; سياسة الولايات المتحدة تعمق مشاعر العداء ضدها في العالم الإسلامي كله | مجلة المجتمع

العنوان سياسة الولايات المتحدة تعمق مشاعر العداء ضدها في العالم الإسلامي كله

الكاتب محمد حسن طنون

تاريخ النشر الثلاثاء 29-سبتمبر-1998

مشاهدات 56

نشر في العدد 1319

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 29-سبتمبر-1998

وزير الخارجية السوداني لـ: «المجتمع»:

أكد الدكتور مصطفى عثمان- وزير الخارجية السوداني- على أن الولايات المتحدة لا تملك أي سند لدعواها في العدوان على السودان، وأنه تأكيدًا لهذه الحقيقة طلب السودان من الأمم المتحدة تشكيل لجنة لتقصي الحقائق. 

وأثنى عثمان على التحرك العربي إقليميًا ودوليًا لمساندة السودان حيال العدوان الأمريكي.

جاء ذلك في حوار أجرته المجتمع مع وزير الخارجية السوداني في العاصمة السودانية الخرطوم، وتناول آخر تطورات العلاقات المصرية- السودانية، والجديد في الاتصالات الكويتية- السودانية، وتحليل الدور الذي تقوم به المعارضة السودانية في الداخل والخارج، وإلى تفاصيل الحوار: 

  • أحدثت الغارة الأمريكية على مصنع للدواء بالخرطوم موجة غضب عارمة في العالم الإسلامي والشعوب المحبة للسلام.. ما دوافع العدوان؟ وما حقيقة المصنع؟ 

أستطيع أن أقول: إن دوافع العدوان تتلخص في «غرور القوة»، وإحساس الولايات المتحدة بأن أحدًا لن يسألها إذا ما اعتدت على بريء، وسفكت الدماء، وانتهكت القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وقواعد التعايش السلمي، يضاف إلى ذلك وجود قوى معينة منظمة يهمها أن تكون هناك مواجهة دائمة ومستعرة بين الولايات المتحدة والمسلمين، وتصوير الأخيرين بأنهم الخطر الذي يهدد أمريكا، ولذا تعمد هذه القوى لتزويد حكومة الولايات المتحدة بالمعلومات المضللة والتقارير الزائفة التي تغذي ذلك الاتجاه، وللأسف فقد أثبتت أجهزة المعلومات والتحليل الأمريكية أنها لا تملك المقدرة الحقيقية لتشخيص المعلومات والتقارير التي تصلها، والتفرقة بين الغث والسمين منها.

أما مصنع الشفاء للأدوية فهو مصنع عادي للأدوية، صمم على أحدث طراز، ولكنه غير مهيأ لإنتاج أي مواد كيميائية، مما تزعم الولايات المتحدة أن المصنع كان ينتجها، وقد شهد بذلك كل المهندسين الذين أشرفوا على تركيب المصنع ومنهم بريطانيون وأمريكان وأردنيون، وكذلك الجهات التي كانت تزود المصنع بالمواد الخام من إيطاليا وغيرها من الدول الأوروبية، ولذا فقد طلب السودان من مجلس الأمن إرسال بعثة تقصي حقائق حول المزاعم الأمريكية، كما أعلن استعداده لاستقبال أي فريق من الفنيين والمختصين يود التأكد من حقيقة ما نقول، ومن الواضح أن مقاومة الولايات المتحدة لخطوة مثل هذه تدل على أنها لا تملك أي سند لدعواها.

  • هل تعتقدون أن تحرك الجامعة العربية والدول العربية كان كافيًا لنصرتكم في المحافل الدولية؟

نعم نحن راضون عن التحرك العربي لنصرة موقف السودان في الأمم المتحدة، حيث دعمت المجموعة العربية طلب السودان لدى مجلس الأمن، وقد كان بيان الجامعة العربية في هذا الصدد قويًا وواضحًا، وكذلك على مستوى الإعلام والرأي العام العربيين. 

وإذا أضفنا لهذا الدعم العربي الدعم الذي حظي به السودان من المجموعتين الإسلامية والإفريقية، ومجموعة عدم الانحياز، فإننا نعتقد أن هناك فرصة جيدة لإنجاح تحركنا في المحافل الدولية لكشف حقيقة هذا العدوان، وفي الواقع فإن ثمار هذا التحرك صارت ظاهرة للعيان على نحو ما خرجت به قمة عدم الانحياز مؤخرًا، حيث أدانت بالإجماع موقف الولايات المتحدة، ودعمت مطلب السودان، وكما تعلم فإن دول عدم الانحياز تمثل الغالبية الساحقة من عضوية الأمم المتحدة.

  • لماذا تقدمتم بطلب لجنة تقصي حقائق عن المصنع من مجلس الأمن بدلًا من التقدم بشكوى عاجلة للمجلس عن العدوان الصارخ على السيادة السودانية؟

نحن نعلم حقيقة التوازن القائم الآن في مجلس الأمن، وفي مجمل النظام الدولي، وسيطرة الولايات المتحدة على كليهما، ولسنا على عجلة لتحويل القضية الحالية إلى مواجهة مع الولايات المتحدة، وإنما غرضنا أن نشرك المجتمع الدولي في فحص وتمحيص المزاعم التي ظلت الولايات المتحدة تثيرها حول السودان منذ فترة طويلة، وتقديرنا أن هذه فرصة طيبة للمجتمع الدولي وللرأي العام الأمريكي ليعلما حقيقة ما تثيره واشنطن ضد السودان، وستواجه الولايات المتحدة بخيارين إما الاستمرار في مقاومة قيام تحقيق دولي ومحايد في حقيقة العدوان الأخير، وبالتالي سيمثل ذلك إقراراً منها بزيف ما استندت إليه من مزاعم وتبريرات لشن ذلك العدوان، أو الموافقة على ذلك التحقيق والذي سيصل للنتيجة ذاتها، وفي الحالين نرجو أن تمثل الحادثة نقطة تراجع فيها حكومة الولايات المتحدة موقفها من السودان ومصادر المعلومات التي تصلها عنه، ولتدرك أن نهجها الحالي لن يؤدي إلا إلى تعميق مشاعر العداء للولايات المتحدة ليس في السودان فقط، وإنما في طول العالم الإسلامي والعربي وعرضه.

  • سحبتم سفراءكم من الولايات المتحدة وبريطانيا، ما الأسباب التي عجلت بذلك رغم أن الدول حتى وهي في حالة حرب لا تتعجل ذلك؟

بالطبع كان لا بد من رد على العدوان الأمريكي الذي هو بمثابة إعلان حرب ضد السودان والشروع فيها، وما قمنا به ليس سوى رفض لذلك العدوان، وهذا أقل ما يمكن باعتبار أن ذلك هو رد دبلوماسي على عدوان عسكري، هذا بالنسبة لواشنطن التي نفذت العدوان.

أما بالنسبة للحكومة البريطانية، فقد أعلنت عقب العدوان مباشرة دعمها الكامل وغير المشروط للعدوان، وأفادت بعلمها المسبق بالهجوم، ولذا قرر السودان سحب سفيره من لندن ونائبه احتجاجاً على الموقف البريطاني، وطلب من بريطانيا فعل الشيء ذاته، وما حدث لا يعني قطع العلاقات. 

  • تتهمون منظمات الإغاثة الغربية بأنها تمد المتمردين بالسلاح والعتاد، لماذا لا تتخذ الحكومة قرارًا صارمًا ضد هذه المنظمات؟

نحن لا نتهم كل المنظمات الغربية بأنها تمد التمرد بالعون، فهناك منظمات تلتزم فعلًا بدورها الإنساني، وليس لها أجندة سياسية، مثلما أن هناك منظمات لا هم لها سوى التآمر على وحدة السودان واستقلاله ودعم التمرد، والمطلوب الآن أن يكون هناك حضور عربي وإسلامي في جهود الإغاثة بالجنوب لأن مناطق واسعة منه تتعرض للمجاعة إذ إن المحتاجين في تلك المناطق إذا جاعوا أو مرضوا لم يجدوا أمامهم سوى المنظمات الغربية.

  • علاقاتكم بالقاهرة تتأرجح بين الهدوء والتوتر، ولكنها لم تكن حميمة أبدًا بعد مجيء الحكومة الإسلامية في السودان، كيف تُقيِّم هذه العلاقات بين الشقيقتين؟ وما سبل الإصلاح والترميم؟

علاقاتنا بالشقيقة مصر علاقات استراتيجية وتاريخية ومتشعبة، وهي مشحونة بكثير من العوامل العاطفية، ولهذا فهي معرضة دائمًا للصعود والهبوط، وكما يعلم الجميع، فإن هذه العلاقات اعترضها الكثير من العقبات في الفترة الماضية، وأن هناك تصميمًا مشتركًا على تجاوز هذه العقبات والعودة بالعلاقات إلى وضعها الطبيعي، والاتصالات واللقاءات مستمرة مع الأشقاء المصريين نحو هذا الهدف. 

ما آخر المستجدات في مسار العلاقات السودانية- الكويتية؟

أعتقد أن العلاقات السودانية- الكويتية قد خطت خطوات طيبة في طريق العودة بها إلى وضعها الطبيعي، ولعل اللفتة الكريمة من سمو الأمير بقراره إرسال معونات إنسانية للمتضررين من الفيضانات والسيول بالسودان خير تعبير عن ذلك، والاتصالات مستمرة بيننا وبين الأشقاء في دولة الكويت لكل ما فيه مصلحة البلدين.

  • يدور في الساحة السودانية حديث طويل عن مستقبل الحياة السياسية بعد إجازة الدستور، واحتمال عودة الأحزاب والغموض في كلمة التوالي الواردة فيه. 

أعتقد أن ما اعتبره البعض غموضًا في النص الخاص بالتعددية السياسية في الدستور «التوالي السياسي» قد زال الآن بعد الشروحات والتأكيدات التي صدرت من المسؤولين المعنيين ومن السيد رئيس الجمهورية، ونحن مقبلون على تجربة حزبية ستكون منضبطة بثوابت الدستور وبالقانون الذي سيصدر قريبًا لتنظيم تلك الممارسة.

لم يفرق الرئيس عمر البشير بين المعارضة الداخلية مدحًا والمعارضة الخارجية ذمًا، مع أن كلتيهما معارضة للتوجه الإسلامي، وتعملان لإلغاء الشريعة وإقامة حكومة علمانية؟

التفرقة بين المعارضتين الداخلية والخارجية ضرورية، إذ إن الأولى تلتقي مع الحكومة في كثير من الثوابت، لا سيما فيما يتعلق بالحفاظ على استقلال وسيادة البلاد، ورفض التدخل الأجنبي في شؤونها، وليس صحيحًا أن كل المجموعات والشخصيات التي يمكن اعتبارها من المعارضة الداخلية تعارض التوجهات الإسلامية، وتسعى لإلغاء الشريعة وإقامة حكومة علمانية، وعلى أي حال فإن نصوص الدستور الدائم واضحة فيما يخص هذه القضية، وهي ملزمة لكل من يريد ممارسة العمل السياسي في السودان، أما بالنسبة للمعارضة الخارجية فموقفها معروف، فهي لا تسعى فقط لإلغاء الشريعة وإقامة حكم علماني في البلاد، بل تسعى لإقامة ذلك برهن نفسها للأجنبي أمريكيًا كان أم إسرائيليًا، وتسعى للعودة للحكم على ظهر الدبابة الأجنبية.

لم تكتفِ بما فعلته في مصنع الشفاء

أمريكا تهدد بمعاودة قصف السودان وتحمله مسؤولية أي عمل يقع ضدها!

الخرطوم: المجتمع

في الوقت الذي كان السودان يعيش نشوة الدعم الدبلوماسي في أعقاب الغارة الأمريكية وكسب جولة حتى داخل أمريكا نفسها جددت الولايات المتحدة تهديداتها بضرب السودان بصورة غير مباشرة، فقد كشف النقاب عن وثيقة خطيرة سلمها مسؤول أمريكي لمسؤول سوداني وخطورة الوثيقة تكمن في أنها شملت ادعاءات جديدة اتهمت فيها السودان بأنه يؤوي مجموعة من قيادات العنف وادعت الوثيقة أن هذه القيادات تخطط للقيام بضربات جديدة للولايات المتحدة وتحمل السودان كامل المسؤولية لأي خطر يمس مواطنيها في كل دول العالم، وطالبت الوثيقة بإبعاد قيادات العنف أو تسليمهم لأي دولة أخرى. 

الوثيقة المزعومة أصابت القيادة السياسية في السودان بالدهشة من تصرفات أمريكا حيالها وكان أول رد فعل جاء من السيد محمد الحسن الأمين- أمين الدائرة السياسية بالمؤتمر الوطني- الذي يعتبر الحزب الحاكم، حيث دحضت الادعاءات المتضمنة في الوثيقة، وأكد تأكيدًا قاطعًا على عدم وجود أي جماعات عنف، مشيرًا إلى أنهم ذهبوا إلى أفغانستان من زمن بعيد بمحض إرادتهم، ونفى وجود وسائل بالسودان تستخدم ضد أي دولة أخرى سواء أمريكا أو غيرها. وأوضح الأمين الأسباب الحقيقية لعداوة أمريكا للسودان وهي المشروع الإسلامي الحضاري المغاير لحضارة الغرب، واستقلالية القرار السياسي وفشل محاولات إسقاط الحكومة السودانية رغم استمرار الدعم الأمريكي اللامحدود لدول الجوار التي تحكمها أقليات مسيحية تعادي المسلمين.

وجاء رد الفعل الثاني من الشعب السوداني نفسه الذي سير مسيرات بمناسبة مرور شهر على الغارة الأمريكية، حيث ندد بالافتراءات الأمريكية. 

وقد خاطب المسيرة الرئيس عمر البشير ورمزي كلارك وزير العدل الأمريكي الأسبق، وفي خطابه كشف البشير أسرارًا أخرى عن الوثيقة حيث قال إن الإدارة الأمريكية أرسلت رسالة للحكومة دون توقيع أو تحديد الجهة المرسلة تهدد فيها بضرب السودان في حالة وقوع تهديد أو ضرب للمصالح أو المنشآت الأمريكية في أي مكان في العالم، وأكد البشير احتفاظ السودان بحق الرد بقوة على أي هجوم أمريكي آخر على أراضيه دون الرجوع إلى مجلس الأمن الدولي والمنظمات الدولية الأخرى. 

وبالطبع فإن القوى غير متكافئة ولا متقاربة فكيف سيرد السودان على الضربات الأمريكية وهو لا يملك القوة الرادعة؟

الذين يعرفون الرئيس السوداني يعرفون أنه عميق الإيمان بالله سبحانه، ويشعر أن الله معه ما دام هو مع الله، ولذلك فهو يؤكد دائمًا أنه لن يتراجع عن المشروع الإسلامي رغم الإغراءات والترغيب أو التهديدات والترهيب، إنه يؤمن بأنه سالك سبيل الله، فعليه أن يؤدي واجبه كاملًا باذلًا الجهد قدر المستطاع، مستندًا إلى قوته، فإن عصر الخوارق لم يمضِ ما دامت تتم بإرادة الله ومشيئته، فإن الله لن يترك أولياءه لأعدائه. 

وكان كسبًا سياسيًا للسودان أن يخاطب رامزي كلارك وزير العدل السابق السودانيين ويطالب الولايات المتحدة بإرسال لجنة للتحقيق بمصنع الدواء وتعويض المتضررين من الضربة الأمريكية، وإنشاء مصنع جديد للدواء على نفقة أمريكا وفك الحظر الاقتصادي على السودان ووقف الدعم لحركة التمرد.

وقبل أسبوع من هذا كان الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر قد طالب الإدارة الأمريكية بإرسال لجنة تحقيق دولية للبحث فيما إذا كان مصنع الشفاء للأدوية ينتج مواد كيمائية والاعتراف بخطأ القصف، ولكن الإدارة الأمريكية رفضت الطلب وكسبت السودان تأييدًا من منظمة حقوق الإنسان الأمريكية التي أصدرت تقريرًا عبرت فيه عن استيائها من الموقف الأمريكي الرافض لطلب السودان لإرسال بعثة من الأمم المتحدة لتقصي الحقائق، وقالت إن الرفض الأمريكي يعني أن لواشنطن شيئًا تحاول إخفاءه وأن الغارة لم تكن مبررة على الإطلاق، لأن القوانين الأمريكية نفسها تمنع قصف المنشآت المدنية، وطالبت بدورها بتعويض الذين أصيبوا بأضرار من جراء القصف.

الرابط المختصر :