العنوان سياحة القلب المؤمن (403)
الكاتب الشيخ عبد التواب هيكل
تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-1978
مشاهدات 77
نشر في العدد 403
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 11-يوليو-1978
تابع سلسلة نور من النور في رحاب القرآن (الحلقة السادسة)
الحمد لله أحل لعباده الطيبات، وحرم عليهم الخبائث، والصلاة والسلام على نبينا محمد- صلى الله عليه وسلم- وعلى آله وصحبه: أيها القارئ الكريم: نرحب بك في رحاب القرآن العظيم، ونحييك بتحية الله المباركة الطيبة، فسلام الله عليك ورحمته وبركاته، وبعد: فإليك الحلقة السابعة من سلسلة نور من النور وبالله التوفيق :
﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مِاْئَةَ جَلۡدَةٖۖ وَلَا تَأۡخُذۡكُم بِهِمَا رَأۡفَةٞ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ وَلۡيَشۡهَدۡ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوۡ مُشۡرِكَةٗ وَٱلزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَآ إِلَّا زَانٍ أَوۡ مُشۡرِكٞۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ (النور: 2- 3).
عناية الله تعالى بحفظ الأعراض
تحدثنا- أيها السادة- في الحلقة السابقة عن نظرة الشريعة الإسلامية إلى جرائم الحدود، وعنايتها بوقاية الأمة من جميع الجرائم الخلقية، وخاصة جريمة الزنا وما تجره على المجتمع الإنساني من البلاء والأوباء.
وفي هذه الحلقة نتابع الحديث عن عناية الله- تعالى- بحفظ الأعراض فنقول: إن الشريعة الإسلامية أولت الأعراض عنايتها، فرتبت لها الجزاءات الرادعة في الدنيا لكل من ينتهكها، وقد مر ذكر هذه الجزاءات في الحلقات السابقة فلا ضرورة لإعادتها، وهي كرمز لهول العقوبة في الآخرة على هذه الجريمة الشنيعة، إِلَّا مَن تَابَ ﴿وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَئَِّاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾.
شناعة عمل قوم لوط
وهناك جريمة قذرة شاعت- للأسف الشديد- بين رجال وشباب ينتسبون إلى الشريعة الإسلامية المطهرة، وهي لا تقل رجسًا وقبحًا وشناعةً عن جريمة الزنا إن لم تزد عنها، وهي أن يأتي الذكر ذكرًا مثله.
في الواقع أيها الإخوة: إن هذه الجريمة تعتبر من أخبث المنكرات وأشدها فتكًا بالمجتمع، فهي تقضي على ذكورة الفحل ورجولته، كما تقضي على أنوثة الأنثى، وفي ذلك من المفاسد والأضرار الخلقية والاجتماعية والصحية ما لا يحصى.
وإذا نحن تأملنا شدة غضب الله تعالى على قوم لوط الذين ابتدعوا هذه الفاحشة القذرة، ولم يكن قد سبقهم إليها أحد من العالمين، وقسوة العذاب والنكال الذي صبه الله عليهم، أقول إذا نحن تأملنا ذلك، اتضح لنا مدى فظاعة هذه الجريمة وشناعتها، فقد أخذ الله الكفار والعصاة من الأمم الماضية بكفرهم وذنوبهم بألوان شتى من العذاب :﴿فَكُلًّا أَخَذۡنَا بِذَنۢبِهِۦۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِ حَاصِبٗا وَمِنۡهُم مَّنۡ أَخَذَتۡهُ ٱلصَّيۡحَةُ وَمِنۡهُم مَّنۡ خَسَفۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ وَمِنۡهُم مَّنۡ أَغۡرَقۡنَاۚ﴾ (العنكبوت: 40)، وكان أشد النكال وأقسى العذاب لقوم لوط الذين ابتدعوا هذه الفعلة، التي تأباها الحيوانات الدنيا وتنفر منها الحشرات والديدان، قال تعالى في قرى قوم لوط: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا جَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهَا حِجَارَةٗ مِّن سِجِّيلٖ مَّنضُودٖ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَۖ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ بِبَعِيدٖ﴾ (هود: 82 – 83)، وقال صلى الله عليه وسلم متوعدًا من يرتكب هذه الفاحشة المنكرة: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» وقال تعالى توبيخًا لقوم لوط: ﴿أَتَأۡتُونَ ٱلذُّكۡرَانَ مِنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّنۡ أَزۡوَٰجِكُمۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٌ عَادُونَ﴾ (الشعراء: 165 – 166)، وقال تعالى مشيرًا إلى العذاب الذي حل بقرى قوم لوط وإنجاء لوط- عليه السلام- من بينهم: ﴿وَنَجَّيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِي كَانَت تَّعۡمَلُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمَ سَوۡءٖ فَٰسِقِينَ﴾ (الأنبياء: 74)، وقال صلى الله عليه وسلم داعيًا باللعن والطرد من رحمة الله على من يعمل هذا العمل القذر: «ملعون من عمل عمل قوم لوط، ملعون من عمل عمل قوم لوط، ملعون من عمل عمل قوم لوط» وقال ابن عباس في مرتكب هذه الجريمة: «ينظر أعلى بناء في القرية فيلقى منه، ثم يتبع بالحجارة كما فعل بقوم لوط»، وكتب خليفة رسول الله «أبو بكر الصديق» إلى خالد بن الوليد بتحريق المفعول به بالنار، وللعلماء في قبح هذه الجريمة وشناعتها ما لا يتسع المجال لذكره، وفيما ذكرناه الكفاية: والخلاصة-أيها القاري الكريم-: أن من يرتكب جريمة الزنا أو جريمة قوم لوط- عافانا الله وإياك من ذلك- فهو مجرم ضال فاسق ظالم خبيث، مطرود من رحمة الله رب العالمين.
في الحلال غنى عن الحرام
ما من شيء حرمه الله- تعالى- على عباده، إلا عوضهم عنه من الحلال الطيب ما هو خير منه، وأزكى وأنفع لهم في دنياهم وآخرتهم، فمن ترك الحلال إلى الحرام فقد جنى على نفسه وأهله وولده وأمته: ولقد مثل لرسول الله- صلى الله عيه وسلم- ليلة الإسراء والمعراج شناعة جريمة الزنا وقبحها، فرأی قومًا أمامهم لحم طيب ناضج، ولحم حبيث منتن، فوجدهم يتركون اللحم الطيب الناضج ويأكلون من اللحم الخبيث المنتن، فسأل عنهم جبريل فقال: هذا الرجل من أمتك يترك زوجه الحلال الطبية، ويبيت مع امراة خبيثة، والمرأة تترك زوجها الحلال الطيب، وتبيت مع رجل خبيث.
فيا فتيان الأمة وفتياتها، إني أهيب بكم أن تلقوا بأنفسكم في هذا المستنقع القذر: ومن دعته نفسه للفحشاء فليذهب لما أحله الله له، فإنه لا فرق في ذلك من حيث قضاء الشهوة، بل الحلال أسلم له وأطهر، وأزكى وآجر وأنجى له ولمحارمه، ومن لم يجد الحلال، فليستعفف حتى يغنيه الله من فضله.
نموذج للشباب الطاهر النقي
يا معشر الشباب: إني أسوق إليكم مثلين رائعين للشباب الطاهر النقي العفيف، الذي تتمثل فيه المعاني الإنسانية النبيلة، من عفة ونزاهة وطهر، ومرءوة وأمانة واستعلاء على الشهوات الدنيا، وتطلع إلى الأفق النقي الوضيء المشرق.
فأما المثل الأول فهو يوسف الشاب الذي انتزع صغيرًا من حياة البداوة من بين أبويه وأهله، وتربى في قصر الملك بمصر، تحيط به كل مظاهر الزينة والبهجة والإغراء والفتنة، وتتوالى عليه الأسباب المثيرة للشهوة، وهو في عنفوان شبابه، وتغلق ربة القصر أبوابه- بعد أن راودته عن نفسه مرارًا فأبى- ثم تقبل عليه في شهوة جامحة وقد كشفت له عن مفاتن جسمها، وأبدت كل زينتها وسحرها، وألحت عليه بكل كيد المرأة ومكرها، ﴿وَقَالَتۡ هَيۡتَ لَكَۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ رَبِّيٓ أَحۡسَنَ مَثۡوَايَۖ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ (يوسف: 23) الله أكبر، ولكن ربة القصر استعبدتها شهواتها فاستعانت عليه بنسوة في المدينة، وائتمرن به وكدن له بكل ما يمكن من وسائل الكيد ليوقعنه في حبائلهن، بعد أن أخرجته ربة القصر عليهن ﴿وَقَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّ وَقُلۡنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا مَلَكٞ كَرِيمٞ﴾ (يوسف: 31)، وهنا اختفى شبح الحياء وسيطرت الشهوة على الموقف، وانتقلت المراودة من طور السرية داخل القصر المغلقة أبوابه، إلى طور العلانية والإصرار في تبجيح سافر: ﴿قَالَتۡ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمۡتُنَّنِي فِيهِۖ وَلَقَدۡ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفۡسِهِۦ فَٱسۡتَعۡصَمَۖ وَلَئِن لَّمۡ يَفۡعَلۡ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسۡجَنَنَّ وَلَيَكُونٗا مِّنَ ٱلصَّٰغِرِينَ﴾ (يوسف: 32)، ويقف يوسف الشاب أمام هذا الحشد من جنود الشيطان وكيد النساء، شامخًا أبيًا مستعليًا على الشهوات، كابحًا جماح نفسه، مالکًا زمام أمره، ضاربًا بید قوية من العفة والإيمان على هذه الشهوات الجامحة السافرة، فخرت صريعة بين يديه وهربت شياطين الفاحشة ذليلة مدحورة، وتطلع يوسف الشاب إلى طهر السماء وهداها، لينقذه من شهوات الأرض وغيها: ﴿قَالَ رَبِّ ٱلسِّجۡنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدۡعُونَنِيٓ إِلَيۡهِۖ وَإِلَّا تَصۡرِفۡ عَنِّي كَيۡدَهُنَّ أَصۡبُ إِلَيۡهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ فَٱسۡتَجَابَ لَهُۥ رَبُّهُۥ فَصَرَفَ عَنۡهُ كَيۡدَهُنَّۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾ (يوسف: 33) وأما المثل الثاني فهو موسى الشاب الذي تربى هو أيضًا منذ ولادته في قصر الملك بمصر في حاشية فرعون، فتفتحت عيناه على فيض غامر من زينة القصر، وأبهة الملك، ودواعي الفتنة والإغراء،إلى أن هرب من بطش فرعون، بعد أن قتل المصري انتصارًا للذي من شيعته إلى ماء مدين، حيث وجد أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امراتين تذودان.
فانظر إلى موسى الشاب المؤمن أبت عليه شهامته ورجولته ومروءته، إلا أن يقدم العون للفتاتين اللتين منعهما الحياء والعفة من الاختلاط بالرجال عند ورود الماء، فأخذتا تذودان عنهما وتمنعانها من الماء، حتى ينصرف الرجال، فأقبل موسى عليهما في شهامة المؤمن وعزته واستعلائه على الأغراض الدنيئة، وألقى عليهما سؤالًا موجزًا: ﴿قَالَ مَا خَطۡبُكُمَاۖ قَالَتَا لَا نَسۡقِي حَتَّىٰ يُصۡدِرَ ٱلرِّعَآءُۖ وَأَبُونَا شَيۡخٞ كَبِيرٞ فَسَقَىٰ لَهُمَا﴾ (القصص: 23) رغم ما كان يعانيه من طول الطريق، ومشقة السفر، ورهبة الطلب، ولم يتطفل على الفتاتين بفضول الكلام كما يصنع لئام الناس وخبثاؤهم، بل تنحى عنهما بعد سقى غنمهما ﴿ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ﴾ (القصص: 24) مناجيًا ربه ومولاه ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلۡتَ إِلَيَّ مِنۡ خَيۡرٖ فَقِيرٞ﴾ (القصص: 24)، فجاءته إحدى الفتاتين تدعوه إلى إجابة أبيها ليكافئه على معروفه: ﴿فَجَآءَتۡهُ إِحۡدَىٰهُمَا تَمۡشِي عَلَى ٱسۡتِحۡيَآءٖ﴾ (القصص: 25) الله أكبر: يا ليت فتياتنا اليوم يتعلمن آداب المشي من هذه الفتاة الحبيبة التي خلد القرآن ذكرها بهذا الخلق الجميل، وسجل لها هذه المشية التي رفعت قدرها في العالمين وهي تمشي على استحياء: ﴿قَالَتۡ إِنَّ أَبِي يَدۡعُوكَ لِيَجۡزِيَكَ أَجۡرَ مَا سَقَيۡتَ لَنَا﴾ (القصص: 25) فمشى موسى مع الفتاة في حياء وصمت، لا حديث ولا كلام، ولكن كل منهما حياء يمشي على الأرض، ويأمر موسى الفتاة أن تمشي خلفه وتدله على الطريق خشية أن يحرك الريح ثيابها فيرى كمها: الله أكبر، فلما انتهى إلى شعيب وقص عليه خبره، وأجابه شعيب: ﴿لَا تَخَفۡۖ نَجَوۡتَ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ (القصص: 25).
هنا تقدمت إحدى الفتاتين طالبة إلي أبيها الشيخ المقعد أن يستأجر هذا الفتى القوي جسمًا وعقلًا وخلقًا، الأمين الذي لم يسمح لعينه بنظرة خائنة إلى فتاة لا تحل له ﴿قَالَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا يَٰٓأَبَتِ ٱسۡتَٔۡجِرۡهُۖ إِنَّ خَيۡرَ مَنِ ٱسۡتَٔۡجَرۡتَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡأَمِينُ﴾ (القصص: 26)، واستجاب الشيخ والفتى وتم زواجه بإحداهما، ووقع الطير على شكله، وانجذب العنصر الكريم إلى مثله.
والطيبات الطيبين والطيبيون للطيبات
أيها الشباب المسلم أقدم لكم هذين النموذجين للشاب المثالي الطهور: وأخيرًا فإن لكم المثل الأعلى في محمد الأمين الذي قضى عنفوان شبابه مستعليًا على الشهوات، وسط قوم غارقين في الشهوات إلى أذقانهم، فلم تؤخذ عليه هفوة، ولم تحم حوله ريبة، بل عرف بين قومه بالصدق الأمانة حتى لقبوه بهما، إلى أن أكرمه الله بالنبوة وبعثه للإنسانية ليتمم مكارم الأخلاق، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة، فجزاه الله خير ما جزى به نبيًا عن أمته، فما أروع أن يقتدي الشباب بهذه المثل العليا، وينتصر على شهوات نفسه ويملك زمام أمره، حتى يهيئ الله له أسباب الزواج فيغرس في أرضه، ويرتع في حرثه، ويصون شرفه وعرضه، ويحفظ ماءه من أن يتسرب إلى منبت الشيطان ومستنقعه،وكذلك على الفتاة مثل ذلك، وألا تسمح لماء قذر يدنس عفافها ويلوث شرفها، ويفسد منبتها، وليعتصم كل فتى وفتاة بدينه وأمانته، ويستعن بكثرة الصيام ﴿وَمَن يَعۡتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدۡ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾. (آل عمران: 101).ا
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل