; سياسة «الطرد الغذائي ثم القذيفة» | مجلة المجتمع

العنوان سياسة «الطرد الغذائي ثم القذيفة»

الكاتب المحرر المحلي

تاريخ النشر السبت 28-سبتمبر-2002

مشاهدات 66

نشر في العدد 1520

نشر في الصفحة 25

السبت 28-سبتمبر-2002

  • مشاريع المعونة الأمريكية محاولة مفضوحة لاختراق المجتمع الفلسطيني.

  • مشروع «تمكين» يرصد ۲۳ مليون دولار يتم إنفاقها على رعاية الفنون ويتجاهل علاج الجرحى وحل مشكلات البطالة والفقر.

بينما يقتل الفلسطينيون كل يوم بالأسلحة الأمريكية التي تدعم بها الكيان الصهيوني تواصل الإدارة الأمريكية- وعبر منظمات أمريكية بتسميات مختلفة- سياسة «الطرد الغذائي ثم القذيفة القاتلة»! كما ظهر خلال حربها ضد الشعب الأفغاني الذي قتلته الطائرات الأمريكية التي كانت تلقي الطرود الغذائية.

وتكاد الحالة تكون مشابهة في فلسطين المحتلة وخصوصًا خلال انتفاضة الأقصى. فأمريكا التي تقدم الدعم العسكري والسياسي والاقتصادي للكيان الصهيوني لمحاربة الشعب الفلسطيني تقوم بفتح قنوات دعم مالي مختلفة للشعب الفلسطيني عن طريق منظماتها الرسمية والأهلية التي ثبت بالدليل القاطع أنها لا تقدم أي مساعدة حقيقية للشعب الفلسطيني، سوى أنها تصب في جيوب بعض المنظمات الأهلية الفلسطينية التي تلتزم بالشروط المرفقة مع هذا الدعم، وهي شروط خاضعة للأهداف الأمريكية الخبيثة المرتبطة بالتطبيع ومحو الذاكرة الفلسطينية مثل برنامج «بذور السلام» واختراق الأسرة من خلال المرأة الفلسطينية دون أي رقيب وحتى بدون إذن السلطة الفلسطينية التي وافقت في النهاية مرغمة.

وعلى سبيل المثال: فقد وافقت الوكالة الأمريكية للتنمية (USAID) على ٣٣ مشروعًا مقدمة من المنظمات الأهلية في الضفة الغربية وقطاع غزة ضمن مشروع «تمكين» رغم الخلاف الذي كان قائمًا بين الوكالة الأمريكية ووزارة شؤون العمل الأهلي (قبل إلغائها)؛ حيث تجاوز مشروع «تمكين» الوزارة وقام بتنفيذ المرحلة الأولى من المشروع رغم التحفظات التي أبداها حسن عصفور وزير شؤون المنظمات الأهلية «السابق» منذ بداية الإعلان عن المشروع قبل نحو عامين، واعتبر الوزير عصفور- في رسالة بعث بها إلى مدير المشروع في ذلك الوقت- أن الخطوات التي قطعها مشروع «تمكين»، وبدأ الشروع بتنفيذ مراحلها هي بمثابة أنشطة خارجة عن القانون وتنتهك السيادة الفلسطينية ويجب أن يتم العدول عنها وإلغاؤها فورًا. ورغم ذلك تواصل عمل المنظمة حتى اليوم بل تم تفعيله في ظل انتفاضة الأقصى ليتأكد شعار الأمريكيين «اقتل وادعم»!

من رواسب السلام

على أية حال فقصة «مشاريع الدعم» ليست جديدة، وقد تم الإنفاق على الدعم الأمريكي من خلال الوكالة الأمريكية للتنمية بتوقيع اتفاقية واي ريفر في عام ۱۹۹۸ وجاء مشروع تمكين، لتنفيذ أوجه هذا الدعم. 

إلا أن المشروع مرتبط بالسياسة الأمريكية التي تركز على قضايا الديمقراطية والمجتمع المدني، ولم تأخذ بعين الاعتبار الأولويات الفلسطينية أو خطة التنمية، كما لم تشارك المنظمات الأهلية الفلسطينية في تحديد احتياجات المجتمع الفلسطيني، خصوصًا في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها الشعب الفلسطيني حاليًا في انتفاضة الأقصى. وقد تم رصد 3٣ مليون دولار ميزانية المشروع على مدار 3 سنوات وتشمل ۳ مراحل نفذ منها على الأقل مرحلتان؛ إلا أن مصادر المنظمات الأهلية تؤكد أنه تم اتباع طريقة جديدة من قبل (USAID) في تنفيذ المشروع، حيث يتم طرحه كعطاء على شركة «إيكنوميك» الأمريكية الربحية وتصل مصاريف المشروع الإدارية إلى ما يزيد على 25٪ من ميزانية المشروع وهي نسبة عالية جدًا سوف تحسب في النهاية على أنها وصلت كدعم للشعب الفلسطيني، في حين أنها ستذهب كأرباح للشركة الأمريكية. 

وفي هذا الصدد قال نعيم أبو عنزة القائم بأعمال مدير عام وزارة شؤون المنظمات الأهلية إنه لم يتم إبلاغ الوزارة بأي شيء حول المشروع، ثم جاء تحفظ الوزارة على مضمون المشاريع المنوي دعمها إذ إنه من الطبيعي أن تهتم مؤسسة تقوم بدعم شعبنا وعليها الأخذ بعين الاعتبار احتياجات وأولويات التنمية لدينا لا أولويات الدعم حسب وجهة نظر الدولة الداعمة.

وأشار أبو عنزة إلى أنه من الغريب المصادقة على مشاريع قدمت من المنظمات الأهلية، 37٪ منها تهتم بقضايا الديمقراطية، في حين يعيش الشعب الفلسطيني في حالة طوارئ! وقال: ليس من المنطقي التركيز على دعم مشروع يهتم بالفنون في حين لدينا جرحى ومعاقون بحاجة لعلاج وتأهيل، وبطالة متفاقمة وفقر.

وأضاف: للأسف هناك منظمات تقدمت للمشروع لم نسمع اسمها من قبل حتى إننا لا نعرف لها رقم هاتف وهي تشكلت فقط من أجل الحصول على دعم من مشروع «تمكين».

من جانبه قال د. عبد الكريم عاشور مدير جمعية الإغاثة الزراعية وعضو مجلس شبكة المنظمات الأهلية «إن هناك أولويات لمجتمعنا الفلسطيني وإذا كانت مؤسسة التنمية الأمريكية تتحدث عن قضايا الديمقراطية؛ فإن أساس الديمقراطية مشاركة المجتمع المحلي في تسيير أموره».

وحول التحفظات على إدارة المشروع أشار عاشور إلى أن مصاريفه العالية تمر عبر شركات ربحية أمريكية بعد أن رسا عليها العطاء وهي طريقة جديدة حيث كانت مؤسسات فلسطينية في السابق تدير المشروع، وأضاف: تزيد المصاريف الإدارية للمشروع على 25٪ في حين أنه إذا كان الحديث عن الديمقراطية والمجتمع المدني فالمفترض أن يتم إشراك المؤسسات الصغيرة التي يجب البدء من عندها في هذا الموضوع في حين أن «تمكين» تجاهلها. 

بعيدة عن أولويات المجتمع

على أية حال فإن المشاريع التي تمت المصادقة عليها لدعمها من قبل تمكين، لا تلبي احتياجات المجتمع الفلسطيني خصوصًا في ظل الأوضاع الصعبة التي يعيشها شعبنا الفلسطيني. وفي إحصاء لبرامج المشاريع المصادق عليها في الضفة الغربية وقطاع غزة يظهر التالي: 

  • 9 مشاريع تتناول موضوع الديمقراطية بواقع 36٪ من نسبة المشاريع بميزانية 37.1٪من ميزانية المشروع. 

  • 8 مشاريع تعنى بقطاع التعليم بواقع 28٪ من نسبة المشاريع تستحوذ على ٣١٪ من ميزانية المشروع. 

  • مشروعان للمياه والبيئة بواقع 8٪ من المشاريع و 9٪ من ميزانية المشروع. 

  •  7 مشاريع للتثقيف الصحي بواقع 28٪ من المشاريع المقدمة و22٪ من ميزانية المشروع. 

هذا بالإضافة إلى الاهتمام بدعم مشاريع الرفاه الاجتماعي والمرأة والطفل ثم الزراعة والصحة والبيئة، في حين قدرت مصادر مطلعة أن المصاريف الإدارية للمشروع تصل إلى ٢١ مليون دولار ستجنيها الشركات الأمريكية باسم دعم الشعب الفلسطيني، بالإضافة إلى أن الآلية المتبعة من قبل إدارة المشروع في تقديم الأموال جديدة تعتمد على قيام المؤسسة بالصرف على برامجها لمدة ٣ شهور بعدها يتم تقديم الفواتير لإدارة «تمكين» لتقديم بدل الأموال التي تم صرفها وتسديدها أي أنه يجب أن يكون لدى المؤسسة المتقدمة للمشروع رأس مال تعتمد عليه في البداية وهو شكل يشبه المشاريع الاستثمارية.

كما أن المشاريع المصادق عليها تنتهي بانتهاء التمويل، في حين أن المجتمع الفلسطيني بحاجة إلى مشاريع تشغيلية في ظل الوضع الراهن تحت الإغلاق والحصار.

مشاريع تطبيع وسقوط

الدعم الأمريكي الذي يقدم باسم الشعب الفلسطيني وتحاسب عليه السلطة وتبتز أيضًا لا يصل دائمًا لأيد فلسطينية فى كثير من الأحيان فقد تم الكشف عن أن العديد من المبالغ التي تصرف باسم الشعب الفلسطيني تصل إلى مركز بيريز للسلام على سبيل المثال لتنفيذ مشاريع في إطار التطبيع والسلام.

وقد تكشف في الآونة الأخيرة الدور الخبيث الذي يقوم به مركز بيريز للسلام في تل أبيب، حيث تبين أنه يتبنى مشروعًا تطبيعيًا من نوع خاص تموله أيضًا حكومة النرويج، وتدعمه وترعاه الولايات المتحدة الأمريكية، يقوم المشروع على تنظيم لقاءات مستمرة تجمع بين الفتيات والفتيان الصغار العرب والصهاينة والأمريكيين بغرض زرع بذور السلام فيما بينهم باعتبارهم يمثلون صورة المستقبل الذي يخطط له من الآن. مشروع السلام بدأ عام ۱۹۹۳ على يد صحفي أمريكي يدعى جون والتش الذي أطلق الفكرة وأعلن أن هدفها تهيئة الأجيال العربية القادمة للتطبيع مع إسرائيل ولقبول التعايش السلمي مع شعبها اليهودي، وذلك بتنظيم معسكرات يلتقي فيها الجميع ويمارسون أنشطة مشتركة. وقد استمر المشروع حتى فترة قريبة وما زالت هناك محاولات لمواصلته حتى في ظل انتفاضة الأقصى. 

ولم تقتصر أخطار مشاريع الدعم الأمريكية على التطبيع بل استغلت العديد من البرامج في جمع المعلومات والأنشطة الاستخبارية حول المجتمع الفلسطيني ومنها على سبيل المثال مؤسسات الدراسات واستطلاع الرأي والتي تنفذ بدعم أمريكي استطلاعات دورية شبه شهرية ويشترط أن تقدم هذه الاستطلاعات دون إجراء أي تعديل للمنظمة الأمريكية.

كما رفض قسم التاريخ الشفوي بالجامعة الإسلامية بغزة قبول دعم مُغرٍ من منظمة أمريكية مقابل تنفيذ مسوح ودراسات للذاكرة والتاريخ الفلسطيني وتوثيق المجازر التي تعرض لها الشعب الفلسطيني على مدار تاريخه بحيث تتسلم المنظمة المواد الأولية للأبحاث والدراسات كاملة دون مشاركة بحثية فلسطينية لاستخلاص النتائج وتوثيق المعلومات ويكون للمنظمة الحق في التصرف بهذه الدراسات والمعلومات وإلى جانب الاستغلال المادي وسعي الإسرائيليين لاختراق المجتمع الفلسطيني من خلال مشاريع الدعم الأمريكي، فقد دلت التحقيقات مع عملاء فلسطينيين أن أجهزة الأمن الصهيونية تستغل هذه المنظمات ومشاريعها في عمليات توريط وربط الفلسطينيين وأحد هؤلاء العميل أكرم الزطمة الذي كان وراء مجزرة حي الدرج بغزة التي قتل فيها ١٥ فلسطينيًا من بينهم قائد كتائب القسام بعد أن قصف الصهاينة الحي بطائرات أمريكية وبمساعدة عميل تم ربطه من خلال موظف ادعى أنه يعمل في إحدى المنظمات الداعمة للشعب الفلسطيني.

يذكر أن المنظمات الأمريكية تشترط للموافقة على مشاريع للمنظمات الأهلية مشاركة العنصر النسائي وتمثيله في أي مشروع! كما أن العديد من المشاريع يركز على القروض النسوية وهو الأمر الذي يثير علامات استفهام حول الهدف من الاهتمام (الأمريكي والغربي) بمشاركة المرأة الفلسطينية وتمويل مشاريع تخصها على شكل قروض تستوجب سدادها وأحيانًا بفوائد. 

منظمات أمريكية يهودية مسيحية: ومن خلال متابعة السلم الإداري وهوية معظم المنظمات الأمريكية التي تعمل في مجال الدعم وتقديم المساعدات المختلفة فإنه يلاحظ أن من يقف على رأس إداراتها من اليهود أو ذوي هوية عقائدية مسيحية. 

ويمكن استعراض أبرز المنظمات الأمريكية التي تعمل في فلسطين المحتلة على النحو التالي:

  • المساعدات التي تقدمها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) وهي جزء من برنامجها المعروف باسم (تطوير الخدمات المجتمعية في الضفة الغربية وغزة) وقيمته ۷۰ مليون دولار قامت الوكالة بتخصيصها لتطوير التجمعات السكانية الريفية من خلال مؤسسات أهلية فلسطينية، مع الإشارة إلى أن العديد من الجهات الفلسطينية أكد أن هذه المشاريع لا تتوافق مع خطة التنمية الفلسطينية المقترحة.

  • مؤسسة الخدمات التعليمية والتدريسية الأمريكية الشرق أوسطية (AMIDESAT)  والتي تشجع التفاهم بين الأمريكيين وشعوب الشرق الأوسط وفي الضفة والغربية وقطاع غزة تقوم بالتعليم والتدريب والتنمية) من خلال مشروع (تطوير موارد بشري).

  • اللجنة الأمريكية لخدمة الأصدقاء (AFSC) وتعمل في الضفة والقطاع بالمشاركة مع منظمات الشباب وتقوم بتدريب العاملين في المنظمات الأهلية وهدفها تسهيل إقامة الشبكات وعرض نماذج من البرامج الشبابية.

  • الخدمات الأمريكية اليهودية العالمية (AJWS) وتدعي المساهمة في حل مشاكل الفقر والجوع في العالم النامي من خلال دعم المنظمات الأهلية، وفي قطاع غزة تقدم قروضًا للمشروعات النسائية.

  • المنظمة الأمريكية لمساعدة لاجئي الشرق الأدنى (ANERA) تأسست عام ١٩٦١ وبدأت تقديم الدعم للاجئين الفلسطينيين بعد عام ٦٧ في الضفة والقطاع من خلال مشاريع الائتمان الزراعي وبرامج قروض نسوية. 

  • خدمات الإغاثة الكاثوليكية أنشئت بواسطة المطارنة الكاثوليك في الولايات المتحدة عام ١٩٤٣ لمساعدة ضحايا الحرب العالمية الثانية وفي الضفة الغربية وقطاع غزة تدعي المنظمة مساهمتها في برامج التنمية من خلال توفير مساعدات مالية وتدريب فني في مشاريع تتعلق بالصحة والخدمات الاجتماعية بالإضافة إلى مبادرات (سلام ومصالحة).

هذا بالإضافة إلى العديد من المنظمات الأمريكية التي تقدم دعمًا لمشاريع سريعة تخص قضايا السلام والديموقراطية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني. 

وفي الوقت الراهن ينشط مشروع جديد باسم (رفيد) وهو مشروع مدته سنتان مخصص للاحتياجات الملحة للفلسطينيين، وقد جرى تصميمه مع بداية انتفاضة الأقصى وهو مشروع ممول من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) ومهمة المشروع حسب ادعاء القائمين عليه تقديم برنامج من المنح السرية للاحتياجات الملحة عن طريق المنظمات الأهلية وما خفي كان أعظم.

زهور تنفجر لتحيي الأمة

أطفال العالم ينفجرون إما بكاء لأنهم أرادوا لعبة لم يحضرها لهم الآباء أو أرادوا أن يخرجوا معهم إلى مكان ما فرفضوا أو ضحكًا لهدية أعجبتهم، أو لنزهة يمرحون ويلعبون فيها، أو أشياء من هذا القبيل. لكن زهرتنا تختلف كثيرًا عن باقي الأطفال.. لماذا يا زهرة؟ قالت: كنت في السادسة من عمري عندما رأيت أبي يخر شهيدًا برصاصة حقد صهيونية، وهو ذاهب إلى عمله، صرخت وانفجرت باكية، لكن أمي قالت لي: لا تبكي زهرة، وكوني شجاعة صامدة كزهرة المدائن «القدس»، فكم بغى وطغى عليها الأعداء، وأرادوا تدنيسها ومحو معالمها، لكنها ظلت صامدة في وجه كل المعتدين، وستظل مقدسة وستعود لنا إن شاء الله بالصبر والصمود والعزيمة التي لا تلين.

ومرت الأيام وزهرة ترى بعينيها تشريدًا وقتلًا وسجنًا وتعذيبًا لإخوانها وجيرانها على يد كيان صهيوني كالجرثومة زرع في أرض فلسطين حصار وحواجز، لكن ذلك لم يقل من عزيمة الأهل الصامدين في فلسطين. مرضت أمها فأرادت زهرة أن تنقلها إلى المستشفى، لكن العدو أوقفها عند الحاجز، تتألم الأم بشدة وتشد على يد زهرة الصارخة في وجه العدو الغاشم أن يسمح لهما ولغيرهما بالمرور، لكن عدو الإنسانية لم يحرك ساكنًا، لفظت الأم أنفاسها الأخيرة ويدها تشد على يد زهرة ألا تبكي. بلل الدمع المنهمر من عيني زهرة حزنًا وألمًا وجه الأم المبتسم والمشع نورًا بعد أن فاضت روحها إلى بارئها. وتذكرت عهدها لأمها ألا تنفجر بالبكاء فتحجر الدمع في عينيها صبرًا وصمودًا. طلب منها ابن عمها وخطيبها الذي تحبه أن تبكي وألا تكبت مشاعرها، لكن زهرة قالت له: لقد عاهدت أمي أن أكون صابرة صامدة. 

ومرت الأيام وحان زفاف زهرة على ابن عمها وحدد يوم الخميس لذلك، بدأت زهرة تعد جهازها مثل كل عروس وفي يوم الإثنين سمعت زهرة ضجة ماذا حدث؟ قالوا: لقد استشهد خطيبك قالت: كيف؟ قالوا: ذهب لينقذ طفلًا مصابًا برصاصة قناص صهيوني في عينيه عند الحاجز، فمنعه العدو من إنقاذه لكن نداء الطفل الصارخ ألمًا ونداء الواجب لم يمنعا الطبيب من إحضار الطفل. فإذا بالقناص يرميه برصاصة حقد في قلبه فسقط شهيدًا هو والطفل.

دمعت عينا زهرة حزنًا، لكن لم تنفجر بكاء وقالت: موعدي يوم الخميس، ظنوها تهذي من هول الصدمة فقالوا لها ابكي يا زهرة قالت عرسي يوم الخميس. وفي فجر يوم الخميس انفجرت زهرة في قلب القدس الغربية في وسط جمع من الصهاينة، وتناثر جسدها الطاهر وتطاير شذا دمها العطر برائحة المسك تاركة وراءها رسالة قالت فيها: «اليوم موعدي كي أنفجر ليس ككل أطفال العالم ضحكًا أو بكاء لا، ولكن نارًا تحرق محتلًا عنصريًا جاثمًا على صدور أطفال فلسطين الذين يئنون من وطأته وظلمه على مرأى ومسمع من العالم المتحيز لظلم المحتل الغاصب لأرضنا القاتل لأهلنا سيقول العالم إني إرهابية قتلت مدنيين أبرياء. وهل كان أبي وأمي وخطيبي وأطفال ونساء وشيوخ فلسطين الحبيبة إلا مدنيين أبرياء على أرضهم يعيشون فبأي ذنب يقتلون؟ سيقولون: انتحرت يأسًا، بل استشهدت حبًا لحياة الكرماء الشرفاء فالشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، ودفاعًا عن أهلي ووطني وثأرًا لآبائي وإخواني، فجسدي هو قنبلتي التي أملكها، وسلاحي الوحيد الذي أدافع به ضد ظلم المحتل، وظلم العالم المتفرج على ويلات الفلسطينيين وآلامهم وأنذر الأعداء بزهور يافعة على درب الشهادة سائرة لتحرير أرضها الطاهرة من قطعان اليهود الغادرة ولتحيي أمة غافلة عن واجبها متخاذلة وللغرب مستسلمة فيا شعوبنا الأبية: أصبروا وصابروا ورابطوا فإما النصر وإما الشهادة .

كاميليا محمد السعيد               

الرابط المختصر :