلعًا للأمواس؟!
جنازة التعديلات الدستورية تشيع من مجلس الشعب إلى مجلس الشورى بدون معزين إلا كذابي الزفة والنائحات وتكالي المعتقلين واللاعنين، والداعين على الظالمين بالويل والثبور، أليس هذا بلعًا للأمواس؟!
سيسفر - عما قريب - عن جنازة أخرى هي جنازة النظام نفسه، وتنتهي المهزلة ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: ٢١).