; سياحة قسرية: في رحاب الوطن المحتل (صورة طبق الأصل) | مجلة المجتمع

العنوان سياحة قسرية: في رحاب الوطن المحتل (صورة طبق الأصل)

الكاتب عزام التميمي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-أغسطس-1994

مشاهدات 57

نشر في العدد 1112

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 16-أغسطس-1994

·       مع علمي الأكيد بأن السلام هراء ومهزلة ستعود على الناس بالخيبة، وأنه لا طريق غير الجهاد، زادتني رؤية المقهورين في ساحة السجن قناعة بهذه الحقيقة.

كما يورث المال والمتاع، يورث الألم جيلًا بعد جيل في فلسطين، ويحمل الأبناء وأبناؤهم ثم الأحفاد من بعدهم هم القضية، وكلهم أمل في أنها يومًا ستحسم لصالح الحق والعدل؛ الحق والعدل بميزان السماء لا بميزان من تمردوا على خالق الأرض والسماء. وتشهد أرض فلسطين في تاريخ نضالها الطويل عامًا بعد عام ملاحم أسطورية من الجهاد والثبات تذكر بملاحم الأبطال الذين أثمر جهادهم نشر السلام وإقامة العدل في بقاع الدنيا. وقد وصلتني قريبًا رسالة من صامدة خليلية، تحكي قصة معاناة يومية ليست فريدة من نوعها، وليست ممارسة خاصة بفرد أو بأسرة، وإنما هي نموذج لمعاناة كل الأسر الفلسطينية الصامدة على تراب الأقصى وما قد بارك الله من حوله، ليس منذ الأمس القريب، بل منذ بدأت المؤامرة على مسرى الرسول صلى الله عليه وسلم ومهد النبيين قبل قرن تقريبًا من الزمان. كتبت الخليلية إليَّ تقول:

أريد أن أحدثكم عن يوم أربعاء من أحد «الأربعاءات»، ذلك اليوم كانت هناك زيارة للأخ «فرج» فرَّج الله كربه هو و«ناصر» وكل الشباب.. الزيارة مقررة لسجن عسقلان فقد أفاد الصليب الأحمر أنه هناك. وفي الساعة 5 من صباح ذلك اليوم كنا جاهزين، وأوصلنا عباس «زوجي» بسيارته إلى مقر الصليب الأحمر في الخليل أنا وزوجة عمي أحمد «جدة كل من فرج وناصر»، واصطحبت معي ابنتي بدور وابني سالم، واصطحبت هي معها حفيدها همام.

وأمام مقر الصليب الأحمر كان ينتظر «باص» صعدنا إليه، فهذا هو «الباص» الذي سيتجه إلى عسقلان، ولم يكن معنا في الباص سوى امرأة أخرى معها طفلان هما حفيداها، وهذه هي السنة الـ 24 التي تزور فيها زوجها جد الطفلين، فهو سجين قديم جدًّا. وكانت زوجة عمي أحمد تزور معها أبا ناصر «والد المعتقلين فرج وناصر الذي كان معتقلًا منذ عام 1968م إلى 1972م حين أفرج عنه في تبادل أسرى»، تصوروا!! وعندما سجن زوجها كان عمر ابنها أبي الولدين اللذين معها 7 سنوات، 24 سنة وهي في رحلات العذاب وزوجها خلف قضبان السجون من شمال البلاد إلى جنوبها، ولكن هي تحمد الله وتقول إن الفرج قريب.. آتٍ إن شاء الله.. لأنه لم يتبق من مدة محكومية زوجها سوى 6 سنوات.. «تصوروا».

أخذنا أماكننا في «الباص»، وانتظرنا حتى يأتي ركاب آخرون، ولكن «الباص» الآخر سيتجه إلى معتقل النقب فتحرك قبلنا، ولما لم يأتِ أحد قال السائق: يا أخواتي التعليمات التي معي تفرض علي أن أتجه إلى القدس ورام الله أولاً لنأخذ ركابًا من هناك. الأمر لله.. توكل على الله.

إلى القدس ورام الله، وهذا يعني أننا سنقطع ضعف المسافة حتى نصل إلى عسقلان. تحرك الباص إلى القدس، وطبعًا القدس عليها طوق أمني، فكان علينا الانتظار على حاجز عسكري على مدخل القدس ليفتش الجنود على الهويات وتصاريح الزيارة ويتأكد أن الصليب الأحمر استأجر هذا الباص، وكان الانتظار صعبًا والقلق والخوف من التأخير عن موعد الزيارة أكثر صعوبة. الله يسهل.

مررنا عبر الحاجز، وفي القدس ظل السائق يدخل إلى شارع ويخرج من آخر، وينتظر هنا قليلًا وهناك كثيرًا، وعبثًا لم يجد أحدًا في انتظاره سوى امرأتين تنتظران «باص» الصليب الأحمر المتجه إلى الخليل لأن السجين الذي تريدان زيارته في سجن الخليل.. نعم فأهل نابلس يسجنون في الخليل والنقب، وأهل الخليل يسجنون في نابلس ورام الله والنقب وعسقلان. وهكذا تنظم حكومة الاحتلال رحلات سياحية منظمة لأهالي السجناء.

تركنا القدس متجهين إلى رام الله على أمل أن نجد ركابًا إلى سجن عسقلان، ولكن عبثًا حاول السائق أن يهتدي إلى الركاب أو يعرف مكان انتظارهم، وكان الخوف من التأخير عن موعد الزيارة يزداد، والملل يسيطر علينا ونحن ننتظر. وبعد الانتظار فوجئنا بالسائق يقول: «يا أخوات لا أستطيع المتابعة إلى عسقلان إلا بعد أن أتصل هاتفيًا بالصليب الأحمر في الخليل لآخذ الموافقة؛ لأنه لا يوجد بالباص ركاب سوى لسجينين، وربما يطلب منا العودة إلى الخليل وإلغاء السفر إلى عسقلان»، ولم يكن منا إلا أن تمنينا على الله أن يهدي جماعة الصليب الأحمر ويعطوا السائق ضوءًا أخضر لكي يستمر في رحلته.

وفي الباص وخلال مغادرة السائق للاتصال وزعنا على بعضنا الساندويشات وأكلنا، فلم نكن قد تناولنا طعام الإفطار. وعلت البسمة وجه السائق حين قال: «اطمئنوا سنكمل إلى عسقلان». الحمد لله.. ولكن أسرع يا أخي فنحن نريد أن نصل قبل انتهاء موعد الزيارة.. ومن رام الله عبر طريق اللطرون، سرنا إلى عسقلان.

الله أكبر، الله أكبر، ما هذه المساحات الشاسعة؟ ما هذه المزارع الخضراء؟ على مد البصر ترى مزارع القطن، وزهرة الشمس والبامية، وباقي المزروعات.. هذه الجنة كيف راحت من أيدينا؟ هذا الجمال الأخاذ كيف بقدرة قادر صار تحت سيطرة هؤلاء الناس؟ أراذل الخلق.. مئات العمال العرب يشتغلون خدمًا في أراضيهم تحت إمرة الاحتلال وسيطرة اليهود.

الله أكبر.. قرابة الساعة والنصف و«الباص» يطوي المسافات ونحن مذهولون من مشاهدة هذا الجمال وهذه الروعة عن يميننا وعن يسارنا حتى وصلنا إلى هذه «العسقلان» أو «أشكلون»، وتوقف «الباص» في منطقة صناعية، ومقابل هذه المنطقة المليئة بالمصانع.. بضجيجها وجوها الملوث يوجد السجن.. غادرنا «الباص»، وأخذت زوجة عمي أحمد هويتي وأسرعت لتسجل للزيارة.. ويا الله ما كان أكثر الناس، فالطابور عندما تراه يخيل إليك من طوله أن الدور لن يصلك قبل أيام، وعدد الزائرين من غزة كبير جدًا بحيث يخيل إليك أنه لم يتبقَّ أحد في غزة فكلهم هنا في سجن عسقلان.

ومكان الانتظار ساحة رملية الأرض أو حتى ترابية، وهي محاطة بسلك شائك، وفي هذه الساحة توجد قدور كبيرة من الألمنيوم ليضع الناس حاجياتهم فيها، وطبعًا لا توجد مقاعد في هذه الساحة فنحن هنا من الأرض وإليها، والناس الذين يفترشون التراب كان منهم من يأكل ومنهم من يشرب العصير أو الكولا، وطبعًا علبة الكولا سعرها 2.5 شيكل، بينما في الأماكن الأخرى سعرها شيكل واحد فقط.

وفي داخل المبنى المخصص للتسجيل توجد بعض المقاعد التي لا تتسع إلا لأقل من عشر الموجودين، والطابور على شباك التسجيل طويل جدًا، ولكن الله إن شاء ففرجه قريب. ظللت أجلس فترة مع الأولاد ثم أدخل لأرى أين وصلت العجوز المسكينة لأراها ما زالت في آخر الطابور.. ولا بد أنها تستعيد الذكريات.. فهنا في نفس هذا المكان كانت تأتي لتقف نفس الوقفة لتزور أبا ناصر قبل ما يقرب من ربع قرن، والتاريخ يعيد نفسه تحت نير الاحتلال، فالأحفاد يساعدون الجدة على التذكر، ويا لها من ذكريات.

وزوجة عمي كانت قد أصيبت قبل شهر من تاريخ هذه الزيارة بجلطة خفيفة على الدماغ لكن الله لطف بها، ولكنها ليست كعادتها فهي ما زالت تحت تأثير تلك الجلطة، ويبدو أنها تعبت وخانتها الأقدام، فلم تستطع الاستمرار في الوقوف.. يا الله.. لقد انهارت وارتمت على الأرض. «سلامتك يا زوجة عمي.. مالك؟».

تداعى الشباب من حولها وقد أشفقوا عليها، وتعالت صيحاتهم.. «يا شباب عدُّوا هالعجوز، يا شباب يا صبايا مرقوها للشباك». الحمد لله، هذا هو شعبنا، وهذه هي نخوة أهل بلدنا.. الحمد لله، أصبحت زوجة عمي أمام الشباك مباشرة.. وما زلت أنا أروح إلى الأولاد وأعود لأرى ماذا حدث معها.. يا ربي تسهل الأمور.. يا ربي اكتب لنا زيارة فرج.

لقد تأخرت أكثر من ساعة وهي أمام الشباك وسالم يسأل «وقتيش بتيجي ستي»؟ متى سندخل؟ وفي حالة من الملل وتحت حرارة الشمس الحارقة والغبار الذي يثيره الناس وهم يتحركون في الساحة صار الموقف غير محتمل.. وبنظرة إلى الناس تجد العجائز من النساء والصبايا والأطفال والشيوخ من الرجال والشباب والكل يتأفف ويلعن الذي فعل ذلك بهم.. فهذا العذاب والمرار والألم المشترك متى سينتهي يا رب؟

آه.. الحمد لله، لقد أطلت زوجة عمي، وهرعت إليها مسرعة. «ها.. خير إن شاء الله.. هل سجلت؟». مدت يدها لتعطيني هويتي والتقطت أنفاسها وهي تقول: «فرج مش هون»، وصعقت: «كيف مش هون.. أين هو إذًا؟». فقالت: «يقولون إنه في الخليل.. نعم في الخليل.. يا حبيبي».

الصليب الأحمر قال: فرج في عسقلان.. وسلطات معتقل عسقلان تقول: فرج في الخليل.. وبعدين؟ ولا قبلين هيا ننتظر في «الباص» حتى تزور المرأة التي معنا زوجها. عدنا إلى الباص، وشعور من خيبة الأمل واليأس والمرارة يسيطر علينا.. والأطفال أصابهم شعور بالإحباط والقهر.. ولكن المؤمن دائمًا في حالة شكر لله، فالحمد لله على كل حال.

أما السائق فتحدث إلى ضابط يهودي وشرح له الوضع محاولًا إقناعه باسم «الصليب الأحمر» بأن يعجل بزيارة المرأة التي ترافقنا.. وبعد انتظار ساعة دخلت المرأة لتزور زوجها المصلوب خلف قضبان السجن منذ 24 سنة دخلت هي وحفيداها.. وظللنا ننتظر.. وظلت عيوننا تحملق باتجاه باب الخروج من السجن.. والناس يخرجون دفعات الواحدة تلو الأخرى.. وعلى وجوههم ابتسامة الفرح باللقاء، لقاء الأحبة، وفي أيديهم لوحات فنية ومجسمات للأقصى وقبة الصخرة المشرفة، وبعض الأعمال الفنية من الخرز والخشب؛ هذه الأعمال تعلمها المساجين ويشتغلونها ليقدموها هدية لزوارهم.

هذه الحكومة رائعة، وهذا الاحتلال ليس مقيتًا لدرجة كبيرة، فهو ينظم رحلات سياحية لأهالينا ليتعرفوا على المعتقلات المتناثرة في أرجاء وطننا المغتصب والمستباح، وهو أيضًا ينمي مواهب شبابنا المعتقلين، فهو لا يضيع عمرهم هباء منثورًا، ولكنهم يتعلمون الفن والطبيخ في السجن.. الحمد لله. كل هذه الأفكار تدور بخلدي وأنا أحملق في الناس أنتظر المرأة التي معنا.. هذه الزوجة أفكر في أحوالها.. 24 سنة! الله أكبر.. كيف عاشت؟ كيف قاومت قسوة الحياة في ظل الاحتلال؟ ثم زوجها ماذا كان يفعل طوال 24 سنة خلف القضبان؟ يعد الساعات والأيام والليالي ينتظر الزيارة تلو الزيارة.. كبر أطفاله وهو في السجن فأصبحوا شبابًا وتزوجوا وأنجبوا وهو «مكانك سر».. الله أكبر.. هاه.. الحمد لله جاءت المرأة..

«كيف زوجك يا خالة؟». «الحمد لله إنه بخير.. والله ما رضيت أنتظر حتى نهاية الزيارة حتى لا تملوا الانتظار.. اللي قاعد نصف ساعة واللي قاعد ساعة واحدة واحد»، هذا هو منطقها.. الفرج قريب.. بعد أسبوعين تعود لزيارته، وبعد 6 سنوات سيخرج من السجن.. الحمد لله.

وعدنا والعود أحمد.. عدنا نجر أذيال الخيبة وعلى وجوهنا علامات القهر والذل.. أنزلنا «الباص» أمام دكان عباس، وما إن رآنا هو ومعتصم «أخوه» حتى استبشروا وقاما قائلين: «هاه كيف حاله؟ إن شاء الله بخير؟»، وبسرعة اختفى البشر وتبخرت اللهفة على أخبار فرج فقد عرفا أنه ليس في عسقلان.

هذه هي رحلة العذاب.. وأنا سافرت في هذه الرحلة مرة واحدة.. وأعجب كيف ومن أين للناس بقوة الاحتمال خلال سنوات عديدة مريرة من الفراق والعذاب والألم والتنقل بين السجون من شمال البلاد إلى جنوبها؟ هذا الشعب شعب مقهور مغلوب على أمره.. هل يمكن لهذا السلام الذي يزعمون أن يحمل لهؤلاء السذج المساكين بعض الفرج؟

مع علمي الأكيد ومعرفتي وإيماني بل ويقيني بأن هراء السلام مهزلة ستعود على الناس بالخيبة واليأس.. ومع علمي الأكيد بأن الاتجاه إلى الله والجهاد في سبيله هو الحق وهو الطريق إلى النصر، إلا أنني عندما رأيت الناس في ساحة السجن مثل قطعان الماشية ينتظرون ويكاد ملل الانتظار يفتك بهم، يتزاحمون ومشدودة أعصابهم، مقهورون مقموعون. تعرفون أن الناس هنا، وحتى البسطاء منهم، لو قابلت أي شخص في الشارع وسألته عن هذا السلام فإنه يقول ببساطة «مفيش سلام.. هي مخططات بدها تمشي برضانا أو بدون رضانا وهم سموا هذه المخططات «سلام».

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل